قراءات نقدية

الشعر المقاوم في الأدب الروسي بين الماضي والحاضر

لا شك إنّ الأدبَ الروسي إبتداء من عمل القديسين المعادلين للرسل كيرللس (قسطنطين) ومثوديوس (ميخائيل) اللذين وضعا الأبجدية السلافية وقاما بترجمة الكتب المقدسة إلى اللغة السلافية التي سميت بالكيريلية، وصولا الى الشعر الروسي المعاصر،هذا الأدب ومنذ نشأته عمل على تربية القراء على قدسية الدفاع عن البيت، والوطن، والإيمان.

يمكننا القول أنّ الحربَ الوطنية العظمى كانت امتحانا قاسيا للوطن السوفييتي (1). في هذا البلد استطاع الجندي الروسي تحمل كلّ مآسي تلك الحرب محافظا على نقاوة روحه، متسلحا بقدسية الرحمة، وبمفهوم العفو عند المقدرة.

في نيران المعارك، وفي خنادق الدفاع عن الوطن ظهرت أشكال جديدة في الشعر الروسي: منها الشعر، الذي أخذ شكل النداء، وآخر كان بمثابة دعاء، بل صرخة استغاثة لتحفيز الهمم وبعث روح النخوة والحَميّة .

ربما لا نخطئ إذا قلنا أن تلك الأشكال تنضوي تحت عنوان الشعر المقاوم. وإذا ما قورنت هذه القصائد بما قد كتب في زمن الحرب العالمية الأولى نجدها تتميز بما يلي:

− نادت هذه القصائد باستعادة الحق المغتصب، وسيادة العدالة والقانون .

− نادت أبناء الشعب بعدم الرضوخ لقوى الغزو مهما كانت قوتها وجبروتها.

− نادت غالبا بشكل مباشر لا غموضَ فيه، نادت أبناء الشعب وخاصة من هو قادر على حمل السلاح، نادتهم للتصدي للمعتدي والعمل على قهره وقتله.

هذا هو قسطنطين سيمونوف يكتب عام 1942 (2)

قصيدته الشهيرة

Если дорог тебе твой дом…

"إذا كان بيتك غاليا عليك"

سنستعرض وإياكم بعضا من سطورها

*

إذا كنت لا تريد أنْ تتركَ للفاشيست المسلح

وتمنحه إلى الأبد:

بيتكَ الذي عشت فيه، زوجَتكَ وأمّكَ ...َ

كلّ هذا الذي نسميه وطناً −

فاعلم .. لا أحدٌ سينقذه غيركَ،

إذا لم تنقذه أنت،

اعلم .. لا أحدٌ سيقتله

إذا لم تقم بقتله أنتْ.

ما دمت لم تقتله بعد

أسكتْ، ولا تقلْ شيئا عن حبكَ،

*

لنقل أنّ أخاك قتلَ معتديا

لنقل أن جارَكَ قتل فاشيستيّا

هذا يعني أن جارك وأن أخاك يقومان بفعل الإنتقام،

ليس لديك ما تبرزه لتبرئة نفسك.

لا أحدٌ يختبئ خلف ظهر رجل آخر

لا أحدٌ ينتقم ببندقية غيره ...

إذا كان أخوك من قتل ذاك الفاشيست –

هذا يعني أنه هو المنقِذ ُ ليسَ أنت ...... "

***

لاحظوا معي كيف جاءت الكلمات في النص تحمل طابع النداء، وبصورة تشبه الدعاء أو النجدة والرجاء، نداء داع للقتل – قتل العدو.

" إذن أقتلْ ولو عدوا واحداً

أقتلهُ...، أقتلهُ حالا

أقتله كلما رأيتهُ،

أقتله ولو أكثر من مرّة....".

في قصيدة الكاتب الروسي الكبير هذه انعكاس واضح لهبّة الشعب – هبة رجل واحد. القصيدة تعكس روح الشعب، هذه الروح المقاومة، الروح التي ترفض الخضوع لذلك الغازي المعتدي على الأرض والإنسان، تدافع عن السيادة، والبيت، والطمأنينة.

كان عنوان القصيدة قبل التعديل: "إذا كان بيتكَ غاليا عليكَ ... فاقتلهُ". وفي عام 1966 طرأ تغيير على تسمية القصيدة، وكلمة (ألماني) داخل النص استبدلت بكلمة (فاشيست).

في قصيدة الكاتب الكبير سيمونوف نداء واضح . صرخة بيّنة للقيام بفعل مكافحة المعتدي الغاشم، والوقوف صفا واحدا أمام قطعان المعتدين الغرباء. نداء للقيام بواجب الدفاع عن البيت، والأرض، والإيمان − هذا الواجب، الذي لا يمكن التهاون به، أو التغاضي عنه أو إهماله. هذا النداء يمكن اختصاره بعبارة واحدة: (أقتلْ عَدوّكَ).

