ترجمات أدبية

روج غلاس: 59 مكانا للمعاشرة في أريزونا

صالح الرزوقبقلم: روج غلاس

ترجمة صالح الرزوق

***

كان هناك وقت، بعد الاجتماع، ويكفي لشؤونك الخاصة، ولكن لا يسعك أن تتفرغ لها طيلة 24 ساعة وعلى مدار أيام الأسبوع. بعض الأشخاص في هذا العالم يعملون باستمرار، ورئيس جينفر يمكنه أن يعترض بصوت حاسم إذا اكتشف أنك تتبعها في العنبر. تفحص عينات من الألواح. وتوجه أسئلة بليدة. وتجرها إلى خزانة التموين لمداعبة عابرة بينما عسكري من عساكر الميدان ينهي مشاغله على الطرف الآخر من الجدار. كلا - ما أن تنتهي من تلك الاهتمامات حتى تنتهي حياتك. ولم تكن كل أفكار جينفر مقبولة.

ولذلك كنت تعتكف في البيت طيلة الشهور الثلاث الأخيرة، وكنت تسلي نفسك في الشقة وأنت بمفردك بينما هي في الخارج تعمل. طهوت معكرونة لينغويني مع الفليفلة الحارة ليلة طردك من العمل. في الليلة التالية لاسانيا نباتية. أنفقت أول أسبوع كله بالحركة والدوران مثل العفريت وأنت تمسح الغبار وتنظف. وقالت عنك جينفر إنك  عاهرتها وضحكتما معا. وتنبأت أن نشاطك سيخمد قريبا. وأجبرتك أن تتعهد أن تساعدها على الاستحمام في حوض من الفقاعات كلما أرادت. وكان ذلك حينما كنت لا تزال تستمتع بالحرية وكان كل عمل متعة - ثم بدأ دور اللعبة. والآن في بعض الليالي وحينما تكون جينفر مشغولة بواجباتها، كل ما يمكنك فعله هو أن تمسك خصيتيك وهما في السروال الخفيف وتبحث تحت جنح الظلام عن شيء مهم في الإنترنت. وفي لويل أوبزيرفيتوري في فلاغستاف، كنت تدمدم لنفسك، وتعصر الماوس بيدك الطليقة. أما في حديقة ساغورو الوطنية قرب توسون كان التفكير بها فقط يبلل مؤخرة عنقك بالعرق. يجفف فمك. وحينما يزداد الضغط تعود إلى لعبة فيفا 12.

كانت كل الليالي تمر بهذه الطريقة.

مرت أربعة شهور منذ أن طلبت الإدارة من جينفر أن تمن عليهم بتغطية عدد من النوبات الليلية - قالوا لها: إحدى البنات الجديدات غائبة بسبب المرض. أضافوا: نحتاجك حتى تتحسن حالتها. وربما لن يستغرق ذلك غير أسبوع أو اثنين. ولكن كان الوقت على مشارف عيد الميلاد، والبنت المريضة أصبحت البنت القانطة، واستمرت كوابيس الليالي المتأخرة تحوم فوق رأس جينفر دون أي إشارة بالانحسار عما قريب.  وأملت أنه بمجرد أن تغادر المكتب ستحظى بفرصة للكلام عن بداية جديدة، فلربما تكون الحياة في مكان آخر أرخص واحتمال أن تشرق الشمس أقوى. ولكن لم تجد الوقت الكافي لمثل هذا الكلام. كانت تغادر البيت ست مرات في الأسبوع بعد غروب الشمس وتعود قبل الشروق. نهارها ليل وليلها نهار. وتقول جينفر إن أحاسيسها متعبة، وهذا يؤثر عليك أيضا. وتوجب عليك تبديل نمط نومك لتكون جاهزا. مثل التقدم على درب الأباتشي بينما جبل الخرافة الشاهق يخيم عليك .

