قراءات نقدية

دراسة في رواية (انقطاعات الموت) للروائي جوزيه ساراماغو

التبئير الصفري وتمثيلات ما وراء المفترض العجائبي

الفصل الأول ـ المبحث (1)

توطئة:

أن آليات الحد الفاصل ما بين المتخيل المفرط والواقع المتخيل عن طريق وسائل المحاكاة لأجل بلوغ علاقات الأحوال الذاتية والموضوعية بوسائط مقاربة في مشتركات دينامية وتواترية وتمثيلية على نوح ما من جوهر المنظور التقاربي ما بين ثنائية (المتخيل المفرط ـ الواقع المتخيل) قد تبدو لنا من المحفزات الموضوعية والوظائفية الجادة التي تصب في حصيلة الإمكان المفترض بطريقة ما يمكننا عدها مسافة متسعة من إحالة الأحوال الموضوعية إلى أوضاع عكسية من الرؤية والمنظور المتخيل الذي يهم لذاته قراءة ورسم عوامل وعناصر الواقع المتخيل الذي إلى نزعة ترفارقية وغرائبية من معالم رؤية وثيقة الصلة بنزعة الأشكال المتخيلة المتخيلة في الإقرار العجائبي في اللامعقول أو اللامحسوس.تواجهنا وقائع رواية (انقطاعات الموت) للروائي البرتغالي القدير جوزيه ساراماغو ـ ترجمة صالح علماني، بذلك النوع من الاختلاف المتخيل، وإذا أردنا تصنيف هذا النوع من الروايات، فحتما سوف نضعها في قائمة (المتخيل: المفرط ـــ العجائبي ــ ما وراء المفترض) ولعل من أكثر السمات الجمالية اقترانا بهذه الرواية، هو ذلك الفضاء وقدراته على تكثيف المساحات من اللازمن في تفاصيل مكوناته التراتيبية المنقادة نحو خلق الأسباب والعلل المفترضة من خلال درجات متماهية بالدقة والانتقاء بمثيرات البناء والأسلوب ذات البعد التمثيلي المحبوك.

ـ التبئير الصفري والارتداد بالزمن ما قبل النص:

منذ بداية المستهل السردي، ونحن نعاين بأن هناك حالة من الاشارة إلى (السابق الزمني) أي بما يعادل وجود السرد في درجة صفرية من قبل بدء الأحداث في الرواية: (في اليوم التالي لم يمت أحد./ص9 الرواية) هذه الوحدة من شأنها الإحالة إلى ذلك الزمن الدائر خارج حدود مؤشرات وتعيينات تمثيلات المشاهد والوحدات في الزمن الروائي، فلا أدري هل كان شريط الذاكرة الحكائية هو من التداخل في سابقية النص باللاحق منه أم أنها حالة من حالات التبئير الصفرية في مستعاد ذاكرة الراوي.نفهم من ذلك ربما أن ساراماغو أراد من خلفيات زمن نصه، خلق حالة الامتداد الموضوعي للظاهرة الروائية في محددات نصه، وما قصدية الاسترجاع الزمني بالملفوظ، إلا كعلامة أو إحالة ظرفية تحقق للنمو الحدثي ــ شكلا وإطارا - من الإسناد الموضوعي، الذي كان يوضح لمركزية العلاقة بين السابق واللاحق من حكاية غياب الموت دليلا.

1 - الفناء العضوي للموت: رؤى مقترنة بالزمن والفضاء:

ان حالات موضوعة (غياب الموت) في دلالات رواية ساراماغو، هي من الإثارة اللاذعة في معايير المنطق للوحدة الوجودية، فما دام هناك ولادة فلابد من أن تكون بالمقابل منها حالة موت. طبعا لا نود هنا إثارة حزمة من المغالطات الموضوعية في حق الرواية ودلالاتها التي كان الغرض من ورائها هو التجربة الفنية الجمالية ومعانيها التي تلتقي مع فردية الفكرة والتجربة معا.خصوصا وان حال لسان السارد العليم كان بمثابة الحاكي والراوي لجل أحداث البدايات في النص الروائي. أردت أن أقول ان حالات (الفناء العضوي للموت) في دالات المساحة النصية، هي جملة مقومات صورية ـ شكلية، وليس لها من علاقة سياقية ثابتة في حدوث انقطاعات الموت، أي بمعنى ما ليس هناك معايير استثنائية في حصيلة الحياة دون حلول الموت فيها، خاصة وأن الأمر كان متعلقا بأرض دون سواها.إذن الفكرة هنا جاءت في حدود نسبية وغير مستقرة على كافة الأمكنة في وجه العالم، وبما أن حدود المنظور نسبيا، فلا يمكننا عد الفكرة كرواية بمثابة الولادة التفردية في خلق حياة دون موتا ما، حتى وان كانت مجرد حالة انطباعية الغرض منها تجديد ممارسة خاصة في الرؤية الروائية.وعلى هذا النحو جاءتنا الأحداث السردية من خلال صوت ضمير السارد العليم، كوجهة نظر مبأرة تسعى إلى خلق إمكانية ما في استحداث جملة تمثيلات في الصور والمكونات والأطر التأملية في حالة غياب الموت وانقطاعاته عن بيئة تلك المدينة: (إذ يكفي تذكر أنه لا وجود في مجلدات التاريخ الكوني الأربعين لخبر واحد، ولو عن حالة واحدة، بأن ظاهرة مشابهة قد وقعت ذات مرة، وأن يوما كاملا قد انقضى، بساعاته الأربع والعشرين العجيبة كلها، محسوبة بين نهارية وليلية، صباحية ومسائية، دون أن تحدث وفاة واحدة بمرض، أو سقطة قاتلة، أو انتحار مكتمل حتى النهاية./ص9 الرواية) يتضافر مع صوت مسرودات السارد العليم، ذلك التوتر المفترض على مستوى البحث والتقصي على مواقف مشابهة في بطون مجلدات التاريخ، وهذا الأمر حل بصورة جعلت تستنطق حتى أرباب الأساطير اليونانية القديمة، التي كانت الإلهة الوثنية مسؤولة عنها في الممارسة واللإثبات المفترضان.قلنا سابقا أن حالات انقطاعات الموت، هي بمثابة الرؤية المخالفة للرواية النمطية في أسلوبها الموضوعي السائد، لذا فإن مؤشرات دلالات رواية ساراماغو جاءت في حدود قولية مستحدثة في ابتكار الموضوعة الروائية المتفردة، وهذا الأمر لا يخولنا إلى الاعتقاد من أن مشاهد الرواية قد لا تصل إلى الحدود القصوى من تعليل هذه الظاهرة الكونية الملفتة، بقدر ما جاءت المشاهد الشخوصية تعبر عن أحوال تنقلاتها وكيفية إخفاء ترحيل المرضى نهائيين عبر الحدود الدولية، حتى يشملهم الموت هناك بحسن أخذه إلى أرواحهم المعذبة: (كانت الأسرة المالكة تقف بتراتيبها حول السرير منتظرة باستسلام إطلاق الأم الكبيرة زفرتها الأخيرة، ربما بضع كلمات ــ فالملكة الأم لم تتحسن ولم تزدد سوءا بل ظلت كالمعلقة، جسدها الهش يتأرجح على حافة الحياة./ص11 الرواية) .

2 ــ رؤية الأشياء من منظور الراوي المضطرب:

يعتقد الروائي أن بمقدور سارده العليم، من خلق الحساسية والانطباعية، مقابل ما يجري من تصوير المروي عنه بالملاحظة والتعقيب وإبداء وجهة النظر.ولكننا لاحظنا بأن أغلب مسرودات السارد قد غلبت عليها مظاهر القسرية والاضطراب في بعض مواقف الوحدات، فهو مقيدا بوسائل الإيصال من خلال حالات الملكة المشارفة بمرضها إلى حافة آمنة من اللاموت، وثمة أخبار راح يتندر بكشفها حول هيئات حكومية تسعى إلى الأخذ بزمام شواذ ظاهرة انقطاع الموت عن الناس.أقول أن الوقائع في الرواية تحدث على مسرح من المباغتة والغبطة، كما وتتميز بالطابع المباشر للعرض المسرودي.إذ إن الحكاية الروائية هي تمثل خلاصة عجائبية من فكرة تذكرنا بأدب الملاحم و الأساطير والفنتازيا، لذا فإن المسند الواقعي لها يكمن في إشكالية خاصة من الإيهام الكثيف بالواقع اللامصدق دلاليا.

