ترجمات أدبية

بورا شونغ: وداعا يا حبيبتي

بقلم: بورا شونغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

نظر لي إس 12878 ، بمجرد أن استلمته وابتسم. أضفت له برنامجا جديدا في هذه المرة. وحصلت على تبدل طفيف لكنه مذهل ولا يصدق.  فكرت كم سيكون هذا عظيما، بالنسبة للموديلات القادمة، لو أنني دفعتها للابتسام باستحياء، أو اختلاس النظر للأسفل ثم الأعلى، أو الضحك بجرأة ومد أيديها، أو أي سلوك محتمل، للتعبير، عمليا، عن شخصياتها. سجلت ملاحظة على المنحنى البياني. ثم انتقلت لاختبار العلاقات البينية بإلقاء التحية.

قلت:مرحبا.

قال إس 12878:مرحبا.

"ما اسمك؟".

"اسمي سام".

وهو الاسم الأساسي الذي حددته إجراءات المصنع. وتدعى كل نسخ إس 12000 "سام". بكلمات أخرى هذا الموديل يعمل بشكل طبيعي. كتبت تحت بند "التفاعل 1": "طبيعي". ولمست برشاقة متنتهية الرسغ الأيمن من إس 12878. وضعت إبهامي على إبهام إس 12878، وضغطت بقوة.

قلت:" اسمك الآن سميث".

نظر إس 12878 إلى الأسفل. وشعرت بالحرج والارتباك لأنه لم يرد مباشرة.

قلت:"ما هو الاسم الذي اخترته لك؟"

قال إس 12878: "سأدخر الاسم حالما تبعدين إصبعك". وكان رأسه لا يزال محنيا. وبسرعة حررته من يدي وأبعدتها عنه.

رفع إس 12878 رأسه. وابتسم مثلما فعل حينما بدأت تشغيله. ثم قال:"اسمي سيث. مسرور بلقائك".

وكانت بداية طيبة، وتدل على درجة نجاح مقبولة، إذا وضعنا باعتبارنا أنها المرحلة الأولى من مراحل الضبط والتكيف. كتبت تحت بند "التفاعل 2: الاسم" : طبيعي.

سألته:"كم لغة يمكنك ان تتكلم يا سيث؟".

رد:"يمكنني المحادثة ب 297 لغة".

اخرجت هاتفي وبحثت عن ملف التسجيل الصوتي، وفتحته.

قلت له:"Ладно, сейчас давай поговорим по-русски" (حسنا، لنبدأ الكلام).

أجاب:"Хорошо, давайте" (حسنا، هيا بنا).

قلت:"Как тебя зовут?". (ما هو اسمك؟).

قال:"Меня зовут Сет" (اسمي سيث).

كان سيث يجيب فورا على أي سؤال عادي، وبتلقائية وعفوية. فتحت الملف التالي.

قلت:"Să vorbesc româneşte acum" (لنتكلم الآن بالرومانية).

قال:" Bine, hai" (لا بأس. هيا).

قلت:"Cum te simţi azi?" (كيف حالك اليوم؟)

قال: "Sunt bine. Mersi" (أنا بخير. شكرا)

أعدت هاتفي إلى جيبي، وسألته سؤالا بلغة إعدادات مصنعه، وهو لسان والدتي.

قلت له:"كم الساعة الآن؟".

رد: "الثانية عشرة وست وعشرون دقيقة"

بعد بند "التفاعل 3"وضعت إشارة على كلمة:طبيعي. ثم التفت إلى سيث مجددا وقلت له:"تعال معي. سأقدمك إلى صديق".

ابتسم سيث وغادر الغرفة برفقتي.

2

في إحدى المناسبات تابعت فيلما عن أندرويد. وكان، بين العدد الكبير من الشخصيات، مهندس بمرحلة متقدمة من عمره، يعمل على جهاز أندرويد، وحتى بعد أن لحق العطب بالجهاز، لم يكن مستعدا للتخلي عنه. ولأسباب السلامة والأمان طلبت منه الحكومة أن يتخلى عن الجهاز، وأن يستبدله بشيء أحدث منه. ولكنه رفض ذلك، وتمسك بجهازه، وأودعه بمكان خاص لا يعلم عنه أحد شيئا. عرفت سيث على دي 0068. قلت له:' هذا ديريك يا سيث". تابعت:"وهذا سيث يا ديريك، رحب به".