نعم النداء واضح ولكن الظروف التي كانت تحيط بإمكانية تنفيذه كانت قاسية جدا، إذ أنّ فعل القتل يجب أن يوجه ضد أولئك الذين بَطشوا بأبناء الشعب السوفييتي، قاموا بفعل التقتيل، والحرق، والإغتصاب، والنهب، وقاموا بتجويع البشر، ودمروا المدن والمزارع والبيوت على رؤوس سكانها.

إن قصيدة سيمونوف هذه لا تتعارض مع المفاهيم الأرثوذكسية وشروح هذا المذهب في مسألة حق الدفاع عن البيت، والوطن، والإيمان، إذ أنّ تعاليم هذا المذهب تقر بأنّ الحربَ نوعان:

"حربٌ قاسية ظالمة عند أولئك الذين يقومون بالغزو والعدوان

دون حاجة لذلك، ودون حق يقرّ بذلك، بل بسبب الجشع والطمع والتعطش لسفك الدّماء – على هؤلاء تقع المسؤولية الكبرى عن قتل من لهم وقتل الغرباء".

" وحرب مقدسة، هي أمر ذو قد سية كبيرة لأولئك الذين لا خيار لهم سوى الدفاع عن الحق، والإيمان، والوطن"(3).

إنّ الحرب الوطنية العظمى في الاتحاد السوفييتي كانت حربا عاد لة ليس فقط لأجل تحرير الأرض بل للدفاع عن حق الإنسان في العيش والحياة بحرية وكرامة، وحرية الفكر.

من الشعراء الذين كتبوا في زمن الحرب العالمية الثانية، ممن شاركوا في مقارعة الأعداء يمكننا ذكر سيرغي ناروفتشاتوف، و ميخائيل لوكونين، و ألكساندر ميجيروف، وسيميون كودزينكو، ويوليا درونينا، وسيرغي أورلوف، وآنّا أخماتوفا، وموسى جليل، وغريغوري بوجينيان وغيرهم.

لا شك إنّ الشعر المقاوم والمناهض للحرب والعدوان – أي شعر الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وصولا إلى السبعينيات في القرن المنصرم إنما هو استمرار طبيعي لتقاليد الأدب الروسي – تلك التقاليد التي كانت مداميكها الأولى قد بنيت إثر حملة نابليون على روسيا عام 1812، حين هبّ الجيش الروسي والشعب الروسي بوجه المعتدين، ونظِمَت (بضم حرف النون) مقاومة شعبية عنيدة، حيث ُاستطاعت هذه القوى مجتمعة دحر هذا العدوان الغربي ما أدى إلى انهزام جيوش نابليون ووصول الجنود الروس إلى قلب باريس.

يحاول الشاعر المعاصر دميتري دارين تدوين أشعاره عن روح الشعب السوفييتي في زمن الحرب، إذ يقوم بتصوير مشاهد التضحية بالنفس من قبل أبطال قصائده لأجل تحقيق النصر على العدو، وبنفس الوقت يصور للقارئ بشاعة هذه الحرب. ومن خلال عرض بطولات المدافعين عن الوطن والأرض نراه يتغنى بتمجيد الحمية الوطنية، وروح التضامن بين الجنود المدافعين عن البيت، والأهل، والوطن.

نقدم اليوم للقارئ العربي بعضا من القصائد للشاعر الروسي المعاصر دميتري دارين، يحكي فيها عن بطولات الجندي السوفييتي، وتضحياته خلال تلك الحرب، وعن روح الدفاع المقدس لدى أبناء الشعب السوفييتي، الذي حقق ذلك النصر العظيم على قوى النازية والفاشية.

Без меня

بعد رحيلي

بعد رحيلي

سوف تشغل أصواتُ البلابلِ

بالَ العُشاق ِفي غابة البلوط،

سوف يتوقف فوجنا أثناء العبور،

حيث الجنود كلهم من رفاقي

ولكن دون وجودي.

*

بعد رحيلي

سوف يندفعون مثل ماغما بركانٍ في السهوب،

موجهين النارَ نحو ذلك العدو الحقود ِ

وتغزو أسرابُ الغربان السود

تلك الأرض الرطبة،

سيحصل هذا بعد رحيلي.

*

بعد رحيلي

سوف يشعلون موقداً في كف النهار،

والشعلة الصفراءُ تبعث الدّفء في الأيدي،

فبأي طريق مشيت،

ستعود أنت، يا صديقي فاقدا إيايَ،  أجل، ستكون وحدَك.

*

بعد رحيلي

سوف تدور رقصة ُ الشبابِ في الحَلقة

ويُسمعُ صوتُ الهارمونيكا الصّادح

وها هو الثلجُ الأخيرُ يذ وبُ في الغابة

والناس يحتفلون بعيد الفصح المجيد.

آه. بعد رحيلي.

*

لأجل روحي

سوف يقيمون ذكرى الأربعين في ظلّ شجرة الحور،

ويأتي الأهلُ لزيارة المقبرة،

ويتذكرون سنوات الشباب،

عندما كنت بينهم حيّا.

أجل، لأجل روحي.

2006 م

***

Похоронка

ورقة نعي

بقرية قليلة السكان – سيدتها شجرة ُ القيقب،

تظللت تحتها عزبة.*

ها هو ساعي البريد، الرّجل المُسن يقف أمام بابها

ممسكا بيد مرتجفةٍ ورقة نعي.