كنت تجهز الجو حالما تعود من العمل - تطفئ النور، وتغلق أغطية النوافذ- لتعتقد أنها في سواد الليل. كانت تستحق ترحيبا مناسبا ولكنك اعتدت أن لا تقاطعها وهي على عتبة الباب. لم تكن تحب الفضول. ماذا تفعل لتكسب قوتها، شيء لا يسع أحد أن يتخيله. هذه آخر أيام تعايش الرجال والنساء الطبيعيين، حينما يتخلون عن أنفسهم. ولا غرابة أنها تحتاج لعدة دقائق على انفراد بنفسها. لذلك تستلقي في السرير، متظاهرا أنك نائم، وتستمع لصوت حركاتها في المطبخ، وهي تنتقي بعض الأشياء من معلبات في الثلاجة، لتأكلها واقفة بينما الليل يتحول في الخارج إلى نهار. ثم تزحف إلى السرير، تطبع قبلة على وجهك، وتغيب بالنوم. وأحيانا وهي مرتدية ثيابها. ولو حدث ذلك تجردها من ثيابها على مهل، محاذرا أن لا تقوم بحركة مفاجئة، ثم تخلصها من مكياجها بمسح وجهها. وتلقي بحمالة الصدر والخف والجوارب في سلة الغسيل، ثم تعلق بذتها على قفا باب غرفة النوم لتكون جاهزة لليوم التالي. ثم تجر اللحاف فوق كليكما، وتلف خصرها بذراعيك وتنتظر أن يغلبك التعب. وفي معظم الأوقات تنام جنفر بعمق. وأحيانا أنت كذلك. لا تجلو أحلام جنفر دماغها، ولكن حينما تفتح عينيها تتصرف كما لو أن العالم قرش جديد يلمع وعثرت عليه فوق الرصيف. وفي معظم الأحيان تستيقظ حوالي الثانية، وتتدحرج لتواجهك وقبل أن تنتبه تهمس، هل حان الوقت يا راعي البقر؟. وإذا كانت مجهدة، تبدو مقلتاها مثل دواليب الروليت. وإذا كانت مستثارة، تلف ساقيها القصيرتين حولك، وتضمك بقوة وتسأل ما هي أخبار اليوم. هل باراك وميشيل في المكتب البيضاوي؟. هل بيونسي وجاي- زي (*مغني راب) في النزل في لوس أنجليس؟. وهل برانجلينا (*براد بيت وأنجلينا جولي) في مخبئهما في جنوب فرنسا؟. بالعادة "تأتيان" معا. ثم يحين وقت ارتداء الملابس، نصف ساعة تقول عنها جنفر روك أند رول في نفس الجحر القديم، وحوالي الثالثة تنامان مجددا. تستيقظ حوالي الخامسة، تهبط أمام التلفزيون وتتناول شطيرتك وأنت تشاهد المنوعات أو دي في دي. وبعد ساعتين تعاود الكرة، أما الساعات العشرة التالية فهي لك وحدك.

في الأسبوع المنصرم أخبرت جنفر أن هذا غير لائق. فهم ينتقون النفايات المقرفة كالبول. تقصد هذه الملابس. ونصحتها أن تعلن العصيان. لم تكن عملية، هذه الحياة. وأخبرتها لو استمر ذلك حتى هوغماناي (*آخر يوم من السنة الجارية)، ستقع مشاكل. أين هي الأجراس. ها؟. سكاي بلاس وما شاكل ذلك؟. هل تشاهدين بيغ بن في الظهيرة، بلا أضواء، وتنشدين Auld Lang Syne (* أغنية لدوغي ماكلين - مر زمن طويل) وتتظاهرين أنه عام آخر؟. شمخت جنفر بأنفها. وارتفعت أطراف وزوايا فمها. ثم قالت علينا أن نجد شيئا لأنفسنا في اللحظات الأخيرة. حاول أن تندمج. أنت تعلم.. عد معهم  3-2-1…

جنفر إنسانة رومنسية فعلا. وفي الأسابيع الماضية لاحظت شيئا لم تكن تشاهده حينما كنت تعمل وحينما كنت ترد على الهاتف إذا رن جرسه. لو كانت جنفر نائمة، تركز انتباهك على إيقاع أنفاسها. وتحاول أن تتنفس معها كما لو أنك الصدى، وتتساءل هل ستستمر معك لأنها مرهقة من الهروب والتغيير. ولو أنها مستيقظة ستركز انتباهك على حركاتها وعاداتها. ورغباتها. لا زلت ترى فائدة منها، أليس كذلك؟.