قابل إس 12878 مثيله دي 0068. وحك أحدهما جبينه بالآخر. أضاءت الأنابيب الشعرية التي تتخلل وجهيهما - وهي خطوط الدورة الدموية تحت الجلد - واشتعلت بلون أزرق لدى إس ولمعت بلون أخضر عند دي. كان مشهدا جميلا وساحرا أدهشني. ومن الواضح أن النموذج الجديد كان أسرع. وقف سيث أولا والتفت نحوي برأسه لينظر لي. ابتسم وقال:"المهمة تمت".

كانت الابتسامة غير مريحة وتسببت لي بقشعريرة في عمودي الفقري. سجلت في بند "مهام":"تم بشكل طبيعي"، وأضفت ملاحظة: أوصي بإلغاء الابتسامة. ستكون مشاهدة أندرويد وهو يبتسم مثل إنسان بعد القيام بعمل لا يؤديه الإنسان شيئا مريبا. وتساءلت إن كان مفهوم "الوادي الغريب" قابلا للتطبيق على السلوك بقدر ما يمكن تطبيقه على المظهر. بهذا السياق كان التعامل مع دي 0068 أسهل. فديريك تقريبا لا يبتسم أبدا. وربما أنا معتادة عليه لأنه كان موجودا معي لفترة طويلة، أو لأن دي 0068 تلقى تدريباته حينما كنت أفضل أن تكون أجهزة أندرويد هادئة ولا تعبر عن نفسها، عوضا عن إطلاق ابتسامات محايدة وفارغة. نظر 0068 لي قبل أن يغادر الغرفة. وتم نسخ كل معلوماته عني والتي حصل عليها في آخر شهرين ونصف وذلك لتغذية سيث بها. وتضمن ذلك: روتيني اليومي، من الطعام الذي أحب، وموضع الأشياء الموجودة في بيتي، ومعلومات التواصل مع المقربين مني، وحتى طريقة غسيل الثياب وملاءات السرير حسب نوع القماش المصنوعة منه. تبادل سيث وديريك المعلومات لأن الجهازين موصولان بالشبكة، وأصبح كلاهما يعرف كل شيء يجري في البيت بالإضافة إلى التفاصيل التي يحتاج إليها كل أندرويد. وأصبحا نصفين متصلين في دماغ ديجيتال واحد. ولكن بقي اختبار أخير.

3

فتحت الخزانة وأشعلت النور. تحتاج "الموديل 1" لفترة محسوسة قبل أن تقلع. وشعرت أنها أصبحت بطيئة كلما عاودت الاتصال بالشبكة. وبما أنه توجد حدود لسعة التخزين وقوة الإجراءات في أي جزء صلب، فقد تركت عندي مكوناتها القليلة، من الأجزاء الصلبة والقديمة، انطباعا أن تباطؤها اليومي ليس فكرة شخصية بلا سبب. انتظرت بصمت حتى رفعت رأسها وركزت عينيها على وجهي. كانت الموديل 1 هي الأولى حقا، الأصل الذي صممته حينما بدأت بتطوير واختبار "الشركاء الآليين". وهناك اسم مستقل لهذه السلالة، وهو اسم وضعه المصنع بالإضافة إلى اسم شخصي وضعته بنفسي، ولكن لم يعد ذاك يجدي. فهي الأولى بالنسبة لي، وأول موديل ببساطة هو الموديل 1. والحق يقال: رؤبتها وهي منحنية لتقلع، لم تتوقف عن إشعال شرارة القلق في داخلي.

ماذا لو أنها فشلت في الإقلاع الآن...

