قراءات نقدية

تحوّلات القصيدة العربية المعاصرة في ميزان النقد

مرّت القصيدة العربية بمراحل شتى منذ فترة العصر الجاهلي. وعرفت مجموعة من التحوّلات العميقة والمفصليّة، مسّت مبناها ومعناها، أو ما يسميّه النقاد، الشكل والمضمون.

لقد حافظت القصيدة العربيّة في الجاهلية على نمطها وشكلها العمودي وموضوعاتها المستلهمة من الحياة المعيشة في زمني السلم والحرب، وفي السرّاء والضرّاء، من خلال علاقة الشاعر بعشيرته وقبيلته، وموقعها الاجتماعي والاقتصادي والروحي بين القبائل المحيطة بها.

لم يتجاوز خيال الشاعر الجاهلي مرآة واقعه المعيش، وحدود بيئته، ولا آفاقها الرحبة قط ؛ فقد كان شديد الولاء والالتصاق بها، يعيشها بعقله ومشاعره فهو نصيرها، ظالمة كانت أم مظلومة. حتى قال دريد بن الصمّة:

و ما أنا إلا من غزيّة إن غوت ** غويت وإن ترشد غزية أرشد

كما كان الشاعر الجاهلي وصّافا بارعا للطبيعة المحيطة به، الحيّة منها والجامدة، يصف الليل البارد والنهار القائظ والفلوات وما فيها من نخيل ووابل وعطش وحيوانات وطيور وغزلان وإبل وجياد وذئاب، وغيرها من الحيوانات. وقد برع الشاعر امرؤ القيس في غرض الوصف أيّما براعة، وللّه درّه في قوله، في معلّقته الذهبيّة:

وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ ** عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي

فَقُلتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِجوزهِ ** وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ

ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي ** بصُبْحٍ وما الإصْباحَ فيك بأمثَلِ

فيا لكَ من ليلْ كأنَّ نجومهُ  **   بكل مغار الفتل شدت بيذبل

كأنَّ الثريا ع.قت في مصامها ** بأمْراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جَندَلِ

وَقَدْ أغْتَدي وَالطّيرُ في وُكنُاتُها **  بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ

مِكَرٍّ مفرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معًا  **  كجلمودِ صخْر حطه السيل من علِ

كما كان مدّاحا لأكابر قبيلته وشيوخها، وحلفائها من القبائل الأخرى، مفتخرا بمجد قومه التليد وبمآثر الآباء والأجداد ومكارمهم.

و قد قال عمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة:

أبا هند فلا تعجل علينا ** وانظرنا نخبرك اليقينا

بأنّا نورد الرايات بيضا ** ونصدرهنّ حمرا قد روينا

إذا بلغ الفطام لنا صبيّ ** تخرّ له الجبابر ساجدينا

راثٍ لقتلاها الشجعان وموتاها الكرام، كما رثت الخنساء أخاها صخر.

قذى بعينكِ أمْ بالعينِ عوَّارُ ** أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدار

كأنّ عيني لذكراه إذا خطرت ** فيض يسيل على الخدين مدرار

تبكي خناس على صخر وحُقّ لها ** إذ رابها الدهر، إنّ الدهر ضرّار.

متغزّلا بحبيبته، مفصحا لها عن حبّه وعشقه لها، برغم أنف القبيلة وطابوهها، كما فعل بطل السيف والقلم، عنتوة بن شداد في تغزّله بحبيبته وابنة عمّه عبلة بنت مالك:

يا عَبلَ إِنَّ هَواكِ قَد جازَ المَدى ** وَأَنا المُعَنّى فيكِ مِن دونِ الوَرى

يا عَبلَ حُبُّكِ في عِظامي مَع دَمي ** لَمّا جَرَت روحي بِجِسمي قَد جَرى.

كانت القصائد والمعلّقات تُستهل بالنسيب والغزل والبكاء على الأطلال، فكانت مقدمتها غزليّة، طللية. وسار العرف بين الشعراء، حتى صار – بمرور الزمن – ركنا ثابتا وأساسيّا في القصيدة العربيّة العموديّة. ولم يخرج الشعراء العرب اللاحقون عن هذا القانون الشعري المقدّس الذي أبدعه السابقون، إلا بعد مرور قرنين.