3 ـ عزوف الموتى وعطل آلية الموت:

تتميز مشاهد وأخبار وأوصاف رواية (انقطاعات الموت) بأسبابها اللامعللة، أو تلك الأحداث الممسرحة ـ إخبارا ـ دون مواجهة حقيقية من ذلك الحدث الكوني المفترض ومبرراته الفجائية.تطالعنا أغلب مشاهد الرواية بنقل جملة التوترات الحاصلة في دائرة الطبقة السياسية من درجة الوزراء وحتى رئيس الوزراء، وكيفية تداولهم لهذا الأمر الشائك، الذي أصبح يشكل هزة اقتصادية قبل أن نقول أزمة سياسية ما نادرة من نوعها: (في البيان الرسمي الذي بث أخيرا، بعد أن تقدم الليل، أقر رئيس الحكومة بأنه لم تسجل حالة وفاة واحدة في كل أنحاء البلاد منذ بدء السنة الجديدة، وطالب بالاتزان والاحساس بالمسؤولية في التحاليل والتفسيرات./ص16 الرواية) هكذا تبعا تحيلنا وحدات المسرود إلى مشاهد غاية في التضعيف والآهلية إلى أن أمر هذه الانقطاعات للموت، قد أحدثت بلبلة سياسية واقتصادية ساحقة، ولكن يبقى السؤال مطروحا حول مدى مسببات انقاطع الموت هذا؟فهل أراد ساراماغو من خلال عقدة هذا الموت الكشف عن درجات سياسية ما قد اشتد لغطها في عدم حدوث الموت لأفراد البلاد مثلا؟أم أن الروائي أراد اقتناص لنفسه تفاصيل حركة موضوعة عجائبية تتصل بأقصى مستويات المصير الجماهيري مثلا؟.نلاحظ أن هناك ثيمات خاصة تتعلق بالجانب السياسي بأمتياز ومنها ما يتعلق بالجانب الديني للكنيسة: (فبدون انبعاث لا وجود للكنيسة ــ تأكيد ذلك فكرة مدنسة للمقدسات - تقبلت إمكانية أن يكون خلود الجسد مشيئة من الرب ./ص17 الرواية) ان عملية تعقب وتفحص وملاحقة مثل هذه الواردات، يعكس لدينا شعورا بأن الحكاية الروائية تتقصى حقائق عديدة وجهات مختلفة فيما تعنيه ذلك الإقرار الاعتقادي من رئيس الحكومة بأن توقف الموت له عدة مآخذ في سقوط العديد من قيم الكنيسة والحكومة في ذاتها أيضا.إذا نكتشف من وراء هذا أن عملية توقف الموت هي عملية تصب في الخسران الاعتقادي لأولئك الساسة في الحكومة، وهذا الأمر بدوره ما سوف يلحق الدولة أجلا.

4 - أطروحة الموت المؤجل وفرضية الحياة إلى الجسد مدادا:

اللافت للنظر في مداليل بنية رواية (انقطاعات الموت) أن الرواية تكشف المخارج التي تتعلق بالطبقة السياسية، وذلك ما يكشفها لنا حال وأحوال الحوارات المطولة بين رئيس الحكومة وذلك الوزير للصحة.حوارات على مستوى استحالة أن يكون الموت مؤجلا أو معطلا حتى، وما يهمنا أكثر هو الغائية التي نستشفها من فحوى هذا النوع الجدلي من الحوارية.فالاستباقات في أغلب تحفظات النوع الحواري بين طرفي (رئيس الحكومة ـ الوزير) يكشفان لنا النوايا والمقصديات السياسية في حسابات الدولة لو قدر أن الموت قد توقف فعلا عن هذه البلاد فما حال مصيرنا الاقتصادي؟ببساطة شديدة أن هذا النوع من الأسئلة والمداخلات تسلط الضوء على حقيقة أن الساسة في الدولة لا تعنيهم مقدرات المشاعر والاحساس بفقد الأحبة من الناس، بقدر ما تتكاثر لديهم مقادير الخسران والربح: (لاحظ كيف يكون لأسئلتنا في آن واحد، هدف ظاهر للعيان ونية مخبأة في الخلف./ص19) وعلى هذا النحو وغيره، تنكشف لنا ثمة علامات حماسية مبعثها الأول الصوت السياسي في أحسن الأحوال، كما اعتبرها البعض الآخر من أفراد الشعب صيحة وطنية في نحو الاستقامة مع طول الحياة دون موت، الأمر الذي جعل العديد من شرفات ونوافذ البيوت مزحومة برفع الرايات الوطنية عاليا، وكأن الأمر أضحى متعلقا بحرب ضد خصم سياسي، وهذا ما لم أجد له أدنى تفسيرا أو تأويلا في بعض الأحداث الروائية، لعل الروائي كان يتقصد عملية انتقال الفرد من مخاوفه للموت الطويلة إلى أحياء حياة منتصرة على ذلك الموت المؤجل في البلاد، ودون معرفة الأسباب الكونية حتى.