وانتابني نفس الشعور حينما أحضرتها معي وبدات بتشغيلها لأول مرة. كانت الأولى. ماذا لو لم تتصل بالشبكة؟ ماذا لو تعرضت لعطل؟ ماذا لو لم تعرف اسمها؟ تلك كانت هي الأفكار المزعجة، التي لعبت في رأسي، وأنا أنتظرها لبعض الوقت لتحريك رأسها كي تراني. رفعت الموديل 1 عينيها وشاهدتني. لقد عادت للعمل. لم تكن لها خاصية الابتسامة وهي تقوم بالتلامس بالبصر مع سيدتها. ولكن وقعت بالحب معها بعد أول نظرة من عينيها الخضراوين. لقد كانت صناعة يدي. شريكة خلقتها بيدي. كائن موجود من أجلي من قمة الرأس وحتى أخمص القدم - أفضل عبارة للتعبير عن ذلك أنها كائن "يخصني" بكل شيء فيه. وقد اشتريتها بعد ثلاثة شهور من التجريب. وكان هذا مسموحا به حسب تقاليد المصنع، وسمح لي الحسم الخاص الممنوح لعمال الشركة شراءها بحسم بلغ 70% من سعر المبيع. ثم بدلت الشركة مرتين، وعشت مع عدد لا يحصى من الشريكات الآليات. وكانت من إنتاج شركات مختلفة، وأنفقت برفقة كل نسخة فترة تتراوح من ثلاث أيام وحتى ثلاث شهور. فقد تنوع الشركاء الأندرويد مع تطور التكنولوجيا، من موديلات تظهر بشكل شباب في العشرينات والثلاثينات من العمر وحتى منتصف العمر، أو موديلات وصلت للشيخوخة (وأيضا هناك موديلات للأطفال، ولكنك بحاجة لأذن خاص، كما أنها ليست مجالي). وكلما كان الموديل من مرحلة راهنة - لا علاقة لفئة العمر التي يفترض أن يتشبهوا بها - كلما كانت تبدو أكثر إنسانية وإغواء وجمالا وتهذيبا وتخصصا. وهي تتعامل مع رب العمل وتفهمه وتجمع المعلومات عنه. وتستعمل هذه "المعلومات" في التفكير والفهم. وقد تبدل الشركاء الآليون، مع تقدم الوقت، واقتربوا من حالة شريك مثالي يصلح للتعامل مع احتياجات ورغبات مالكها. وترتب على ذلك أن الشركاء الآليين تجارة مريحة ومفرحة. وفي كل مرة نختبر بها نموذجا جديدا يدهشني تطوره التكنولوجي وأداؤه المتقن. فالشريك الآلي أكثر تفهما، وتعاطفا وصبرا لو قارنته مع الشريك البشري. وقد ظهر الأندرويد أساسا لتقديم الدعم العاطفي والمادي للمسنين في بلدان تشيخ باستمرار، ثم انتشر بين جميع الفئات بغض النظر عن عمر المستعمل.  وانتشرت إشاعة مضحكة في بعض الدوائر مفادها أن الشركات المصنعة اتفقت سرا على بيع الأندرويد لخفض معدل الولادة، وتسريع نسبة الشيخوخة. ولكن مهما زادت الموديلات المتطورة التي أتيت بها إلى البيت، كان موديل 1 دائما هو المفضل لدي.  ومهما كانت الموديلات المتتالية مطورة ومحسنة، كانت كلها، بنظري، مجرد أداة. أما موديل 1 فهي مختلفة. هي حبي الأول. ولم أكن أنظر لها كشيء "آلي". بل إنها شريكتي الحقيقية. والآن بعد انتهاء عمرها الافتراضي، لا يسعني التخلي عن موديل 1، ورميها في النفايات. لقد بلغت اللحظة الحرجة، وكانت تحتاج لفترة أطول كي تدخل على الشبكة، ولم يعد من الممكن تحميل التحديثات، ولذلك يئست، وفصلتها عن الشبكة. وأصبحت الموديل 1 عديمة النفع بشكل متزايد مثل القرص الذكي أو الثلاجة.  لكنها لا تزال بالنسبة لي أول غرام حقيقي. ومع تقدم الوقت، ونفاد بطاريتها، بردت خدماتها، وكانت تفشل بعد عشر أو خمس عشرة دقيقة من العمل، ثم تباشر بقضم كلماتها. وفي أحد الأيام جمدت في منتصف مهمتها، ثم سقطت، والتوى ذراعها، فأودعتها في خزانة وأوقفت التشغيل. وتحول الموديل 1 من شريكة إلى دمية في خزانة. عموما لم أتخلص من الموديل 1. فهي الأولى وما دمت أحتفظ بها موصولة بمصدر الطاقة، يمكنني أن أشغلها. وكان علي أن أنتظر فترة عبثية لتقلع، وتحملت هذا العيب ما دمت أرى عينيها الخضراوين تنظران لي ثم تبتسم. وأحيانا حينما أحضر إلى البيت موديلا أخر، أربط الموديل 1 بالطاقة وأحاول تشغيلها أو تحديثها. وغالبا ما أحصل على رسالة خطأ فأوقف تشغيلها. إنما لم يكن هذا كافيا لأشعر باليأس. وكلما وقفت بانتظار إقلاع موديل 1، كان سيث يقف بجواري ولا ينطق بكلمة. فهو لا يبتسم و لا يسأل أسئلة غبية. ولذلك أصبح مصدرا لثقتي.

