علوم

عالمنا المحموم يزداد سخونة كل يوم

بقلم: كريستوفر كروكيت

ترجمة وتحرير: بدر ثاني


يعتبر الكون اليوم أدفأ عشرة مرات مما كان عليه قبل عشرة مليارات سنة، فبينما كان متوسط درجة حرارة الفضاء السحيق حوالي 200 ألف درجة مئوية (360 ألف درجة فهرنهايتية)، فإنها الآن ما يقرب من مليوني درجة مئوية (3.6 مليون درجة فهرنهايتية).

يقول يي كوان تشيانغ، عالم فيزياء فلكية في ولاية أوهايو جامعة كولومبوس، وقد قاد فريقًا بحثيًا لقياس درجة حرارة الكون:” هذه هي المرة الأولى التي يمكننا فيها تأكيد القيمة الدقيقة لدرجة حرارة الكون وكيف تتطور مع مرور الوقت". ونشر النتائج الجديدة في مجلة الفيزياء الفلكية (Astrophysical Journal.)  في 10 أكتوبر.

ويوضح تشيانغ أن تتبع درجات الحرارة يساعد علماء الفلك على فهم كيف بَنى الكون الهياكل الضخمة، وتشمل أيضا تجمعات المجرات الغنية بالنجوم، والمعروفة باسم العناقيد، التي يمكن أن تحتوي مئات المجرات المنتشرة عبر ملايين من السنين الضوئية.

عندما تتجمع العناقيد، فإنها تطلق طاقة، وتتحول الجاذبية إلى حرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع الغاز المحيط. يقول تشيانغ:” يمكن لعلماء الفلك تحقيق تقدم، من خلال قياس مدى تغير درجة حرارة هذا الغاز بمرور الوقت".

الاحترار الكوني ليس مفاجأة

تقول مارتين لوكين عالمة الفيزياء الفلكية بجامعة تورنتو في كندا: "إن قياس درجة الحرارة الجديد ينسجم بشكل جيد مع ما توقعه علماء الفلك". وتستخدم مارتين نماذج الكمبيوتر وبيانات التلسكوب لفهم كيفية ارتباط الغاز والمجرات عبر الكون لتشكيل شبكة كونية. ويقوم الباحثون في هذه النماذج بإنشاء عوالم أطفال افتراضية حيث يحاكي الكمبيوتر الفيزياء. ثم يتيح برنامج الكمبيوتر للكون أن ينمو من تلقاء نفسه. فمن هنا، يرى العلماء مدى مطابقة تلك الأكوان الافتراضية مع الشيء الحقيقي. تقول مارتين لوكين: "تقوم هذه النماذج اليوم بعمل جيد في إعادة فحص المنظر من خلال التلسكوبات، خاصة عندما ترى أنك تحصل على هذا التسخين المستمر للغاز نتيجة تساقط المجرات في هذه المناطق الكثيفة الضخمة من الشبكة الكونية ".

إن قياسات درجة الحرارة الجديدة توفر لعلماء الفلك البيانات لتأكيد تلك المحاكاة. فمليوني درجة تبدو ساخنة جدًا، لكن لن تشعر بذلك إذا كنت في هذا الغاز وخلعت بدلة الفضاء الخاصة بك (نصيحة للمحترفين: لا تنزع ملابسك في الفضاء، إنها فكرة سيئة).

تقول مارتين لوكين "كيف نشعر كبشر بالحرارة على الأرض هو في الحقيقة من خلال نقل الطاقة الحرارية عندما نلمس شيئًا ما "، فيكون الموقد الساخن ساخنًا لأنه يحتوي على الكثير من الجزيئات تدور حوله. وتستمر في الاصطدام بيدك، ومع كل اصطدام تنقل الحرارة إليك. لكن في الفضاء، لا يوجد الكثير من الجزيئات، حتى الغاز بالقرب من العناقيد، تكون جزيئاته متباعدة جدًا. فلن تعرف حينئذ أنك محاط بالغاز، ولن تشعر بالحرارة. بل لن تشعر بشيء على الإطلاق.

كيف نقيس درجة حرارة الكون؟

لم يكن سهلا قياس درجة حرارة الغاز التي كانت موجودة منذ فترة طويلة. لكن التلسكوبات أصبحت الآن هي آلات الزمن، فعندما ينظر علماء الفلك بعيدًا، فإنهم ينظرون أيضًا إلى الماضي.

تخيل مجرة تقع على بعد مليار سنة ضوئية من الأرض. أخذ الضوء من تلك المجرة مليار سنة ليصل إلينا. فعندما ننظر إليها، فإننا لا نراها كما هي الآن. بل نشاهد ما كانت عليه قبل مليار سنة. لهذا السبب ذهب تشيانج وزملاؤه للبحث عن الغاز بالقرب من المجرات على مسافات عديدة من الأرض. حيث كان بعضها قريبًا، والبعض الآخر على بعد مليارات من السنين الضوئية.

ولأخذ درجة حرارة الغاز، حصل العلماء على مساعدة من ضوء قديم جدًا يسمى الخلفية الكونية الميكروية. وهو عبارة عن توهج ضعيف من كل الاتجاهات، وبقايا لم يمض وقت طويل عليها بعد الانفجار العظيم. (الانفجار العظيم (1) هو سبب بدء الكون، قبل حوالي 13.8 مليار سنة). فعندما ينتقل الضوء عبر الفضاء، يتدفق بعضا منه إلى غاز حول عناقيد المجرات، وتلتقط الطاقة من الإلكترونات التي تدور داخل هذا الغاز. فتعمل على تعزيز تردد الضوء بصورة قليلة. كما يعتمد مقدار تغير التردد أيضا على مدى سخونة الغاز.

نظر فريق تشيانج في البيانات القديمة من التلسكوبات في الفضاء التي رسمت الضوء الخلف، فبحثوا عن بقع حيث تم رفع التردد قليلاً، أبرزها مواقع الغاز الساخن في السماء. ثم قاموا بمطابقة هذه النتائج مع مسافات معروفة لعناقيد المجرات باستخدام تلسكوب على الأرض. ووضعوا كل هذا معًا لتحديد درجات حرارة السحب الغازية على مسافات مختلفة - وفي عدة نقاط زمنية. يقول تشيانج: "لقد فوجئنا بأنها عملت كما هو متوقع".

لكن تشيانغ لم ينته بعد من عمله، حيث يبحث وفريقه الآن في نوع آخر من الضوء يسمى الأشعة تحت الحمراء الكونية الخلفية التي تأتي من الغبار الدافئ في المجرات. فعند قياس درجة حرارة الفضاء، كان الفريق يتوخى الحذر حتى لا يترك هذا الضوء يعطل عملهم. ولهذه الأشعة أيضًا قصة ترويها، كما يقول تشيانج:” الأشعة تحت الحمراء الكونية الخلفية لها قصة عن تكوين المجرات ".

 

.....................

هوامش:

(1) الانفجار العظيم إحدى النظريات السائدة في الغرب حول نشأة الكون أما في الأسلام فإن الله هو خالق الكون.

رابط المقال:

https://www.sciencenewsforstudents.org/article/universe-getting-hotter-cosmic-warming

اقتباسات

Journal: Y.-K. Chiang et al. The cosmic thermal history probed by Sunyaev–Zeldovich effect tomography.

The Astrophysical Journal. Vol. 902, October 10, 2020. doi: 10.3847/1538-4357/abb403.

 

في المثقف اليوم