لقد بدأت بذور التجديد في القصيدة العربيّة في العصر العباسي (132 هـ - 656 هـ)، وهو عصر شهد امتزاج الثقافة العربية بنظيرتها الأعجميّة ؛ الفارسيّة والهنديّة واليونانيّة، واختلاط الأجناس في المجتمع العباسي، وميلاد جيل المولّدين، بعد توسّع الفتوح الإسلامية شرقا نحو الهند والسند وشمالا نحو القسطنطينيّة وأثينا وروما، وغربالا نحو إفريقيا الشمالية إلى حدود شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس). فظهر شعراء فطاحل أضافوا للقصيدة العربيّة معاني جديدة، لم تكن مطروقة من قبل.

عناصر بنائية جديدة، فكانت المقدمة الحكمية (الحكمة) على يد أبي الطيب المتنبي وأبي تمام وأبي فراس وأبي العلاء المعري، والمقدمة الخمريّة (الخمر) على يد أبي نواس، والمقدّمة الدينيّة (الزهديّة) على يد أبي العتاهيّة. أما في الأندلس فقد تدّعم الشعر العربي بجنس جديد من الشعر، مستلهم من البيئة الأندلسيّة الجديدة ، سميّ بالموشّح الأندلسي، تأثرا بشعراء التروبادور القشتاليين في شبه الجزيرة الإيبيريّة.

مولد القصيدة العربيّة المعاصرة:

لم يختلف النقاد العرب كثيرا حول رواد القصيدة العربيّة المعاصرة وبداياتها الأولى، سواء من حيث التأريخ أو الشعراء المجدّدين. فقد اتفقوا على أن الشاعرة العراقيّة نازك الملائكة، هي أول من كتبت قصيدة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة سنة 1947 م، في قصيدتها (الكوليرى).

ما حدث للقصيدة العربيّة المعاصرة من تحوّلات جذريّة صنّفه شعراء الحداثة ونقادها والمغرمون بها ضمن ظاهرة التجديد في الموضوعات، والتي رافقت القصيدة العربيّة منذ العصر العباسي إلى ظهور المدارس الأدبيّة الثائرة على الكلاسيكية، كالرومانسية والواقعيّة والرمزيّة والسرياليّة، ثم ظهور نظريات أدبيّة، تبشّر بالحداثة وما بعدها، بل اعتبروها ضرورة حتميّة لا مفرّ منها. وجاءت البنيوية لتؤيّد ظاهرة التجديد – كما زعم دعاة التجديد – في بدايات القرن العشرين. ولعل القاريء العربي قد أدرك أنّ نوايا التجديد في القصيدة العربيّة قد ظهرت بوادرها ومعالمها الأولى عند الشعراء المهجريين ونظرائهم الذين درسوا في أوربا في إطار البعثات العلميّة التي ابتدأها محمد علي باشا، واستمرّت بقوّة حتى قيّام ما سميّ بثورة الضباط الأحرار سنة 1952 م وسقوط الملكيّة المتوارثة عن الدولة العثمانيّة والنظام السياسي الخديوي. وكان كتاب الغربال لميخائيل نعيمة، والذي انتقد التراث ووسمه بأنّه " ترهات رضعناها من ثدي أمسنا "، دوره في بروز حركة التجديد من منظور الولع بالقصيدة الغربيّة ولعا شديدا، إلى درجة اعتبار القصيدة العربيّة العموديّة في مبناها ومعناها، ضربا من ضروب الصنعة العمياء والتقليد والجمود الفكري والعاطفي، بل ذهب دعاة التجديد الذين تشبّعوا بالثقافة الغربيّة ومذاهبها الفنيّة، إلى تصنيف القصيدة العربيّة المحافظة على هويّتها الفنيّة العروضيّة، في خانة الكائنات الميّتة والمنقرضة، كما أثار عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين زوبعة، لا مثيل لها، في كتابه " الشعر الجاهلي " الذي أثار فيه ظاهرة " النحل والانتحال " في القصيدة والمعلّقات الجاهلية، وهو طرح جديد، كلّ الجدّة، على الشعر العربي.

كما كان لجماعة الديوان التي ضمّت العقاد والمازني وشكري نصيبها الأوفر في فتح باب التجديد على مصراعيه أمام الشعراء والنقاد المتردّدين والمعجبين بالشعراء الغربيين كا: ت. س. إليوت وإزراباوند وبوشكين وغيرهم.