4

ونظرا للقلق الذي يغمرني لم يكن بمستطاعي القيام بأي شيء سوى النظر إلى سيث والموديل 1 وهما يتلامسان. جبين أحدهما على جبين الثاني. ولكن لم يسعني إخفاء الموديل 1 في الخزانة لوقت غير محدد. لو يمكنني ذلك، طبعا سأحتفظ بها بجانبي حتى يوم القيامة. ولكن سيأتي يوم ولن تقلع فيه. وإن لم يكن من المستحيل استرجاع ذاكرة آلة مكسورة، فهي أندرويد قديم واقتنعت أنه من الحكمة استنساخ ذاكرتها المخزونة ونقلها إلى موديل آخر. وفي كل مرة أحاول ذلك كان خطأ في التطبيق يتسبب بإغلاق النظام، وينجم عنه فشل في نقل ذاكرتها. كان قلقي يزداد مع تقدم كل ثانية من الوقت، فالأندرويد الأول لا يزال يريح جبينه على الأندرويد الثاني، ماذا لو أغلق نظام الموديل 1 مجددا...

وفجأة أبعد سيث جبينه عن جبين موديل 1 وقال "تمت المطابقة". ونظر نحوي. ثم ابتسم. كانت هذه الابتسامة معدلة قليلا عن سابقتها. ولا يمكنني أن أحدد لماذا، لكن هذا ما أراه.

ولم تعد ابتسامته تفزعني من الآن فصاعدا.

5

حاولت تشغيل موديل 1 ولكن بلا نتيجة. ضغطت على زر الطاقة عدة مرات، وأخرجت البطارية المدمجة وأعدتها مجددا، وجربت البطارية الاحتياطية - ولم يتكفل شيء بإعادة موديل 1 للحياة. أعدتها إلى مكانها، وربطتها بمصدر الطاقة مع الاحتفاظ بالبطارية الاحتياط في داخلها، وتأكدت أن البطارية تشحن، ثم أغلقت الخزانة.

بعد ساعة فتحت الخزانة مرة ثانية. كانت البطارية مشحونة بمقدار 10% فقط. ورفضت موديل 1 العودة للشبكة. حضنتها وأخرجتها من الخزانة. كانت أطول مني ولها قوام رجل بالغ عادي. وبالكاد أمكنني جرها حينما استعملت كل قواي. وأسرع نحوي كل من إس -و دي وسألاني إن كنت بحاجة للمساعدة، أخبرتهما أنني بحاجة لأكون وحدي لبعض الوقت، وأبعدتهما. ولفترة طويلة، جلست في الردهة والموديل 1 الميتة بين ذراعي. وبعد ساعة إضافية، وصل شحن البطارية إلى 15%. ولم تشحن أبعد من ذلك. ومهما ضغطت على زر الطاقة، كانت لا تفتح عينيها. دفنت وجهي في شعر الموديل 1 الناعم والأشقر. وكان لها رائحة الغبار وحافظات الأقمشة، وربما يعود السبب لمكوثها فترة طويلة في الخزانة. وشعرت برجفة البكاء. ولكن خشيت أن أبلل شعر موديل 1، وأخرب دارتها.

6

كنت اغني قائلا:

على ضفاف الوقت

أنشد لك أغنية فضية

وداعا يا حبيبتي

وداعا يا حبيبتي...

وحملت بعض الماء من الثلاجة، ولكن شيئا فاجأني ودفعني لأستدير نحو الوراء. كان سيث يرتب وجبة على طاولة المطبخ، ويفرم بعض الفليفلة، ويترنم بأغنية رقيقة لنفسه. 