**

صَعُبَ عليه الد خول – والبيتُ ليس غريبا عليه،

تمرمر باخراج التبليغ من الحقيبةِ،

كما لو أنه ينتزع من صدره، بيدٍ غير ثابتة،

مصائبَ أو حسناتٍ كي يوزعها.

**

في العزبة تسكنُ امرأة عجوز

عاشت بانتظار ابنها الأصغر – آخر الأولاد،

كانت في أيام صباها توأم روحه

طالما شاركته في رقص وغناء الحلقة.

**

دارت الأيام ليس كما أراد،

وبقيت قصتها شوكة في القلب،

هذه التي لم تصبح شريكة حياتِه

صارت حبيبة قلبه طوال العمر.

**

بكى الرّجلُ المُسِنّ، وجلسَ على حافة مصطبةٍ

محاولا فضّ ذلك الظرفَ الرّسميَّ،

أدركت شَجَرة ُ القيقب حساسية َالموقف،وأخذت تصدر حفيفا هادئا

كأنها تحنو على العجوزين وتواسيهما (4).

2005 م

***

И один в поле войн،

если он русский!

الجندي الروسي وحيدا في الميدان - يُقاتل.

نحنُ في الواحد بعد الأربعين تقهقرنا،

وخلفَ الدخان خَسرنا شبرا بعد شبر.

قائدُ الكتيبةِ الشايب، قائدُ الكتيبةِ الشايب

كان ينتظرُ من المتطوعين التضحية بالنفس.

**

لتغطيةِ الإنسحاب يجبُ قطع الطريق وبالمدفع،

من قادرٌ منكم القيام بذلك ولو لساعةٍ،

فليتقدمْ خطوة ً واحدة إلى الأمام !

هنا تقدمَ واحدٌ مننا.

**

خيّم الصمت كما السّكين،

حتى البلبل هو ايضا قد سَكتَ،

توجه فوجنا نحو السّوج، إلى ما وراء النهر(5)

وتركَ فوجُ المشاةِ ذلك الموقعَ.

**

هاهي سنابلُ الجودار تغمر السَّبطانة (6)

لقد جمعَ في راحته تلك الحَبّات الدافئة،

مرَّت لحظاتٌ وقد غادرَهُ الخوفُ

وصرخ قائلا لذاته: نارْ .

**

شابٌّ سوفييتيّ بسيط −

كم هو فتيٌّ، وكم هو أشقر اللون،

وأشعة الشّمس هنا حارقة ٌ.. حارقة ْ،

والمدفعُ يطلق قذائفَهُ من هذا المُرتفع.

**

صَوبَ تلكَ " النمور" التي تكشِّر عن أنيابها، (7)

نعم نحو تجمعاتِ الأعداء،

لعلها تصيب، أجل لعلها تصيب −

وها هي قذيفة أخرى جاهزةٌ للإطلاق !

**

ها هي السّاعة الثالثة على بداية القتال الشديد،

السّمواتُ تهتزُّ لكثرة الإنفجارات،

لقد حَجبَ بجسمِهِ الشرَّ عن روسيا،

أجل لقد ردَّ الشرَّ عن روسيا هذا المُساعدُ النحيف.

**

لكلّ شيء بهذا الكونِ نهايةْ

ما جعل الألمانَ يخافون، ويستغربون

أنَّ مقاتلا واحدا فقط، فقط مقاتلٌ واحدْ

قد افترشَ هذا الحقلَ هنا شهيدا.

**

إذا كانت في الموتِ حقيقة،

فعليكَ أن تحتفظَ بها،

مرَّ جنودُ الأعداء بقربِ الشهيدِ

وأدّوا التحية لهذا الجُندي الرّوسيّ.

**

وفي الميدان مُقاتِلٌ وحيدٌ.،

حقا إنه أسمى من المَجد والأوسمَة −

إنه بحق الماردُ الرّوسيُّ ..

إبنُ روسيا البار، الصادِقْ.

2017 م

***

إعداد وترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

....................

هوامش ومصادر:

1. ينظر الناس في روسيا إلى تاريخ هذه الحرب أنها الحرب الوطنية العظمى.

2.Симонов К. Если дорог тебе твой дом.

[Электронный ресурс].URL.:https:// stihi/d3.ru/

Konstantin-simonov-ubei-ego-406754/?sorting=raiting

3. Филарет (Дроздов)، святитель. Избранные труды، письма، воспоминания. М. 2003 г.

4. Дмитрий Дарин. Безымянный батальон. Москва. 2018 г.

5. السّوج: هو إسم النهر قرب ساحة المعركة.

6. الجودار: نوع من الحبوب شبيه بالقمح يزرع في شمال روسيا.

7. النمور: الدبابات الألمانية في زمن الحرب.

* ملاحظة: عزبة بالمفهوم الروسي – تعني البيت الريفي البسيط.

نقلت القصائد من النص الروسي الأصلي.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5892 المصادف: 2022-10-23 01:59:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5994 المصادف: الخميس 02 - 02 - 2023م