التجديد أو بالأحرى التطوير، مطلب منطقيّ وهو عنوان الحيويّة والديمومة والازدهار. لكن له شروطه وغاياته، ومن شروطه: أن يقدّم البديل الأمثل، لا أن يسعى في الهدم وهو لا يملك أدوات البناء الجديد. وأن يكون أيضا متدرجا لا متسرّعا. فقد مكثت القصيدة العربيّة عند فطاحل الشعراء القدامى قرونا ومقدّمتها الطلليّة، الغزليّة على حالها.

و لم يجرؤ الشعراء على تغييرها وإحلال مقدّمة بدلا منها، خوفا من ردود الفعل  ولم يفسّر ذلك على أنّه خلّة عجز عن الإبداع والتجديد. إلى أن بادر الشعراء العبّاسيّون والأندلسيّون الفطاحل إلى وضع المقدمة الحكميّة والخمريّة، بعد تأثرهم بالثقافات المحيطة بهم. لكنّهم لم يحطّموا البناء العروضي كليّا، ولم يشوّهوه بحجة التجديد والعصرنة ضروراتهما.

و في ضوء النظريّات الأدبيّة والنقدية، التي توّهجت في الغرب بعد الحرب العالميّة الثانيّة، والوافدة بحكم نظريّة الغالب والمغلوب لعبد الرحمان بن خلدون (المغلوب مولع أبدا بالغالب...)، افتتن شعراء القصيدة الحرّة بما كان يرد من الشعر الغربي، سواء في لغته الأم أو مترجما. فكان الشعر الانجليزي والأمريكي في مقدّمة الشعر الوارد مترجما أو غير مترجم بحكم ولاء المشرق العربي للثقافة الانجليزية، أما في المغرب العربي، فقد كانت الثقافة الفرنسيّة، هي السائدة بحكم الظروف التاريخية الاستعماريّة، التي أورثت المجتمع المغاربي تبعيّة ثقافية ولغويّة لفرنسا الكولونياليّة.

و لم تجد القصيدة العربيّة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين آذانا صاغية، ولم تنتشر إلاّ في نطاق جغرافيّ محدود. وظهرت للنقاد – لأول وهلة - أنّها شذوذ شعري وبدعة لا جدوى من وجودها. وهاجمها بعض النقاد هجوما عنيفا. فهذا الأستاذ الناقد مارون عبود، وهو من أهم " النقاد اهتماما باكتشاف المواهب الجديدة وتمحيصها " يقول في معرض تحليله لديوان " ثلاثون قصيدة " لتوفيق صايغ. ".. أنّه لا يستطيع أن يعدّ هذا الضرب من الكتابة شعرا. " ويقصد بكلامه ذاك ما ورد في ديوان توفيق صايغ من (شعر) حسب زعمه. والمتصفّح لقصائد ديوان " ثلاثون قصيدة " لتوفيق صايغ - ناقدا كان أم قارئا – يدرك صحة الحكم الذي خلص إليه الأستاذ مارون عبود. فإذا كان هذا الضرب من الكتابة محسوبا على مملكة الشعر، فإنّ ذلك سيفقد الشعر خصوصياته الفنيّة، ويسلبه سحره الفنّي وجماليّات أسلوبه ورقيّه البلاغي.

أخذ التجديد عندنا منحى خطيرا غرضه اجتثاث الأسس من الجذور. ولو تأملنا مصطلح (التجديد) لوجدناه مفهوما معتما، اكتنفته العديد من المغالطات الفكريّة والفنيّة. لأنّه يقابل مصطلح (القديم). وانطلاقا من هذا التقابل – الذي كان من الممكن جدا أن ينشأ عنه تجانسا وتعايشا – نشب الصراع بين الجديد والقديم في النص الشعري، وانقسم الشعراء إلى شيوخ محافظين وشباب مجدّدين. ولم يكن هذا التعارض والخلاف رحمة ونعمة على القصيدة العربيّة المعاصرة، بل ساهم في كبح حركتها وتطوّرها. وطفق دعاة القصيدة الحرّة أو قصيدة التفعيلة – باسم الحريّة - في وسم دعاة القصيدة العموديّة التقليديّة بتكريس الجمود والتخلّف والتقليد الأعمى، بينما ردّ عليهم شعراء القصيدة العموديّة بأنّهم فئة ضلّت طريق الشعر العربي الرصين، وجهلت معنى الشعر، فئة افتقدت الذوق الفنّي العميق، وعجزت عن الإمساك بناصية الشعر الحقيقي الأصيل، المبني على الموهبة والإبداع والعبقريّة والتجربة والملكة.

