قراءات نقدية

رحلة مفتوحة في مقاربة الديوان الشعري: قشعريرة الروح للشاعرة فضيلة برستجيه

* ذرر روحية يعطرها الشغف  فتتوهج الروح للأبد.

القلق وصيانة الذات والمعاناة والتقاط نبض الحياة واكتشاف حياة أفضل، والبوح بما يعتمل في الخوالج، واللواعج المتوقدة عاطفيا ونفسيا، والمخاض العسير لولادة وحياة جديدة، والسلوك المتحرك داخل الزمن، والتعبير عن الأحاسيس والجراح الغائرة والعثرات والانتعاش، هذا هو سر المتعة المنشودة في الشعر، ومن تم ترانيم غنائية صادقة تتولد من شعور المبدع ونفسيته، كل هذا نلمسه ويتحقق في الديوان الشعري الجديد الباذخ "قشعريرة الروح" للشاعرة المقتدرة "فضيلة باستندجي" الصادرعن دارالنشر الفرنسية "سبينيل"Spinelle  الواقعة في باريسSPINELLE - Librairies Charlemagne، سنة2022 وهو ديوان شعري باللغة الفرنسية من الحجم المتوسط، حساسية وكتلة مرهفة أخاذة لكتابة مغايرة، ساحرة وعذبة لما يختمر في الدواخل، كما يعبر عن تجربة إنسانية ذاتية وشاملة، رؤية عميقة أداتها اللغة، وحصانها الخيال، تسافر وتجنح بدلالة اللغة الحقيقية إلى دلالات مبتكرة، فمنذ الوهلة الأولى يشدنا ديوان "قشعريرة الروح" بانسيابيته، حيث تعانقت الذات مع الإيقاع بلغة موجعة ومشحونة بالأمل والوجد، وشفافة بصياغات متنوعة، وأسلوب شاعري رقيق يشد المتلقي ويحمله كمنصت مرهف الإحساس إلى عوالمه الخفية، وبذلك جعلت الشاعرة "فضيلة باستندجي" الشعر كيمياء لواقع أفضل وللحياة المنشودة، حيث التمرد على سوء المعاملة التي كابدتها في طفولتها وأثناء الدراسة، فضلا عن اليتم في وقت مبكر جدا، والمعاناة التي تفاقمت بسبب عملها كطبيبة، ثم كمستشارة طبية لصندوق الضمان الاجتماعي، العمل الذي أضناها وأخذ منها كل شيء، ومر العمر سريعا.

ديوان"قشعريرة الروح" ديوان شعري باذخ وماتع، وهو كما أشرنا سلفا ديوان شعري استلهمت الشاعرة "فضيلة برستجيه" مادته من  المواقف والتجارب الحياتية والإنسانية عبر تراكمات شتى، إذ يمثل عنوان الديوان العتبة الأولى في فهم العالم الشعري للديوان، فهو حامل للدلالة الكلية والبوابة الرئيسة لفهمه؛ وعلى ضوء الاستهلال الذي وضعته الشاعرة في مقدمة ديوانها، نستشف علاقة عنوان الديوان كمفتاح لقراءة ما بين دفتيه من قصائد والإبحار فيها، لما يحمله من دلالات عبر متن رائع يزخر بالمشاعر الفياضة والجياشة والصادقة النابعة من أعماق الوجدان، الذي لو ترجم لعدة لغات فسيظل محافظا على رونقه وجماله المؤثر في النفوس، كما أننا نستشف من خلاله تلك الرقة الأنثوية، علاوة على القوة والعزيمة التي تؤمن وتصر على انتصار الحق والجمال والوجد والوله، ورغبتها في وجود عالم إنساني حقيقي، فكم نحن نتوق لمثل هذه الروح في زماننا المتقلب المتخن بالجراح والألم وغياب المعنى، نحو التطهير وغسل النفوس المعذبة من أرزاء العنف والمعاناة والألم وغياب القيم، وتجاوزالسلبية التي باتت لغة كريهة تشوه العقول والجمال وتنسف القيم ومعالم السلام والأمن؟.