5ـ نسبة المصنف الشخوصي في عوالم خلود الحياة:

إن من الحالات الأشد التفاتا وملحوظية في مسار التكوين الروائي، هو عدم وجود العناصر الشخوصية المحورية في خط بدايات النص الروائي، كما أنه ليس هناك أية إشارة واضحة تتعلق بأفعال شخوصية لها من العلاقة السردية في مكونات زمن الحكاية وزمن الخطاب، فقط هناك اقتصارا على بعض من الشخوص القائمين في سياق عابر ونسبي، كحال الأشارة حول نقل المرضى النهائيين إلى المواطن الحدودية لأجل اكتسابهم علاقة تنفيذية مع الموت، وعندما ازدادت الأمورأكثر تعقيدا أمام الوكالات الخاصة بالجنائز ودفن الموتى، توصلوا بعض القائمين عليها بعد فقدانهم أجساد الموتى الآدميين بـ (اجبارية دفن أو إحراق جثث كافة الحيوانات المنزلية التي تموت موتا طبيعيا أو بحادث، وأن يكون انجاز أعمال الدفن تلك إجباريا./ص26 الرواية) كما ولم يختلف الأمر مع مصالح إدارات المستشفيات فقد أصبحوا يضعون في الأماكن المكشوفة في ردهات وممرات المستشفيات بعض المرضى، نظرا إلى تضخم أعداد المرضى ودون إمكانية معافاتهم أو موتهم، لذا قررت الجهات الوزارية إلى نقل كبار السن إلى ذويهم: (ما الذي سنفعله بالمسنين إذا لم يعد الموت موجودا ليقطع عليهم ولعهم المفرط بالحياة المديدة./ص29 الرواية) .

6 ـ بيوت الأفول المديدة:

لعل أهم ما يمكننا إعادة ذكره، حتى لا نكرر كل ما قلناه في مباحثنا الفرعية السابقة، هو أن ما دار بين رئيس الحكومة وذلك الوزير حول شركات التأمين التي تتقاضى بدورها أجورا في رعاية كبار السن: (الوصول إلى اتفاق بالتراضي، اتفاق جنتلمان،  يتمثل في تضمين البوالص بندا موجزا، يقر فيه سن الثمانين للموت الإجباري، بالمعنى المجازي طبعا./ص34 الرواية) من اللافت أن الروائي كان يسعى إلى تقديم حقيقة مرة حول مصائد الحكومات وحتى في أشد الظروف عسرا، فهو من خلال ثيمة انقطاعات الموت، راح يكشف لنا عن أقنعة الحكومات ولسانها المعسول بالسم.ومن شأن مثل هذا التصور تنقلنا تصورات أخرى في مجلس اللجنة المختلفة التي تضم جل الأديان والمذاهب والفلسفات المتشائمة والمتفائلة وحقيقة ما دار من الجدل والشجب في مجلس هذه اللجنة بين الآراء المتضادة في بعضها البعض،  ما هو خلاصته بأن الموت أفضل من هذا المصير الذي عليه حال مناقشات هذه اللجنة.

ـ الموت ومرسلات الأمكنة بإرادة الأداء المفترض:

تتخذ الأسلبة التثاقفية في مسار الفصول الأولية من رواية (انقطاعات الموت) ذلك اللبوس الحجاجي المموه بأشد مؤثرات الحوارية الشكلانية التي تتم من فوق طاولتها مستويات عسيرة من المقادير المتصلة بشتى آفاق استراتيجية الخطابات الحوارية الانجذابية في الملفوظ والتلفظ.ومن بين كل الأطر والتأشيرات في مسار الزمن الروائي، تبرز لنا تلك الأسرة الفلاحية التي أختارها الروائي لأجل أن تكون بمثابة الواقعة المحفوفة بضمائر المتكلم والمفرد والمخاطب: (ففي قرية لا على التعيين، على بعد كيلو مترات قليلة من الحدود مع أحد البلدان المجاورة، كانت تعيش أسرة فلاحين فقراء، لديهم لسوء خطاياهم، ليس قريبا واحدا، وأنما قريبان أثنان./ص39 الرواية) لا يحاول الاسلوب الروائي أن يفرض ثمة محددات من التوصيف الفردي حول عوامل ومصنفات الوحدات الشخوصية في السرد، بل أن أوجه التبئيرات حلت في احياز جزئية، يخال لمن يتعرف عليها وكأنها جملة صور عابرة ومبعثرة في زوايا تفاصيل هامشية ونسبية، هذا حتى وأن يتسع أمر التوصيف في بعض الذوات الشخوصية نجدها لا تشكل أكثر من وقفات إحالية نحو مسألة خاضعة للضمير الجمعي اللامحدد في الكينونة والمكان والزمن.