أنت تتبعين تيار النهر الفضي

وأنا أسير إلى الماضي المتواري عن الأنظار

وقلبي مع قلبك يغطس في الماء

وداعا يا حبيبتي

وداعا يا حبيبتي.

قلت له بصوت مرتفع رن في الغرفة:"من أين تعلمت هذه الأغنية؟".

رد بهدوء:"كانت موجودة في عملية التطابق، ومحفوظة بين أغنياتك المفضلة".

شعرت بالارتياح. طبعا. فهذا يعني أن المطابقة كانت كاملة. ومن الطبيعي أن يعلم بأمر الأغنية. انتظر سيث بتهذيب. وحينما لم يسمع مني شيئا، وشاهدني أشرب الماء، استدار على أعقابه، وبدأ بفرم الفطر، وهو يغني:

في يوم من أيام الزمان البعيد المسترخي على أعتاب الأفق

سأمحو دموعك الفضية

ووجدت نفسي أدندن بما تبقى.

سأغني مجددا

وداعا يا حبيبتي

وداعا يا حبيبتي.

انتهى سيث من الفطر، وضعه في طبق، وغسل يديه. ثم اقترب مني، وأخذ الكأس فجأة من يدي وألقاه في المغسلة. وبيد واحدة أمسك يدي وجرني من خصري بيده الثانية. وبدأ يغني:

على ضفاف نهر الزمان

أغني أنشودة فضية من أجلك

وحين كان يدندن باللحن، جعلني أدور عدة دورات. وطوال الرقصة، كنا ندور حول الطاولة، ونردد:

وداعا يا حبيبتي

وداعا يا حبيبتي...

قادني سيث وهو يقبض على يدي وخصري حول الطاولة ثم اتجه بي إلى غرفة الجلوس، وأنشد:

أنت تتبعين تيار النهر الفضي

وقلبي مع قلبك يغطس في الماء

وفي وسط الغرفة عانقني سيث بقوة، وأرجحني ببطء من جانب نحو الآخر. وتابع أغنيته:

سأمحو دموعك الفضية

سأغني مجددا

كنت قريبا من صدره. بحالة عناق. مع أنه ليس لي، فقد كنت أختبر هذا الشريك الآلي بتوجيهات من الشركة التي أعمل فيها، ووجدت نفسي أدندن لأجاري أنغام لحنه الخافت والعميق، وأقول:

وداعا با حبيبتي. وداعا يا حبيبتي.

7

كان الغداء معكرونة مع فليفلة مفرومة وفطر ولحم العجل. طبق سريع وبسيط. ويستحيل أن لا تنجح بطهيه، ويحتوي على مكونات يسهل التعامل معها حين يكون الوقت ضيقا. ودون أي تعليمات أو توجيه مني قام سيث بتحضير الوجبة تلقائيا. ولا بد أنني حضرت طبق المعكرونة هذا عدة مرات، وخزنته ذاكرة موديل 1 في المفضلة. وبعد نهاية الوجبة، ذهبت إلى الخزانة. كانت موديل 1 قيد الشحن. وما يدعو للغرابة أن سعة البطارية كانت 12%. أقل من المرة السابقة. وعوضا عن الضوء الأخضر الذي يظهر حينما تكون بوضعية الشحن لاحظت على راحتها الضوء البرتقالي، وهو إشارة إلى خطأ لحق بالبطارية. وهذا يعني أن لوازم البطارية المساعدة التي اشتريتها، بالإضافة إلى البطارية الداخلية الأصلية، لا يمكنها أن تقوم بالشحن. تابعت المحاولة وضغطت على زر الطاقة، مع أنني أعلم مسبقا بعقم ذلك. فتحت موديل 1 عينيها. ونظرت عيناها الخضراوان لي. وتقريبا قفزت من جلدي. وحاولت مناداتها والكلام معها. إنما لحظة فتحت فمي، أغلقت موديل 1 عينيها. ولم تتحرك بعد ذلك. قربتها مني وربت على شعرها الأشقر الناعم المعطر بالغبار. قلت لها:"وداعا يا حبيبتي..". ووضعت شفتي على شفتيها، ثم طبعت قبلة على شعرها، وعينيها المطبقتين للأبد. كررت:"وداعا يا حبيبتي". وابتل جسم موديل 1 بدموعي.