تذكر دورة المياه المحطمة في متحف الحياة المائية في تيمبي. والثياب التقليدية الأمريكية في متحف هيرد.

من التوقيت تعلم أنها نادرا ما تتوقف في طريق عودتها من العمل للمنزل. ومن الطبقة الرقيقة من الطين المبلول التي تعلق بحذائها تعلم أنها تأتي من الطريق المختصر الذي يمر بالحديقة - فالطريق يستغرق حوالي ثلاث وعشرين دقيقة.. من الباب إلى الباب. وقراءة عداد الموسيقا في جهاز الآي بود يؤكد أنها تستمع لنفس الألبوم طالما هي في طريقها - مولودة في يو إس إي حينما تكون في طريقها إلى عملها، ونبراسكا الخاوية حين تكون في طريق العودة للمنزل. (ولكنها في هذه الأيام لا تستمع إلا إلى سبرينغ تين - مراهق الربيع. وتقول إنه ألف كل الأغنيات التي تحب الاستماع لها. ولكنك كنت تعترض على هذه الفكرة ). لا يوجد العديد من المتاجر المفتوحة في طريقها بحوالي الساعة 6  صباحا. ولكن على كل حال، حتى لو توفرت، أنت تشك أنها ستتوقف في أي نقطة من مسارها قبل أن تعود إلى رجلها. إلى دانييل حبيبها. جنفر فتاة منضبطة وجميلة. والأرقام هي التي تتكلم.

مع التساهل بعدد محدود من الثواني تستغرق جنفر سبعا وثلاثين دقيقة لتجهز نفسها للعمل في كل يوم - وأنت تعلم ذلك لأنك تحمل ساعة توقيت في هاتفك. وبالعادة سبع وثلاثون دقيقة تشمل ثماني دقائق لترتدي ملابسها، وتنفق منها دقيقتين بارتداء المجوهرات التي اشتريتها لها في عيد ميلادها، وفي عيد الحب وفي آخر عيد ميلاد. وتتضمن حوالي ست دقائق للشؤون الهضمية اليومية. وثلاثا لتنظيف الأسنان. وتسع دقائق لإضافة المساحيق وظل العيون. ثم تنفق بشكل روتيني أربع أو خمس دقائق بمناقشة خططك الخاصة بينما هي تطعم و تغسل وتستبدل ما تقول عنه زومبيات يورك هيل الشرهة. من الصعب أن تتذكر كل هذا - كان ذلك في أول مشوار لكما معا، منذ سنتين أو ثلاث - ولكن عندما بدأت جنفر عملها في المصحة كانت أطرافها بضة وندية.

يومها كلمتني عن عمل يفيد الروح. في الشركة كان يمنحها توهجا خاصا. والآن كلاكما بلا حياة اجتماعية، وهي تحاول أن لا تجهد نفسها بالتفكير، فالمرضى تحولوا إلى زومبيات، وفي البيت كنتما دائما مثل هتلر وإيفا براون والشقة كأنها قبو، وقنابل الحلفاء تمطر عليكما وأنتما تستلقيان لمرة أخيرة يائسة قبل أن يأتي دور حبوب الانتحار التمثيلية. ومما أخبرتك به عما يجري في العنبر، كانت كل هذه الأفعال تبدو ضرورية جدا فهي مناورة لأجل البقاء. تقول جنفر لو فكرت بالموضوع، التخيل يحسن عمليا من مستوى رعاية أي شخص لجده وجدته وهما يعيشان آخر أيامهما على الأرض. وهناك، في العالم الخارجي، يحافظ الخيال على الحياة. ولذلك كان أقل ما تفعله أن تجهز حمام الفقاعات وتتأكد أنك اشتريت بذة بسعر مناسب من إي باي eBay.

