دراسات وبحوث

من التخاصم العقدي إلى التحالف السياسي.. "المعتزلة والشيعة" أنموذجا

لقد عرف التاريخ الإسلامي على مر العصور العديد من التيارات والفرق الكلامية أبرزها كانت "المعتزلة" الذين عرفوا بتغليبهم العقل على النقل، وقالوا بالفكر قبل السمع، ورفضوا الأحاديث التي لا يقرها العقل حسب وصفهم، وقالوا بوجوب معرفة الله بالعقل ولو لم يرد شرع بذلك، والمعتزلة فرقة إسلامية تنتسب إلى واصل بن عطاء، تميزت بتقديم العقل على النقل، وبالأصول الخمسة التي تعتبر قاسما مشتركا بين جميع فرقها، من أسمائها القدرية والوعيدية والعدلية، سموا معتزلة لاعتزال مؤسسها مجلس الحسن البصري بعد خلافه معه حول حكم الفاسق.

وإذا أردت أن تجمع بين اثنين في حوار، أشبه بحوار الطرشان، فاجمع المعتزلي مع الشيعي، فكلاهما يحملان في باطنهما فوارق عقدية، فالمعتزلي رجل من أهل التنزيه المطلق، بينما الشيعي من أهل التجسيم.. المعتزلي رجل يركز على العقل في الأصول والفروع، بينما الشيعي يعتمد على الإمام المعصوم، فلا إعمال للعقل ولا اجتهادات خارجة عن قول المعصوم، والإمام المعصوم في العقيدة الشيعية نائب عن الله، لا يقولُ إلا صدقًا، ويجب طاعته والإذعان له، لكن الإمام في الفقه المعتزلي بشر يُصيب ويخطئ، ويجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويجب الخروج عليه إذا انحرف عن جادة الصواب وحقيقة الدين. كذلك الشيعي يؤمن بالشفاعة للأنبياء والأئمة المعصومين، في حين أن المعتزلة ينكرون الشفاعة من أساسها، حتى يتحقّق الوعد الإلهي للمؤمنين، والوعيد للكافرين؛ لأنّ هذا مما تقتضيه العدالةُ الإلهية.

كذلك تزداد الفوارق بين المعتزلي والشيعي في أصول كثيرة كالنصّ على الإمام، والقول بالغيبة والرجعة، ونحو ذلك مما لا يمكن أن يقره المعتزلي أو يوافق عليه، خاصة أن في نظره هناك مسائل لا تتحملها دلالات النصوص الدينية إلا بتأويلات متعسفة وتكلف ملحوظ، ولا ترتضيها عقول المعتزلي بما عُرف عنه من تمرّد وديناميكية.

ونظرًا لهذه الاختلافات؛ فقد تبادل علماء الطائفتين – الشيعة والمعتزلة- الطعنَ والتجريح، وظلّوا على هذه الحال حتى أواخر القرن الثالث الهجري، وإننا نرى الأديب " الجاحظ"، أحد كبار أنصار الاعتزال، يصنفُ كتابه: "فضيلة المعتزلة"، ويردّ فيه على ابن الراوندي الشيعي، الذي ألف في المقابل كتابه: "فضيحة المعتزلة، ذلك الكتاب الذي ألفه للردّ على الجاحظ، الأمر الذي اضطر أبا الحسين الخياط المعتزلي لتأليف كتاب: "الانتصار والردّ على ابن الراوندي الملحد"، وكان الخياط علمًا من أعلام المعتزلة، وينتمي لمدرسة بغداد الاعتزالية المعروفة بأصالتها وقوة حجتها.

لكن مع نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجري، خفتت حدة الخلاف بين الفريقين، بسبب الخلاف الحادّ بين أهل الحديث والظاهرية من جانب والمعتزلة من جانب آخر، عندما كفّر الفريقان بعضهم بعضًا، في وقت تعامل فيه المعتزلة وكأنّهم تحت راية المأمون، وأنهم في مأمن من أمرهم، لكن أهل الحديث نكّلوا بهم جماهيريًا فأفقدوهم قواعدهم الشعبية، ونخبويًا عن طريق السلطة والنفوذ السياسي، خاصة وأن المعتزلة تطرفوا في تأويل النصوص، وردّ الأخبار، ولم يُلجموا العوام عن علم الكلام كما رأى أهل الحديث دائمًا. وكأن المعتزلة الأوائل أدركوا ذلك فابتعدوا عن السلطان، وأسّسوا مذهبهم بسواعدهم لا بسواعد الدولة، لأنّ الدولة عندما ولّت ظهرها للمعتزلة، واعتمدت على أهل الحديث، فقدَ المعتزلة نفوذهم في البلاط العباسيّ، والناس على دين ملوكهم، وصار الاعتزال سرًّا بعد أن كان جهرًا، ولذلك قلّ عدد المعتزلة واختفى رؤساؤها.