التجديد في المعنى والمبنى. أيهما أولى؟:

لم يتجرّأ الشعراء العباسيّون الفطاحل (المتنبي وأبو نواس وأبو العلاء وأبو تمام وابن الرومي وأبو فراس الحمداني والبحتري وغيرهم) على زعزعة هيكل القصيدة العربيّة (وحدة الوزن / وحدة القافيّة) بدعوى التجديد، في عصر امتزجت فيه الثقافات الشرقيّة المختلفة وتواصلت فيه الأجناس البشريّة (العرب والفرس والروم والزنج). وعرف العرب علوما وآدابا جديدة ؛ عرفوا الأدب الفارسي والسرياني والفلسفة والرياضيات وعلم الفلك والتنجيم والحكمة والمقامة والحكاية الخرافيّة والأسطوريّة. وسلك شعراء ذلك العصر الذهبي منهج تطوير القصيدة العربيّة في موضوعاتها ومضامينها. فانتقلوا – بذكاء وسلاسة – من المقدمة الطلليّة والغزليّة

إلى المقدّمة الحكميّة والخمريّة، دون أن يحدثوا ضجيجا، يشبه ضجيج العربات الفارغة على مسلك صخريّ. بالرغم من اعترافاتهم بأنّهم مدينون بالفضل لمن سبقوهم من فطاحل الشعراء. فها هو بشار يعترف، بذلك قائلا:

كررنا أحاديث الزمان الذي مضى ** فلذّ لنا محمودها وذميها

و كأنّي بالشاعر بشار الضرير يؤكّد ما ذهب إليه عنترة بن شداد - قبل قرون - حين تساءل قائلا:

هل غادر الشعراء من متردّم ** أم هل عرفت الدار بعد توهّم

و هذا ما يؤكّد بأنّ التقليد أو المحاكاة سمة راسخة وساريّة في فنّ الشعر منذ القديم.

و لم يتوقّف دعاة (التجديد)، أو لنسمّيهم دعاة (الهدم) عند حدود قصيدة الشطر أو السطر أو التفعيلة. بل ظهرت فئة من المتشاعرين، الذين أكسبوا أنفسهم لقب (شعراء) إلى تجريد القصيدة العربيّة المعاصرة من بقايا القصيدة العموديّة، وأطلقوا عليها: قصيدة النثر وعندها فتحوا على القصيدة العربيّة جحيما آخر.

لقد ظهرت معالم (هدم) أسس القصيدة العموديّة وتقويض قواعدها الفنيّة في كتاب (الشعر الجاهلي) لطه حسين وكتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة وعند جماعة الديوان (شكري والعقاد والمازني). وذلك من خلال تطبيق مذهب الشك الديكارتي، ووصم الشعر الجاهلي بالنحل والانتحال على يد رواة في صدر الإسلام، وفي مقدّمتهم حمّاد الراوية وخلف الأحمر. فكانت إلصاق ظاهرة النحل وتهمة الانتحال بالشعر الجاهلي ضربة قاصمة له، طرب لها المستشرقون والملحدون وأعداء اللغة العربيّة الفصحى، والدين الحنيف. والملفت للانتباه، أنّ دعاة (التجديد) المزعوم كلّهم كانوا ممّن تعلّم في المدارس الغربيّة في رحلته العلميّة وبعثاتها إلى فرنسا وإيطاليا وانجلترا، أو ممّن فتنته المدنيّة الغربيّة، وأولع بالشعر الغربي (الفرنسي والانجليزي)، خاصة، أو تأثّر بالقصيدة الغربيّة مترجمة، ترجمة جيّدة أو رديئة.

و لم ينج الشعراء العرب المعاصرون من تيارات الغرب الفكريّة وتأثيرات مدارسه الفنيّة المختلفة. وخاصة الواقعيّة الاشتراكيّة والوجوديّة. وسقطوا في مطبّات (الالتزام) وهو في حقيقته (إلزام)، وقيد جديد في معصميّ الشاعر العربي، كبح كثيرا موهبة الشاعر وعطّل ملكته الشعريّة وسلبه حريّة التعبير- بصدق - عن أحاسيسه ومشاعره ومواقفه من حركيّة مجتمعه. فقد وجد الشاعر نفسه مقيّدا في قفص مغلق، لا خيار له إلاّ التغريد لصاحب القفص.