لعدة أسابيع، بعد الاجتماع، دخلت بحوار حول كيف ستساهم بتكاليف الثياب، وأيضا اللوازم الدائمة مثل الأقساط، والغاز المنزلي والكهرباء، ووعدت أن تبحث في الصحف عن فرصة. وقلت لجنفر إنك ستنظر في مواقع الوظائف المتوفرة وسترسل إيميلات للتذكير. وأحيانا كنت تزعم أنك كنت تقابل بعض الوسطاء وتشرب معهم مكيال بيرة قبل إرسال طلباتك - وفي معظم الأحيان كنت كاذبا، ولكن جنفر لم تدقق. ولم تسأل عن التفاصيل، ولم تكن تستجوبك بعد أن تدعي أنك كنت في مقابلة عمل في شركة O2 أو H&M وهلم جرا. وكان من الواضح أنك بلا رغبة للعودة إلى سوق العمل. بارمان أو نادل أو مساعد في متجر. وكنت تفكر: حينما يكون لديك حياة واحدة لماذا تزعج نفسك بشيء من هذا القبيل؟.

في آخر يوم ثلاثاء حينما سألت جنفر عن خططك لهذا اليوم، اخترعت شيئا. قلت: هل تتذكرين حينما تكلمنا عن إلقاء وسادة على الخالة جوان في أريزونا؟. وحاولت أن تتكهن بمشاعرها.

لاقتحام بيتها؟. حسنا ربما لا ضرورة للخالة جوان. فقد وجدت شيئا. ثم عرضت عليها الموقع: 17. - المركز العلمي في أريزونا. 18- وسط النزهة في سكو بيك في محمية جبال فينيكس. وانتظرتها لتتناول شيئا. على الأقل الحبوب التي تخفيها منذ أن حررك غريغ والشباب في المكتب الرئيسي من الرجل.  لم تكن لتلومها لو غادرت من الشقة ولم تعد. ولكن جنفر قديسة لعينة. بنت مشاغبة. عقدت ذراعيها حول عنقك، وحرارتها تسبح في الجو بين جسميكما، وعضت صيوان أذنك.. مرة. وقبضت على اللحم بين أسنانها لعدة لحظات قبل أن تفلتك. قالت: استعمل فطنتك.  وهذا ما تفعله منذئذ حتى الآن.

أحيانا تتساءل كيف كانت الحياة لو أنني عشت قبل عصر الانترنت.  ماذا كان يفعل البشر؟. ربما ينظرون من النافذة أو إلى أحذيتهم طوال اليوم.  وبالتأكيد هناك حياة في مكان ما، ولكنك غير قادر على إثبات ذلك. كم أنت محظوظ لأنك تمتلك فرصة للتواصل مع كل العجائب في هذا الكوكب وبأجزاء الثانية. وبتوسع احتمالات الخيال الإنساني بالمقارنة مع أحواله من قبل، لا يوجد لدينا عذر للهم والضجر. هناك في مكان ما مجتمع يتسع للجميع. محبو الحمائم من دويلات يوغوسلافيا السابقة. مربو اليقطين في يوركشير. ساحرات ووثنيون مجددون من أقصى الجنوب. بعض الناس يجدون معلومات كثيرة متاحة وفائضة. ويرون العالم، ويلاحظون كم هي أحجامهم صغيرة، ويرتعدون من ذلك. ولكنك أنت واحد من الذين ينفقون بسعادة كل فترة النوبة داخل المصحة وأنت تستمع للموسيقا المجانية. وتشاهد أفلام اليو تيوب عن رقص الهيبو، وتقلب بحثا عن أماكن غريبة في بلدان أجنبية لتقدم لمحبوبتك مشهدا جيدا يسر النظر. الكون يفتح ذراعيه لكما معا. ولا ضرورة للخوف. وكما تأكد بما لا يدع مجالا للشك من خلال هذه الصفحات الافتراضية الساحرة، الجميع حصلوا على ما يريدون. كان عنوان الموقع: بيت من مضافة الرحالة أصحاب الأذهان المفتوحة الذين يقدرون كل ألوان الجمال الفطري.

عنوان رقم 23: عند الظلام، في الحدائق النباتية الساحرة في الصحراء.