إن سقوط المعتزلة السياسي قد أدى إلى سقوطهم الفكري، حتى جاء الإمام أبو الحسن الأشعري فقضى على ما تبقى من نفوذهم، ومن هنا احتاج المعتزلة إلى نصير ومعضّد فتحالفوا سياسيًا مع أعدائهم الشيعة خاصة وأن البويهيين الذين نكلوا بعلماء السنة والأشاعرة، فصار المعتزلة والشيعة –في حَيَيْ الكرخ والحلة ببغداد- في جانب، وأهل السنة في بقية الأحياء في جانب آخر، ودارت المعارك الكلامية والسياسية بين الجانبين.

وهنا بدأ المعتزلة يتقاربون من الشيعة بسبب المصالح السياسية، واحتياج كلّ فريق إلى الآخر لتقوية جبهته في مواجهة السنّة وأهل الحديث؛ بدليل أنّ الجبائي نفسه الذي دعى إلى التقارب المعتزلي الشيعي أكد على ذلك قائلاً: "قال شيخنا أبو علي رحمه الله: إنّ أكثر من نصرَ هذا المذهب -القول بالإمامة- كان قصدُه الطعن في الدين والإسلام فتسلّق بذلك إلى القدح فيهما؛ لأنه لو قدح فيهما بإظهار كفره إذن يقل الإقبال منه، فجعل هذه الطريقة سُلّمًا إلى مراده".

ولقد ادَّعى الكثير من المؤلفين الذين كتبوا في العقائد والفرق الإسلامية بأن الشيعة الإمامية هم من مقلدي المعتزلة في عقائدهم وآرائهم الكلامية، ولا غرابة إذ نجد المستشرقين من الأجانب والكُتّاب العرب المتأخرين يجترّون هذه المقولة الخاطئة دون تمحيص وتحقيق خلافاً لما هو المتوقع من أصحاب القلم والفكر، والمؤسف حقاً أنا نجدهم يتعاملون مع هذا الإدعاء وكأنه من البديهيات التي لا تقبل التشكيك والنقاش .

بيد أن المتتبع المنصف يجد جلياً لدى مراجعته لكتب الشيعة الإمامية، أن الإمامية مستقلون في تفكيرهم وآرائهم استقلالا كاملا في جميع الأدوار والمراحل التي مرّوا بها، وأنهم لا يعتمدون على غير كتاب العقل والقرآن الكريم وسنة النبي (صلَّى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السَّلام) فيما يعتقدون به من أصول الدين، وفيما يعملون به من فروعه .

خلاصة القول إننا لا نؤيد قول القائلين بأن الشيعة قديمًا وحديثًا- يمثلون تيارًا اعتزاليًا أو أنهم الأحقّ بالميراث المعتزلي، بكل ما يعنيه هذا التوصيف، ذلك أنهم يرتكزون على أصول فكرية ومعارفية مغايرة تمامًا لتلك التي ارتكز عليها المعتزلة يومًا ما، وقد خالفوهم في الأصول والفروع. فالمعتزلة ليست لديهم أسقف أو حوائط صدّ تجاه المسألة المعارفية، والاجتهادية، في حين أنّ الشيعة لديهم تحفظات وحدود لا يمكن تجاوزها، بسبب نظرية الإمام المعصوم، فقوله لا يُردّ ولا يُجتهد في إطاره، شأنه شأن القرآن، وبهذا اتسعت دائرة القطعيات لدى الشيعة الإمامية، بخلاف المعتزلة.