-الملامح الشخوصية ومصيرها في فضاء المدافن الحدودية:

يبدو أن آليات توظيف العوامل الشخوصية عبر أبعادها التفعيلية (الفاعل المنفذ ـ فاعل حالة ـ فاعل مرسل) تعد من الأسس في بنية محاور الأداء السيميائي، غير أننا واجهنا في متون الفصول الأولى للرواية (انقطاعات الموت) ذلك التخصيص النسبي أن لن نقل الهامشي إلى دور الأفعال الشخوصية.فالروائي ساراماغو يعول على ضمير المتكلم للراوي في متونه السردية، وإلى درجة إشكالية من وحدات العلاقة بين خصائص البنية الشكلية في النص، فهو يتبع صوت السارد في التدرج في أعماق الأحداث وعرضها المتواشج بروح وجهة النظر لذلك السارد، وصولا إلى تشييد الأحداث ضمن حدود متقاربة ومتباعدة عن نقطة وقائع النص نفسه: (رفع عينيه إلى السماء، ولم يجد كلمات يرد بها إلا القول أننا جميعنا بين يدي الرب وإن الرحمة الإلهية لا متناهية:أجل، يمكن لها أن تكون لا متناهية، ولكن ليس بما يكفي لمساعدة أبينا وجدنا على الموت بسلام ولا لإنقاذ الطفل البريء المسكين./ص39 الرواية) .

1ـ تبئير داخلي معدول بصيغة الخارج الخطابي:

أن الملاحظ في هذا النوع من وحدات الرواية، عندما ينفصل صوت الشخصية إتصالا بصوت الراوي، يلتفت إلى صوت الخطاب الذي بدا منقولا عن حضور مستوى المسافة الواقعة بين وعي (السارد ـ الشخصية) وقد ينوب صوت الخطاب عن الشخصية ذاتها في نقل تصوراتها وملفوظها الموصول بمنطوق صوت الخطاب على نحو غير مباشر وصولا به بالواقع والاقتناع بأنه صادرا عن صيغة مضارع الشخصية وليس بضمير المتكلم عبر زمن الشخصية.ومن الجدير بالذكر أن نوعية مثل هكذا خطاب يكون في مجمله قصيرا يقتصد فيه الكلام على سمات قولية واحدة في الوحدة والعلاقة والدلالة.وبما أن الزمن الشخوصية في سياق الرواية مشكلا في منطوق وحدة معبرة عن حركية محددة، وجدنا تسلسل الأحداث الزمنية كحالة متداعية في التركيز والأرتكاز، أي بمعنى ما فعالية العامل الشخوصي تشكل معلما في ترتيب الصيغة الجمعية للزمن والمكان واحساس الراوي، وبسبب هذا وذاك عاينا طبيعة التوظيف للشخوص في الفصول الأولى من الرواية حيث بدت وكأنها ملامح مطموسة في بيئة مشخصات الراوي وسلطته الكلية.

ـ تعليق القراءة:

أن القارىء إلى مداليل وآليات وثيمات وحبكة ودلالات رواية (انقطاعات الموت) عبر فصولها الأولى ربما يترسخ لديه الاعتقاد الأولي بأن الراوي جوزيه ساراماغو يوغل ذاته التأليفية في نمط موضوعة متصلة إلى حيز الأدب العجائبي أو الفنتازيا المستحدثة في أطر مفتوحة من التصورات والتخييل المتجذر بمحاولة الكشف أو التمويه عن منظومة سياسية أخذت تمارس أفعالا برغماتية في ظل خرافة مضللة من مفهوم ودلالة انقطاع الموت. طبعا أن الروائي يمتلك حرية اختيار موضوعته الفنية متى شاء لذلك مرادا، ولكن الحلم بالموت لا يؤهل أحداثا روائية في حضورها الإمكاني كتجربة خاصة ومتميزة، وذلك لأن دال الموت لا يمكن الفسح إليه بمساحات موحدة من الظروف والأوضاع الزمنية والمكانية والذواتية حتى وإن كان الأمر في صناعة رواية، بل بالعكس لو كان الأمر في بناء قصة قصيرة لكان الأمر قد هان نظرا لسقفها الزمني المضغوط بالإيجاز والإيحاء.ولكن عندما تكون فكرة الموت وعبر زمنها اللامعلوم دليلا على ثيمات الحكي في مجال الرواية، فلا أتصور من جهتي أن تكون هذه الرواية إلا محض كابوس للراوي وصوته الجماعي المقرون بمصادفات العجائبي.

***

حيدر عبد الرضا

في المثقف اليوم