ويعد ديوان "قشعريرة الروح" للشاعرة "فضيلة برستجيه" ثمرة كتاباتها الإبداعية على مدار سنوات، وهي الشاعرة التي عرفت منذ أمد بعيد بشغفها بكتابة الشعر، وتمكنها من الكتابة باقتدار، حيث بدأت نشر كتاباتها مبكرا منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها، وهي تنشط في بعض الصحف والمجلات في عدد من المواقع الالكترونية المحلية وعلى صفحتها الفيسبوكية، وتنثر درّها المكنون على صفحات الروح والقلب، بما يخالجها من هواجس وانفعالات، ووجع وألم وغربة وحنين وأمل وفرح ووفاء وسعادة، فقصائدها حبلى بالآمال والتوهج الشعري، وترجمة صادقة لمشاعرِها وأحاسيسِها المرهفة ولواعجها الجياشة، وانفعالاتها وتفاعلاتها الكيميائية الداخلية،  قصائد مشعة بالإبداع، مشبعة بنفس ورؤيا شعرية عميقة، وتعكس القيمةَ الجمالية للروح الإنسانية، كما تمتاز كتاباتها بالتكثيف والاختزال اللغوي والمعنويّ عن التجربة الذاتية القاسية، كل ذلك ممزوج بروحها الثائرة المتمردة، وبروح يلامسها بعض اليأس وبعض الاحتجاج والفوران، فضلا عن دلالة الوجد والشغف والصبوة والشوق والمودة ونكران الذات ودعوة لسيادة ثقافة الاعتراف والوفاء، بذل الجحود والأنانية، فروح الشاعرة نفس شعري حالم متدفق بالتضحية والشغف والاحتفاء بل وبالتكريم أولا وأخيرا لكل المشاعر الطيبة، وخطابها الشعري خطاب متخيل، يختزن جملة من الأحاسيس والمشاعر والرؤى والرموز، وفنية فذة عالية، والديوان الشعري يمكن اعتباره ثمرة  معاناة ومكابدة للمآسي والأوجاع والتسلط والضيق وإكراهات الحياة والانتهازية والانتقاص والاحتقار، حيث يخبرنا شعرها المؤثر عن اضطرابات الروح والألم الذي فرضته تجربة غياب ثقافة الاعتراف، وهي لا تتوقف عن المسير إلى الأمام، فالمتتبع بتذوق فني لعناوين الشاعرة "فضيلة باستندجي" يصل إلى خلاصة تجربتها  الحالمة في مستقبل التقارب الإنساني بكل اتجاهاته، بتركيزها في نظرتها الحالمة لمستقبل جديد تعيش فيه الإنسانية بتحضر إنساني وبسلام وبكرامة وإنسانية واحترام، ورفض الازدراء والتنقيص من الآخر مهما كان، خلخلة كل ما هو بائد بل وتجاوزه مثل القهر والظلم والانتقاص من الآخرين، من تم فشعرها ثورة وتمرد، لكنه مفعم بالحب والوله  والصبابة والمودة والشوق والجمال، وبالبيان والكلمة السحر الحلال، وبالجملة يمكن القول إن"فضيلة باستندجي" شاعرة مثقَلة بالحياة فما علينا جميعًا إلا أن ننهض من جديد ونحن مسلحون بالإرادة والعزيمة، لمواصلة مشوار الحياة التي يجب أن نتقبلها كما هي، فبالإبداع  تتم فرحتنا جميعًا ونتشارك هموم الحياة ونتقاسم آلامها، فيصفو كل شيء، وفي الشعر خاصة القدرة الهائلة على التجاوز والتسامح الأصيل، المشبع بكل التناقضات والسعادة بكل تأكيد في عالمه الرحب، نحو عالم مليئ بالحب والأمل والسعادة والأمن والسلام والشغف والصبوة والشوق والحنين.

عطر وورد وياسمين

خذ بيدي، إلى يدك،

خرجت للتمشية، من الطراز القديم،

في سحر ومبهجات لياليك يا عالمي

فوق رؤوسنا، يتكشف، دانتيل الأبنوس الخاص بك،

ملمح آخر يشي بشدة الغضب الطافح من الداخل، وهربا إلى الأمام، قبل إفراغ وعاء بوح الروح، والتحرك من محور وضعية المعاناة والقلق، بدفقات شعرية وشعورية وببذل جهد في تجاوز وقفة  البياض والصمت والانتكاس، فتسقط منها الكلمات مثقلة بالهموم متناثرة وبالحب والشوق والحنين والوجد معطرة.

عانقني قريباً، مملكتي، حبيبتي،

خارج قلبك، لا شيء يسعدني أو يثيرني.

لأنني أحبك يا "كيم" من حب معين،

وتسحر بروائح ياسمينك للأبد.

مباشرة خارج الخطاف

وهو ما  أضفى عليها بهاء وجعلتها ترقى إلى لغة كونية في خلجاتها الإنسانية الراقية، كما أن هناك متعة متجددة في كل قصيدة، واللغة والنفس الشعري الساحر الأخاذ والشاعرية العذبة، لقد لفتت الشاعرة "فضيلة بسترجي"وشدت انتباه الكثيرين  لقدرة قصيدتها على نقل الهاجس الفكري والفني، بكل رونق الشعر وقوته، وأكثر ما لفت الانتباه لديها كان قوة جرأة الموقف لتجاوز حالات الانهزام واليأس، فمقدمة ديوانها (الاهداء) اهداؤها يقول كل شيء من ناحية الموقف، فهي صرخة للوفاء والاعتراف، فضيلة أحيانًا غاضبة ثائرة، وفي أحايين كثيرة شغوفة ولهة حالمة تبدع الجمال وتسمو بالإنسان والحياة، بحكم أن نصوصها تعتبر نصوص زمان فضلا عن كونها نصوص مكان، فالشاعرة تفتح جراحنا وتحاصرنا بين عمق المعنى وجمال رمزيته ورؤاه، وبين جراحات الألم وصدق معاناته، فنشعر بالقشعريرة والصخب، فإذا كان خارج الروح لاشيء يسعد، فإن الشاعرة تثيرالعواطف الجياشة الفياضة بالنبل لتستل بهاء الأرواح، ومن تم فهي تفتحُ جِراحَنا وتُحاصرُنا بينَ جمالِ المعْنَى وَعُمقِ الألمِ، فنشعرُ بعواصِفِ الذات والروح في أبهى جمالها وعنفوانها وشغفها.

ديوان "قشعريرة الروح " فيض من المشاعر الجياشة والقيم الإنسانية العالية النبيلة الأصيلة، إنه ديوان طافح بالتلقائية والعفوية، وبروح إنسانية عميقة نحو الجنس البشري بشغف، ووجد يعانق الإنسانية في تسامح ولين الإنسان الحقيقي بقيمه النبيلة السامية، كما يحفل بعذوبة ودفق الحياة والحب والجمال بكل صدق:

وعيني في عينيك مئات النجوم

زفير ربيعي، يمشي على ثناياك

أرتعد قهرًا، أنت تبهرني، يا حلو آسين،

والعندليب يغني يصفر التيرلوتين

نضارة ظلك هي الملجأ الذي ينفرني

أنت نبيل و مرحب و رباني صدري

مداعب بين ذراعيك، مداعبتك، لقد قيدتني

أنت مثمر ومثمر عندما تزرع سهولك

لف وتدفق يا برادا، إنه أنت، السافين الخاص به؛

تصفيقاتك، ألحانك، صريرك وهادئ.

باتيفول ومروي الوردة الجميلة دمشقية

همساته، مداعباته، وعوده ما رينجين.

دراويشها يدور، في غزل سامى،

رأس مال دخلها؛ ثقافتها وجذورها.

عانقني قريباً، مملكتي، حبيبتي،

محركة في دواخلنا فيض من المشاعر الإنسانية التي تتداخل في المعاني مكونة حالة وجد وتوق وصور عاطفية بالغة الصدق، فهي تتفاعل من خلال قصائدها مع القارئ على أساس وعيه ومعرفته، رغم الانزياحات القوية التي ترمي لها رمزية المعنى والتي تغوص في الذات الإنسانية، قصائد تجعلنا الشاعرة "فضيلة بسترجي"  من خلالها ننغمس بحرارة في الرومانتيكية التي تقوم بمزج العاطفة بالإدراك الجمالي مع السرعة في الإيقاع المشحون بالشاعرية المشتغلة على كتابة  مغايرة كنور وهاج لا يخلو من متعة سحر جذوة الحياة، كما يؤسس فينا مفهوم الاحترام  والتقديرالإنساني، مما يجعلنا ندعمها  ونشكرها على هذا الديوان الباذخ والذي يعد شامة فخر في أدبنا كما يعد تجربة ناضجة بكافة المقاييس، حقا لقد نجحت الشاعرة  القديرة "فضيلة بسترجي"  في إثبات قدرتها ولباقتها، وأسلوبها بروح الشّاعر الإنساني الشغوف، وميولها في أن تكونَ كتابتها بكر، دون إعلان لمشروعها بأن تجعل ديوانها الماتع"قشعريرة الروح" ينطق بوردية أحلامها وشغفها وولهها، وأهدافها النبيلة، وتركت للقراء الحكم على ما فيها من عالمية انطلقت من ذاتها الحالمة، لتعلن شعرية حبلى بالقيم والإنسانية والشغف والوجد والحلم الجميل، كما أنها روح جبلت على التضحية والكفاح وكيف لا؟، وهي حفيدة الشهيد العلامة العربي التبسي حيث القيم المعنوية لمن يدرك قيمة المعاني، والهيبة والرهبة والخشوع والتضحيات الجسام والوفاء.

***

للكاتب: محمد آيت علو

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5876 المصادف: 2022-10-07 01:16:54


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م