علاوة على الانغلاقية الاجتهادية وانسداد الأفق الاستنباطي لدى الشيعة الإمامية فينحصرون في مذهب واحد "المذهب الجعفري" بسبب قولهم بعصمة الأئمة كما قلنا، فما كان لهم أن يخرجوا عن قول إمام من أئمتهم إلى قول إمام من أئمة السنة أو المعتزلة مثلا؛ لأن إمامهم معصوم في نظرهم وفقيه الآخر ليس بمعصوم، وقد أدى هذا الشرط القطعي إلى غلق باب الاجتهاد الفقهي في نفس الأمر، ولو زعموا غير ذلك، فأين تلك الاجتهادات التي خالف فيها آيات الشيعة اليوم أئمتهم السابقين؟!، وأين تلك الاجتهادات المبنية على أصول مخالفة لأصول السابقين؟!، فقولهم في المسح على الخفين، أو زواج المتعة (لاحظ أننا ضربنا أمثلة فقهية فقط لا عقدية) لم يتغير منذ بادئ أمرهم وحتى اليوم، في حين أنّ فقهاء المعتزلة وأئمتهم اندرجوا تحت المذاهب الفقهية المشتهرة الراسخة، كالمدرسة الحنفية والشافعية والمالكية، وترسّخت أياديهم في مدرسة الأحناف التي اتسمت بالمرونة الفقهية، ومواكبة التغيرات البيئية والمجتمعية، حتى سُموا بأهل الرأي؛ أي أنهم يتعاملون مع النصوص بطريقة مقاصدية وغاياتية، لا بحرْفية وظاهرية، كما يفعل الشيعة والظاهرية. ولم يتقيّد المعتزلة بالمذهب الفقهي، بل اجتهدوا في إطاره، وتوسّعوا في رحابه يمينًا ويسارًا، اجتهادًا وتأصيلاً، ومخالفة لأصول المذهب وفروعه في أحايين كثيرة، وذلك لا ينفي عنهم صفتهم المذهبية؛ لأن المذهب بشريّ قابل للاجتهاد والأخذ والردّ، ومخالفة الأخبار الواردة أحيانًا بزعم ظنيتها الدلالية أو الثبوتية، أو مخالفتها للثوابت العقلية، أو مخالفتها للثابت عن الفقهاء وعمل أهل المدينة والميراث الفقهي المتوارث، ونحو ذلك من آليات الاستنباط عن القوم. أما مخالفة بند واحد من بنود الشيعة الإمامية كفيل لديهم بخروج الفقيه من المذهب بالكلية، واتهامه بأنه لا ينتمي لهم؛ لأنّ المذهب له إطارات وحدود، وموانع تعيقُ الانطلاق الفكري، والسياحة العقلية، والاجتهاد في فهم النص.

والحاصل: أن الأُسس بين الفريقين متباينة، وأنه لا يوجد نقاط تلاقٍ، أو خطوط تقاطع في أصول أو فروع. والزعم بأن الشيعة اليوم هم الورثة الشرعيون للعقل المعتزلي، هو قول يعوزه الشواهد التاريخية والاجتهادات الفقهية والعقدية. وأخيرًا فإن الأمر لا يحسم بمقال، فلو أنصف باحثٌ أكاديمي وأفرد هذا الموضوع بالتصنيف والدراسة لكان خيرًا كثيرًا؛ لأنه سيفتح آفاقًا معرفية وتاريخية في حاجة ماسة لها.

ومن جهة أخري فإننا نرفض قول البعض بأن الشيعة أخذت منهجها الفكري في الاُصول والعقائد من المعتزلة، لما رأوا من وحدة العقيدة في القول بالتوحيد والعدل، وإنكار الرؤية وإثبات الحسن والقبح العقليين، وقدرة العبد واختياره في أفعاله إلى غير ذلك من المبادئ المشتركة بين الطّائفتين.

وهؤلاء يؤيدون الرواية التي قالها الكاتب أحمد أمين في كتابه (ضحى الاسلام: ج ۳، ص ۲٦۷ ـ ۲٦۸) : «ولقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلّمي الشيعة الإماميّة، فكنت كأنّي أقرأ كتاباً من كتب اُصول المعتزلة إلاّ في مسائل معدودة كالفصل الأخير في الإمامة ولكن أيّهما أخذ من الآخر؟.. أمّا بعض الشيعة فيزعم أنّ المعتزلة أخذوا عنهم، وأنّ واصل بن عطاء تتلمذ على جعفراً الصّادق ـ عليه السلام ـ وإنّي اُرجّح أنّ الشيعة أخذوا من المعتزلة تعاليمهم، ونشوء مذهب الاعتزال يدلّ على ذلك».

***

د. محمود محمد علي

....................

المراجع

1- أنظر مقدمة حيدر حب الله، لكتاب التشيع والتحول في العصر الصفوي، كولن ترنر، منشورات الجمل لبنان.

2- التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي، د. عبد المجيد بدوي، ط/ دار الوفاء المنصورة1988م.

3- أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعي، محمد بن المختار الشنقيطي، ط/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

4- محمد الصياد: الشيعة والمعتزلة بين الاتفاق والاختلاف، إضاءات، مقال منشور في 02/02/2017

5- أحمد أمين: ضحى الاسلام، الجزء الثالث، دار النهضة المصرية، القاهرة.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5848 المصادف: 2022-09-09 04:36:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5930 المصادف: الاربعاء 30 - 11 - 2022م