التجديد في المضمون (الأفكار والمعاني):

و قد شهدت القصيدة العربيّة المعاصرة، صراعا محتدما بين المحافظين، المقلّدين، ودعاة المعاصرة والتجديد، كما مسّتها  تحوّلات جذريّة في مبناها الخليلي (وحدة الوزن والقافيّة). وبقي الحسم بين التيارين معلّقا إلى حين. فإن موضوعاتها ومعانيها، قد تجاوزت هذا الصراع المحتدم بين المتشبثين بشكلها العمودي التقليدي والثائرين عليه، الرافضون له، حيث أضاف الشعراء المعاصرون إلى مضمونها عنصر الرمز، بكل أنواعه ؛ الطبيعي والأسطوري والديني والتاريخي والسياسي، وهلّم جرا. وانتقلت القصيدة العربيّة من عوالم الخيال إلى آفاق التخييل.

لم تتخلّف القصيدة العربيّة المعاصرة - بنوعيها، العمودي والحر - عن مواكبة أحداث المجتمع العربي المعاصر. واتّخذت من القضيّة الفلسطينيّة ومأساة شعبها محورها الأساسي، وجعلتها أولوية أولوياتها. فكان أن ظهر شعراء عرب في بلاد الشام والعراق ومصر والجزيرة العربيّة وبلاد المغرب العربي الكبير. واستطاعت المأساة الفلسطينية ونكبة التقسيم في 1947 ونكبة الهزيمة 1967 م أن توقظ الشعور القومي والتحرري، وتلهب روح المقاومة في الأوساط الشعبيّة وعلى منابر الشعراء.

لقد نزلت القصيدة العربيّة المعاصرة من برجها العاجي إلى الوسط الشعبي، وخلعت عن نفسها ثوب الكلاسيكية، وانتقّل الشاعر من دور المثقف، المحصور بين دواليب السلطة الحاكمة والتراث إلى فاعل ثوري، يستمدّ مادته الشعرية من تجارب واقعه المعيش بكل ما يفرزه من تداعيات اجتماعيّة وسياسية وفلسفيّة. لقد تخلّصت القصيدة العربيّة - في موضوعاتها – من التقليد والنمطيّة.

لقد كانت حركة التجديد في القصيدة العربيّة المعاصرة مولعة بنظيرتها الغربيّة. واعتقد بعض المجدّدين، أنّ التجديد القائم على رفض القصيدة العموديّة، ضرورة حتميّة، وفريضة فنيّة أملتهما ظروف العصر، وسيرورة التطوّر الحاصل في الغرب. ونسوا، أو تناسوا، التجديد لا يعني الارتماء، فنيّا، في أحضان القصيدة الغربيّة.

و كان للعراق فضل السبق في ميلاد الحركة التجديديّة، بعد الحرب العالمية الثانيّة، وظهور معالمها الأولى. وكان من أبرز الشعراء الذين اقتحموا حقل التجديد دون وجل أو تردّد،  الشاعرة نازك الملائكة، في قصيدتها (الكوليرا). إلى جانب الشاعرين، بدر شاكر السيّاب وعبد الوهّاب البيّاتي وطائفة من الشعراء الذين التحقوا بركب، ما سُميّ (الشعر الحر) و(قصيدة التفعيلة)، منهم - على سبيل المثال لا الحصر - صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل في مصر، ونزار قباني ومحمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وسعيد عقل وأدونيس في بلاد الشام وعبد الرحمان جيلي في السودان، وغيرهم من الشعراء الشباب في المشرق والمغرب العربيين.

و الخلاصة، إنّ فكرة التجديد مطلب فطريّ وإنسانيّ، سواء في الحياة العلميّة أو الأدبيّة، أو في المنظومات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهي عنوان حركيّة الفكر والوجدان نحو التغيير والتطوّر والرقيّ. بشرط، أن تكون إضافة نوعيّة لما هو كائن. وهو لا يعني هدم كل ما هو جميل وجيّد وأصيل، ليحلّ محلّه كل ما هو قبيح ورديء ومُقلَّد (بفتح اللام). ولكن ليس كل جديد جيّد ومقبول، تستسيغه الذائقة الأدبيّة والنقديّة، وبالمقابل ليس كل قديم، هو بالضرورة ترّهات، كما زعم صاحب الغربال، ميخائيل نعيمة، وباليّة، كما ادّعى دعاة التجديد وأعداء الأصالة. وإنّ الشعر الغربي، لم يكن، ولن يكون، المدينة الفاضلة، والقدوة المثاليّة لنا، نحن أمّة الضاد.

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر