قراءات نقدية

سعدية بن يحي: قراءة في قصيدة شفاه فنجان للشاعر رياض الدليمي

تعد بنية النص الشعر من أعقد النصوص لاقترانها بالإيقاع والدلالة إضافة إلى الكم الشعوري الذي تختزله أبيات النص، إذن هي خطوط ثلاث ما تلبث التوافق والانسجام حتى تتسع وتعدد لتصبح عوالما مختلفة يقتات بعضها من بعض لصنع لحمة عصيّة تتحدى متلقيها قراءة، وهو ما يدفعه للتحليل والتأويل خصوصا إذ كان الرمز أحد مرتكزات النص الشعري.

لذا حاولنا تسليط الضوء على النص الشعري المعنون  "بشفاه فنجان "  للشاعر رياض ابراهيم الدليمي وهو نص عمد على تغير المسار النصي القائمة على الخطية الرتيبة ،المتوقعة النهاية إلى مسار مختلف يتجاوز متعة القراءة ليقترن بالتحليل والتأويل، خصوصا وقد كسر يقين المتلقي في توقعه إذ رفع سقف أفق التوقع بغية صنع انزياح  جمالي مختلف الرؤى حسب ما يرى ياوس

وإذا كان العنوان هو العتبة النصية التي يلج من خلالها الناقد للنص  بغية تحليله فإنّ العنوان في هذه القصيدة هو سمة رامزة  بعثرت يقين المتلقي لما احتوته من دلالات مختلفة  " شفاه فنجان " هو العنوان الذي اختاره الشاعر رياض الدليمي لقصيدته ،وهو عنوان يحيل ويرمزا للبداية إذا ما عتبرنا أنّ أول ما نتناوله فنجان قهوة ويعتبر وجها من وجوه التأمل إذا ما اقترن  بالتفرد  والوحدة رفقة شاربه، كما يعد صورة رمزية لإرث ثقافي عربي لأنّ فنجان القهوة هو وجه للكرم وللضيافة والتودد إذا ما أخذ الصورة الجماعية للأفراد ، كما يعتبر فضاء للانتظار والترقب إذا ما قترن بالصورة الثنائية لشخصين.

إذن هي دلالة مختلفة لوجه واحد لم تتحدد ملامحه  إلا مع أول أسطر من هذه القصيدة،في حين أن المتأمل  للمفرد الثانية من العنوان  وتحديدا لفظة "شفاه" سيرتاب في هذا المزيج الرمزي ويطرح  تساؤلات عديد ،أولها ماذا ستقول هذه الشفاه ؟ وماذا بعد شربها لهذه القهوة ؟ وهل يمكن أن تكون شفاه الفنجان هي نبض لهذا النص؟ أم أنها إيحاء رمزي لا يتعدى عتبة  العنوان؟

إنّ هذه  الاحتمالات أو التساؤلات ما تلبث أن تتلاشى من ذهن المتلقي،لأنّ الشاعر بعثر حيثيات المكان أمام المتلقي وركز على صنع التقاطعات الزمنية في فضاء تتزاحم فيه مكونات الحدث، ليتضح أنّ الترقب والتذكر. وجهان له بين لحظة الحاضر التي سرعان ماتتحول إلى نقطة تحول واستشراف لأحداث تنسج تفاصيلها في تخوم ذاكرة متقدة تمد بمكونات فضائها المتخيل لتمتزج بجغرافية المقهى ليصنعا مشهد الوقفة الحكائية " جلسنا معا بلا موعد .. على طاولة الوقت أتذكر " هنا تتعطل حركية السرد للقاء طرفين أحدهما امرأة صامتة متأملة تتوقف عند حدود أصابعها حركية الحدث، وطرف يسعى جاهد لتحويل جغرافية المقهى الجامدة  إلى محفز للذاكرة كي يتجاوز خطيّة الحاضر الصامت ويفتح أفقا لزمنه النفسي لأنّه العاشق لهذه المرأة المرتاب في صمتها تمثيلا من القصيدة  قوله "لا أفهم نظرات عيونها الخضر ..لا أفهم  نظرات عيونها الخضر..وأنا حائر ماذا أقول ؟.."  هنا تتحول الحيرة إلى نافذه للتلقي مؤكدة أنّ هذا اللقاء هو الأول  بينهما، لذا فمفردات الحوار المباشر بداية مغيبة لذا نجد أنّ المونولوج الداخلي قد حلّ محلها مؤثثا لحظة اللقاء.

إنّ المتأمل لحركية الزمن في هذا النص سيلاحظ أنّها تأرجحت بين اللحظة الماضية واللحظة الحاضرة  فكلاهما ساهم في صنع الزمن النفسي لأن استحضار الفصول كالشتاء مثلا والجلوس بلا موعد على طاولة الانتظار، يعد بمثابة استباق تمهيدي خصوصا وأنّه استباق  يقدم معلومات غير يقينية قابلة للتحقق أو عدمه، وعليه فطاولة التذكر المفرغة تماما إلاّ من الفنجانين. عملت على توثيق هذا الاستباق الزمني كما عملت على  إلغاء جزئيات المكان الجغرافي " المقهى "

إنّ الفنجان وقهوته المتقطعة بين الفينة والأخرى على شفاه الشخصيتن  تعد رسما أوليّا لخطوط الزمن الفيزيائي الذي تحول فيما بعد إلى زمن تأملي يصور كلا الطرفين المتأملين والمتكلمين صمتا على طاولة هذا اللقاء تمثيل قوله" ربما اجتمعنا ..على الطاولة الوحيدة الفارغة من العشاق" هنا تتحول الطاولة  إلى فضاء للبوح  الصامت،لأنّ المتأمل للنص سيسمع  خلجات قلب الشاعر وهي تخفق ويسمع منولوجه الداخلي بوحا وخوفا  وصراخ.

وبناء على ذلك  تغيب ثنائية الزمن الفيزيائي والمكان الجغرافي وذلك لحضور الزمن النفسي الذي استدعى بدوره المكان الابداعي، لصنع فضاء موازي للفضاء المادي، فكانت اللوحة المعلقة على الجدار نافذة تغطي فراغات المكان الجغرافي ،لذا فإشارة هذا العاشق للوحة المعلقة يعد انتقالا فنيّا منح  فرصة للزمن التأملي ونقل ما وراء اللحظة الحاضرة إلى الزمن  الابداعي تمثيلا قوله " خيط سريّ .. بدأ يمتد يناديني للثرثرة ..والتودد إصبعي يشير للوحة علقت على الجدار .."

في مكان متخيل تؤثثه الطبيعة من موج وسماء ترتحل كلا الشخصيتين انتقالا ذهنيا متحررا من قيد اللحظة الراهنة ومن جغرافية جامدة جمعت جغرافية المكان وجغرافية الجسد لتنتقل روح كلا العاشقين إلى فضاء لوحة  صورت جمال البحر والسّماء كما صورت جمال حصان  تتلاطم أمواج البحر بين حوافره وهنا نلاحظ أنّ  الشاعر قد ابتعد عن الخطابية المباشرة وركز على قوة الإيحاء  تحديدا حين يطلب العاشق الرقص مع هذه المرأة  رفقة أسراب النورس وكأنّه بذلك يمنحها أجنحة النورس لتحلق وترقص بل ليجعل منها روحه المحلقة  لتتلاشى الخطوط المؤطرة  اللوحة فتتسع أمامنا ليولد المكان الرمز،خصوصا وأنّ هذه المرأة المعشوقة قد باركت طلبه  حين قالت "دعنا نفترش الموج نرقص على اشتداد صراخ البحر .."

وما إن تستجيب لنداءات روحه حتى تتلاشى تفاصيل المكان الرمز لأنّ الشاعر وظف تقنية الخلاصة للتسريع في حركية هذا المشهد . فيعود للحظة المقهى الأولى  حضور المتعب  من التنقل وهنا تنساب خطوط الأمكنة المتخيلة وتنتفض اللحظة الفيزيائية لتشد زوايا المكان الحقيقي فتستفيق شخوص المكان لتعلن انسحابها مع آخر رشفة من الفنجان. وبدل  أن تنهى هذا اللقاء بموعد جديد تنهيه بهروب من نوع آخر في قوله " يلفنا نعاس الجنون سوف لن أسأل". وهو هروب واستسلام  كلي للزمن المفتوح.

***

بقلم الدكتورة  سعدية بن يحي

 جامعة زيان عاشور بالجلفة

في المثقف اليوم