عنوان رقم 31: في أحد الكهوف المدهشة تحت الأرض في كارتشنير كافيرنز في الحديقة الحكومية (بعض العدائين أضافوا صورة ملطخة بالأسود تحمل التعريف التالي: 'داخل كهف').

في الأسفل القائمة الكاملة لـ 59  "موقع حزورات" مرتبطة بسلسلة ألبومات صور، وكل منها يعرض صورا لأزواج بأمكنة متعددة متتالية. ولكن معظم الناس لا يدخلون على أكثر من عشر مواقع. ومعظم الصور غير احترافية. لقطة، لزوج من كوبنهاغن، وهي مصورة من زاوية نظر امرأة ترافق زوجها في بحيرة هافاسو. وفي الصورة تلاحظ ركبتيها وهما تضغطان على ذراعيه. وهو على الأرض ينظر إلى الأعلى. وتعابير هذا الرجل لا تشبه شيئا رأيته من قبل. وحينما عرضته على جنفر تساءلت بصوت مرتفع ماذا يعمل ليوفر قوت يومه. وهل يكذب على رئيسه ليبرر سبب رغبته بإجازة من العمل، وما إذا كان رفيقه بالعمل يعلم بعطلته. ثم دفعتك نحو الأرض، وكانت اللقطات تتالى على الشاشة وتظهر زوجي كوبنهاغن بأوضاع طموحة متعددة في كانيون دي شيلي، ثم في حديقة حيوانات خارج إفريقيا، ثم في استوديو توسون القديمة. وفي لقطة فيديو كانا يرتديان قبعتي ستيتسون متماثلتين ويركضان عاريين هربا من اثنين من حراس الحديقة. أصرت جنفر على الوضع الكلبي، بحيث تواجهان كلاكما الكومبيوتر. وكانت تضغط عليك بقوة.

هذه وقائع جرت قبل ثلاث ليال.

والليلة، وهي تغادر متوجهة إلى نوبتها، عانقتك بقوة وسألتك إن كان لديك أي شيء يساعدها على تمرير الوقت. فكرت. وتأملتها عن مقربة وهي تلتقط مفاتيحها، وترتدي معطفها وتغادر من الباب الأمامي. وبدأت تمشي في المعبر. توقفت بعد ذلك على الرصيف. ونظرت إلى الخلف. وأنت تنحني على المدخل، رأيتها تشبه مارلين مونرو، أما أنت مثل  ج ف ك. قلت الرقم   43-  في داخل الأعماق العريضة لمنتزه كانيون الكبير، المشرف على مشاهد رائعة سماها في مرة ما الجيولوجي والمستكشف جون ويسلي باوب باسم "أهم مشهد نبيل في الطبيعة". التفتت جنفر إلى الخلف نحو الطريق وهزت رأسها وابتسمت. وهي تبتعد قالت: أحد ما يشعر اليوم بالغرابة. ثم اختفت. وراقبتها تبتعد. هذه هي مارلينك. كوكو شانيل الخاصة بك. نسختك من ميشيل أوباما.

تقول جنفر دائما إن أول عدة ساعات من نوبتها هي الأسوأ. ولذلك لا تنسى أن تكتب لها في موعد أول استراحة قصيرة - شيء يساعدها على مرور الجزء الثاني من النوبة بسهولة.

كتبت لها: أحد الألواح في بيزيرا بيانكو الأسطورية (معدل التفضيل  4 من 5 حسب دليل الرحلات). تبادل الأطعمة اختياري. أرفقت ملف صورة لبوب وسو هامبتون. وهما من بورنماوث، هو عار إلا من قبعة رئيس طهاة، وهي بشكل نادلة عارية الصدر. وكلاهما بجانب طبق كبير من المقبلات الإيطالية. وبعد منتصف الليل بعشر دقائق جاء الجواب، تبدو الصورة ملفقة. ولكنها لذيذة. أنا جاهزة إن كنت جاهزا… أرسلت بعد ذلك اقتراحات متتالية. ولم تتمكن من ضبط نفسك.

