قراءات نقدية

المباغتة الشعرية بين الاستهلال والعنوان

لم يكن هناك في الأدب القديم تركيز على العنوان، ولم يتحوّل إلى حساسية شعرية وجزءاً من بنية النص اللغوية والدلالية، فقد كان الاستهلال والمقدمة العنصرين اللذين يعتمد عليهما الشعراء في شدّ المتلقي، وخلق أفق معين للتوقع، فكانت المباغتة السمعية والدلالية السمة الأبرز للشعر القديم.

اختلف الأمر في الشعر الحديث والمعاصر، فقد استبدلت أو عوضت هذه المباغتة التي كنّا نتلقاها في الاستهلال أو في المقدمات الطللية أو الغزلية بالعنوان. إذ يزخر الشعر الحديث والمعاصر بعنوانات موحية جداً، تكاد تكون لوحة شعرية مستقلة بوحدها، وأصبح مفتاحاً للاستقراء والتأويل، لأنّه يحمل دلالات، ويستشف المتلقي منها إيحاءات، فقد أصبح علامات قادرة على إنتاج علامات جديدة، وتضيئ المناطق المعتمة. فبإمكان القارئ أن يستخلص فكرة القصيدة أو لبّها من العنوان. بمعنى أنّ العنوان يلخّص تجربة النص وعالمه. وتعود هذه الأهمية، وهذا الوعي الشديد باختيار العنوان في الأدب الحديث والمعاصر إلى طبيعة الكتابة ومتطلبات العصر والذائقة الأدبية، وهذا ما يجعل من الشعراء والأدباء على نحو عام أن يضعوا عنوانات لقصائدهم بعد الانتهاء من كتابة القصيدة، وليس قبل البدء بالكتابة، فبعد أن ينتهي الشاعر من كتابة القصيدة يبدأ التفكير باستخلاص عنوان من خلال أفكار القصيدة وبنيتها اللغوية.

في الشعر القديم؛ كان الشاعر يرتجل قول الشعر ارتجالاً، أو كانت العلاقة الحضورية بين الشاعر والجمهور، وبين الشاعر وراويه تلقي بظلالها على طبيعة الاستهلال، فكان التركيز فيه على المباغتة والإتيان بأسلوب بديع جديد يجبر المتلقي أو الجمهور على الإصغاء والوقوع في شَرَك القصيدة. ونجد هذا البعد في جميع الأغراض الشعرية القديمة، ولا سيما في الغزل والمديح والرثاء. لأنّ الشاعر كان يريد أن يستميل الجمهور، ويضعه تحت صدمة المباغتة ومن ثمّ إدخاله مباشرة في صلب الموضوع، نجد ذلك في الاستهلالات وفي المقدمات الطللية التي كان الشاعر يسعى إلى التأثير في وعي ولا وعي المتلقي، فيجعله شريكاً في الإحساس والمشاعر، كما نجد ذلك في معلقة امريء القيس؛ حيث الدخول مباشرة إلى الموضوع الأثير للأدب، أعني الفراق، من خلال البكاء:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

بإمكان القارئ من خلال الشطر الأول أو البيت الأول أن يتنبأ بمحاور القصيدة، فهناك حديث مباشر عن البكاء والافتراق والابتعاد والغربة والاغتراب. فهذه المحاور أو الموضوعات هي مغزى قصيدة امرئ القيس. وبإمكاننا تعميم هذا القول على معظم شعرنا القديم من العصر الجاهلي مروراً بالعصر الإسلامي والأموي إلى العباسي والأندلسي.

وتتجلّى حيوية هذه المباغتة في القصائد التي قيلت في مناسبات سياسية أو اجتماعية مباشرة، كان للحضور فيها الدور البارز في إنتاج المباغتة، ويمكننا الاستدلال على هذا النوع من القصائد في تراثنا الأدبي بقصيدة الفرزدق في حق (زين العابدين علي بن الحسين) التي باغت الشاعر فيها هشام بن عبد الملك وأعيان الشام بقوله:

هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ

وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

فالعلاقة الحضورية، والمقام الشعري الحيّ ألقت بظلالها على عملية الإنشاد التي كانت عملية مباغتة، احتفظت بحرارتها إلى يومنا هذا. من هنا يمكننا القول إنّ المباغتة كانت العنصر الأهم والأبرز في الشعر العربي القديم، وهي كانت أساس عملية التغريب (Estrangement) فيه، وفق مصطلح الشكلانيين الروس. بل امتدّ هذا الأسلوب الشعري المحكم إلى الشعر العربي العمودي الحديث والمعاصر، كما نجد ذلك بوضوح عند شعراء المدرسة الإحيائية، بشقيها المحافظ والمجدّد، ولا سيّما عند أحمد شوقي، في جميع قصائده، وقد تكون قصيدة (سلوا قلبي) أوضح مثال على هذا الموضوع:

سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا

لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا

*

وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ

فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا

*

وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَوماً

تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا

*

وَلي بَينَ الضُلوعِ دَمٌ وَلَحمٌ

هُما الواهي الَّذي ثَكِلَ الشَبابا

*

تَسَرَّبَ في الدُموعِ فَقُلتُ وَلّى

وَصَفَّقَ في الضُلوعِ فَقُلتُ ثابا

*

وَلَو خُلِقَت قُلوبٌ مِن حَديدٍ

لَما حَمَلَت كَما حَمَلَ العَذابا

فقد باغت الشاعر المتلقي بالسؤال عن شيء يكون الحصول على الجواب مستحيلاً، فالقلب قلبه، فأنّى للقارئ الحاضر والغائب معرفة المشاعر والأحاسيس والرغبات التي تجيش فيه، ولم يترك الشاعر للمتلقي مجالاً يأخذ أنفاسه، فبادره بأسئلة أخرى، وبيّن له في الوقت نفسه، أنّ العقل فقد اتزانه وهام، لأنّه واقع تحت تأثير جمال باهر، ففقد القدرة على الكلام، وأصبحت العين المعبّرة – بدل اللسان - عن الحال والمقام.

استبدلت هذه المباغتة في الشعر الحديث بالعنوان، فقد أصبح العنوان العنصر الذي يشدّ القارئ ويبهره قبل الدخول إلى عالم النص. ويعود هذا التبديل والتغيير إلى التمدن، والحياة المدنية التي غيرت حياتنا في العصر الحديث والمعاصر، إذ يعيش معظم السكان بالعالم في المدن؛ يعيشون في عالم مكتظ بالناس والأشياء والمؤسسات والعلاقات المعقدة، وأصبحت المدن كبيرة وواسعة، تمتلك تخطيطاً دقيقاً وإدارة عالية الدقة لمحلاتها وشوارعها ودوائرها ومؤسساتها الكثيرة المتنوعة، ولا سيّما المدن الكبيرة التي يقطن فيها ملايين من السكان، فهذا العالم المكتظ والمتشعب يحتاج - في الوقت نفسه - إلى تنظيم، ويتمّ هذا التنظيم من خلال وضع عنوانات رئيسة وفرعية إلى أصغر فأصغر، لأمكنة المدينة وضواحيها، لكي نستدل الطريق ونعلم أين نبدأ وأين ننتهي. صرنا نستعين حتى في مدننا التي نعيش فيها ونسكن فيها منذ نعومة أظافرنا بخرائط – كانت ورقية وتحولت الآن إلى ألكترونية -.

تأثر الشعر الحديث بهذه الدقة في وضع العنوانات المكانية للشوارع والمحلات والبيوتات أي الأماكن العامة والخاصة، فأصبحت العنوانات عملية فنية دقيقة، يقصد من ورائها الشعراء إلى فتح آفاق أمام المتلقي للتخييل والتأويل، فعندما نرى هذا العنوان لـ(محمد الماغوط): (وجه بين حذائين) ستذهب أفكارنا مباشرة مذاهب شتى؛ نجد أنفسنا واقعين تحت تأثير مباغتة العنوان، فنسأل أنفسنا كيف يكون هذا الوجه محشوراً بين حذائين؟!. وقد نسأل أنفساً هل هذا النص نص سريالي؟ أم نص عبثي؟ أم هو نص ينطلق من واقع مجتمع يعاني من الاستعباد؟! ويتألم من الاستبداد، فأهدرت فيه كرامة الإنسان؟ إذ الرأس ومعه الوجه هو رمز لكرامة الإنسان، لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن ضربه، لكي لا يهان صاحبُه. فإذ أهين هذا الرمز فهذا يعني أنّ صاحبه قد أهين، وسحق وغمط الحق من مهده.

وهكذا نجد أمثلة عديدة لعنوانات موحية تباغت وعي المتلقي ولا وعيه للشاعر نفسه مثل: (كلّ العيون نحو الأفق) و (حزن في ضوء القمر) و(غرفة بملايين الجدران)، و(الفرح ليس مهنتي)، (البدوي الأحمر)، و(بدوي يبحث عن بلاد بدوية)، و(شرق عدن غرب الله).

 فعندما نعي أهمية العنوان، يجب أن يرافق وعينا هذا عند دراستنا للأدب وعي بطبيعة الجنس الأدبي. بعد ذلك نأتي إلى دراسة العنوان، وقد يكون المنهج السيميائي أنسب لهذا النوع من الدراسة، لأنّ هذا المنهج يتوافر على أدوات وإجراءات ورؤية واضحة تسعف المحلّل، وتفتح له أبواب القراءة الواعية.

***

الأستاذ الدكتور يادكار لطيف الشهرزوري

جامعة صلاح الدين – أربيل