 الاحتمال  1: في البراري، الغرب الوعر - نموذج الـ 1800، في بلدة الغرب الوعر المشهورة روهايد، برحلة على حافلة باترفيلد يجرها بغل، وتمر من خلال صحراء سونوران المزدحمة بالمناظر الطبيعية. (احتمالات أخرى تتضمن بارودة للزفاف سعرها 10 $. صورة تذكارية رسمية  توجد تعقيدات ضمنية: ماذا تظن بالدليل؟. هل يمكنك كراء حافلتك الخاصة؟ وهل تمانع أمك إن عقدنا زواجنا في الخارج؟).

الاحتمال 2: في السينما - في مونيومينت فالي، يرتدي زيا عجيبا مثل المخرج جون فورد الفائز أربع مرات بجائزة الأكاديمي & زوجته المحبوبة ماري ذات الـ 59 عاما.

اقتراحات: ضع ظل عيون  مثل فورد. انسخ مشاهد من أهم أعمال فورد (عوائق محتملة: كيف تجعل عناقيد الغضب جنسية؟ انظر أيضا: كم كان الوادي أخضر).

احتمال  3: قديسون وخطاة - في إرسالية سان كزافيير ديل باك في توسون. تأسست عام 1692. برداء راعي الأبرشية وعضو متحمس من الهيئة. (ملاحظة: في معجزة مفترضة شاهدها الناس من كل أرجاء توسون، يعتقد أن الأب إغناسيو  جوزيف راميرز أرلينو واصل التعرق لساعات بعد موته. ولاحقا نصب قديسا. وربما يمكن تجسيده بشكل ما؟).

لم تعلق جنفر على كل الاحتمالات. لكن لاحقا فضلت الدراما بسبب سيادة النساء فيها.  وربما لم تعلق لأن كل هذا حماقة وأنت تطاولت جدا بهذيانك وكان وقتها ضيقا للتعامل مع هذا النوع من التخيل فهي مشغولة وتنظف قفا سيدة عجوز مرعوبة وضعيفة ومهددة بأزمة قلبية فورية إن سمعت بخططك المزمعة مع ممرضتها الجميلة والمفضلة.

لماذا لم ترد جنفر؟. هناك شيء خطأ. هناك. هناك  ومع أنك تعلم أنه ليس من المفترض أن تخابرها خلال أداء عملها فقد توجب عليك أن تفعل. كان موبايلها مغلقا. بالطبع هو مغلق. وعوضا عن أن تترك لها رسالة صوتية أرسلت لها رسالة نصية أخرى. قلت: مشتاق. وفخور بك حقا. عودي إلى البيت سالمة وغانمة، اتفقنا؟.

وصلت متأخرة عن المعتاد بإحدى عشر دقيقة، فعلمت أن شيئا غريبا وقع لها ثم لاحظت أنها تبكي. وارتمت بين ذراعيك في الممر وطمرت رأسها على كتفك، وتركته هناك لفترة طويلة. وحينما رفعت نظرها، كان وجهها ملوثا بالمكياج والرعب. ولم تكن تلتقط أنفاسها. قلت لها: هيا، أيتها البنت الريفية، ورفعتها عن الأرض، وتقدمت بها وهي بين ذراعيك دون أن تمس الأرض، وحملتها على السلالم. ضحكت. عانقتها بلطف وهي تلطمك وقلت غير مسموح لك بالهروب مني. وتحولت القبلات الخفيفة إلى قبلات عميقة، ثم استلقيتما على البساط في غرفة النوم. الوجهان متقابلان. والجسمان يسبحان بنور الصباح. قالت: أعطني منديلا يا دانييل. لبيت رغبتها. وأسرعت إلى الأعلى لتجهز الحمام. وأنت مشغول بذلك فكرت لو أنك لا زلت تعمل في مركز الهواتف أو أي مكان آخر، لن يكون لديك الوقت لهذه الرفاهية. كانت جنفر ستعود إلى البيت، وتجفف دموعها وأنت مستغرق بالنوم، ولن توقظك قبل أن يرن جرس الساعة المنبهة. وستستيقظ بعد لحظات، وتغتسل وترتدي ملابسك بسرعة، وستلاحظ المشكلة ولكن لن يكون بوسعك حلها، وستقطع لها وعدا أنكما ستناقشان الموضوع فيما بعد. وستذهب إلى العمل، وأنت تفكر بغريغ، والأهداف، وكيف حال المبيعات في المكتب في ظل جهود الآخرين. وحينما تعود إلى البيت تكون جنفر جاهزة لتلتحق بنوبتها التالية، ولن يكون لديك الاستعداد لفتح باب للقلق، وستتظاهر هي أنها بحالة لائقة، وقبل أن تعلم تكون مشاعرك قد بردت. في أوك كريك كانيون في سيدونا. بين عصافير، وحيوانات ونباتات الجنوب الغربي في متحف بويس تومبسون للحياة الطببعية. في بارادايس فالي. كلا، أنت لا تريد العودة إلى العمل. ولا تريد أن تفقد فرصة أن تكون معها هناك. هذه الفكرة تسبب لك الدوار والغثيان.

يستحسن أنك دون عمل. أنت هنا. وحر. وتعرف الجو الذي تفضله ولذلك تضيف إلى الحمام ملء فنجانين من سائل الفقاعات. وتفتح الحنفية الباردة أولا لبعض الوقت. وتملأ أكثر من منتصف الحوض. وتحمل بذتها، وتمد كل قطعة على حدة، محاذرا أن لا تتجعد. قالت: استيقظت. فتقول لها: نعم. أعلم ذلك. وتقبل عظام رقبتها، وخلف أذنها، وتنحني وتقبل ما بين أصابع قدميها. وتتظاهر أنها تريد أن تبعدك عنها. فتسمح لها بذلك. وطوال الوقت كانت تبكي. تحملها مجددا وتلقيها في حوض الحمام. ويتحول لونها من الوردي إلى الأبيض، والفقاعات تتجمع حولها، ويغيب جسمها تحتها. ثم تعود إلى الأسفل باتجاه الثلاجة، وتفتح زجاجة نبيذ أبيض وتعود، وتضع الزجاجة والكوبين النظيفين على الأرض. تسألها: هل أسكب؟. تومئ برأسها. تسألها: هل أتصل بأمك؟. تنفي برأسها. وتقول: فيما بعد.

ثم تلمس ذراعك وتطلب منك أن تبقى معها. فتسكب وتملأ نصف الكأسين.

تقول جنفر وهي تتنهد: لا يجب.. أقصد هذا يتكرر دائما.. ماتت فكتوريا في الليل. ترد قائلا: لم أعلم أن لها أسما. تضربك جنفر برشاقة ضاحكة وتحمل كأسها وتقول: الجميع لهم أسماء ساعة وصولهم أيها الأحمق. ثم تعود للبكاء مجددا.

وحينما كانت دموعها تنهمر أخبرتك قصة حياة هذه المرأة التي لا تعرفها والتي لم تتطرق لها جنفر مسبقا. قالت إنها عاشت حياتها، وتجولت في أرجاء المعمورة وكانت تتكلم أربع لغات. وأنجبت ثلاثة أطفال، من بينهم ولد يدعى صامويل وقد مات وهو بالمهد. عملت في نوادي الجاز البولونية وكانت تعزف على البيانو في صالة ألبيرت الملكية. وعاشت في أريزونا مع زوجها الثاني لست سنوات قبل أن تعود إلى غلاسكو، وتروي لجنفر الحكايات عن أصدقائها وعائلتها التي استقرت هناك بعد الحرب. وكانت فكتوريا كما يبدو بحالة جيدة أمس، وامتدحت وجه جنفر المتورد الوجنتين. فهو دليل على السعادة.

قالت جنفر: هذا لا يهم الآن.

قلت: بل يهم.

وسألتها عن فكتوريا، وأنت على ركبتيك فوق بساط الحمام. دلكت ذراعيها وساقيها بنعومة بالإسفنجة. ثم دلكت بطنها، وبعد ذلك كتفيها، حتى بدا أنها غير قادرة على  الكلام. جففت عينيها، وقبضت على يدها بيدك، واستلمت دفة الحديث. وكنت هادئا ورزينا.

قلت لها: لدي خطة. جاهزة؟.

أومأت نعم.

في ليلة الغد سأتسلل إلى سيارة غريغ. وسأشبك الأسلاك، وأسرع بها إلى المستشفى، وأحملك، وأنت بمنتصف نوبتك. ستخزين مدير النوبة بإبرة ملوثة وهو في الممر. ثم تهربين من الباب وتقفزين إلى السيارة من النافذة. ثم سننطلق في الشارع، ونخطط لما سنفعل ونحن بالطريق. رقم 46 - في القفص مع الأسود في حديقة حيوانات فينكس. رقم 49 - على السلالم في قلعة مونتيزوما. تنظر من البرج إلى السياح في الأسفل. رقم 53 - في الخارج، على متن قارب في بحيرة بليزانت. تفكر وتتكلم. ثم على مرفأ بواخر. أعرف شابا، وقد وضعت الخطة مسبقا، بينما الشمس تبزغ قدمت له رزمة من النقود مقابل جوازي سفر جديدين.

قالت جنفر: من أين لنا هذه النقود؟. ضغطت على يدها لتذكرها أن لا تسأل هذه الأسئلة. قلت لها: أصبح اسمي خوسيه. وأنت روزيتا. ثم وقفتما بالطابور مع بقية المسافرين. وركبتما في عبارة فخمة متوجهة إلى نيويورك. في القارب وضعنا وجهبيا أمام نافذتين صغيرتين مستديرتين. الماء. البحر. كانت الحرارة تهرب منا. في نيويورك اختلسنا سيارة أخرى وسافرنا ما يقارب ألفي ميل إلى فينكس. ننام في السيارة. سرقنا محطات الوقود في طريقنا بمسدس قدمه لنا رجلنا في المرفأ. أنت طبيعي. هددت الموظفين وأنا جمعت النقود من الطاولة. والمدهش أن أيا من هذه الأماكن التي سرقناها تستعمل أجهزة المراقبة CCTV. لم يكن وجه جنفر مرتاحا لكنها لم تعترض. أطلقنا النار على قليل من الناس. وهذا لا يهم. معظمهم كان من كبار السن. أو أنهم غير مخلصين لزوجاتهم. ضغطت جنفر بالمثل على يدك وقالت: دانييل!.

ابتسمت. حسنا. حسنا. في كل حال. لا أحد يقفو أثرنا. استغرقنا أسبوعين للوصول إلى فينكس ولكن في ذلك الوقت بعد وصولنا كان لدينا الفائض من الأموال السائلة. قالت جنفر: ماذا بعد؟.

ابتسمت. ثم انسحبنا.

شربت جنفر من كأسها. ثم وضعتها جانبا ثم ألقت رأسها مجددا على طرف الحمام، وواجهت السقف. قالت: لا بأس. ونظرت لك بعينيها الشبيهتين بالروليت. ولكن ماذا عن تذاكر الباخرة؟. لوحت بتذاكر خيالية أمامها. الآن. هل يمكن أن أنسى أشياء هامة من هذا النوع؟. خطفت الهواء من بين أناملك، ومالت للأمام وقبلتك. قالت: بالفعل أود أن أغادر من هنا. وعادت الرجفة لصوتها. قلت لها: أعلم. لتمنعها من البكاء مجددا رفعت كأسك وقلت: نخب أريزونا! - ولكن صدمت الكأس بقوة وتكسرت كأس جنفر، وسقطت مئات الشظايا في الحمام.

قبضت على يدها بقوة وقلت: لا تتحركي قيد أنملة.

***

.......................

* روج غلاس Rodge Glass: روائي وناقد إسكوتلاندي. يعمل في جامعة ستراثكلايد في غلاسكو. من أهم أعماله: الألعاب النارية ممنوعة 2005، أمل المولودين حديثا 2008، ألاسدير غراي: سيرته من وجهة نظر مدير أعماله 2008….

* الترجمة / بالاتفاق مع الكاتب.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5803 المصادف: 2022-07-26 02:45:04


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5995 المصادف: الجمعة 03 - 02 - 2023م