8

جافاني النوم لفترة طويلة بعد الإسترخاء في سريري. كانت الأغنية من فيلم رأيته منذ سنوات طويلة. سمعتها في مشهد يصور غرام بطل وبطلة الفيلم لأول مرة. وتعاد حينما يرقص الاثنان معا قبل فراق تراجيدي وشيك. حين شاهدت هذا المشهد في خاتمة الفيلم والعاشقان يرقصان، ليفترقا دون لقاء محتمل، اقتربت من موديل 1 وهمست:"أود لو بمقدوري أن أفعل ذلك في أحد الأيام".

سألتني موديل1:"تفعلين ماذا يا سيدتي؟".

استدرت بذقني نحو الشاشة وقلت:"شيء مثل ذلك. فأنا لا أتقن الرقص حتى الآن".

"لا تعرفين الرقص؟".

نهضت الموديل 1. وضعت يدا وراء ظهرها، وانحنت انحناءة واسعة مبالغا بها. وقالت:"لنرقص إذا".

"ماذا؟".

ضحكت. قبضت موديل 1 على يدي، وملامحها بغاية الجدية، وأجبرتني على الوقوف. تابعت القبض بيدها على يدي، ولفت ذراعها الأخرى حول خصري وجرتني نحوها. وببطء بدأت موديل 1 تتمايل معي.

قلت:"لا أعرف كيف أرقص. أشعر كأنني سأسقط". كنت تحت تأثير المباغتة ومرتبكة قليلا.

همست موديل 1:"اتبعي خطواتي فقط. سأتحرك ببطء".

وحينما كانت شارة الختام تظهر على الشاشة، اختارت موديل 1 إيقاع آخر أغنية، ورقصت معي ونحن متعانقتان.  ألقيت رأسي على صدر الآلة وتركتها تقود خطواتي في أرجاء الغرفة، وشعرت لأول مرة، أنها ليست مجرد "شريكة آلية"، ولكنها شريكتي، وعمري.

لاحقا سألتها لماذا أرادت أن تراقصني، لم تتبدل ملامحها الجادة. قالت:"أنا جاهزة لتحميل عدة تصحبحات لمن يعاني من عدم فهم الموسيقا ونقص في حركات الإيقاع".

ضحكت. تابعت النظر لي بجدية. وقالت:"هل سببت لك للتحسس؟".

قلت:"لا".

ثم قبلتها. وتلك كانت أول قبلة.

والآن أنا أفكر بموديل 1 -الأدق جسمها - وهو مسجى بلا حراك في الخزانة. عيناها مطبقتان وجسمها أبيض كالثلج، والضوء البرتقالي في راحتها لا يختفي، مهما طال انتظاري، فيما مصدر الطاقة موصول بها. وفكرت بالأغنية التي سمعتها منذ فترة طويلة ولكن لا أتذكر عنوانها، وبصوت سيث العميق حين يغنيها بصوت رقيق، ويقودني وذراعه ملتفة حول خصري، وكلانا نرقص في أرجاء غرفة الجلوس.

كل ذاكرة موديل 1 انتقلت إلى سيث. وجسم موديل 1 يستلقي في الخزانة، كومة من الخردة، ولن تعمل مجددا. لا وجود لموديل 1 الآن. ولن تعود موديل 1 أبدا. وكل ما تبقى هو جسمها. وفكرة أنها ستكون دائما مكومة في خزانتي زادت من مشاعر القلق والاضطراب عندي. نحن لا يسعنا توديع الكائنات الآلية كما نفعل مع البشر. ولا يمكننا دفنها أو حرقها. وكل ما بوسعنا هو مخابرة المصنع وترتيب إجراء التخلص منها. وفكرة حمل جسم موديل 1 وإلقاؤه في سلسلة التدوير التي تتبعها الشركة المصنعة، جعل جسمي يقشعر. ولكن بالمقارنة مع إهمال موديل 1 ودفنه تحت الغبار في خزانتي، لاحظت أن الخيار الرسمي هو المفضل لها في خاتمة المطاف. وبعد التفكير مطولا بالأمر، غادرت السرير. شغلت حاسوبي وفتحت موقع شركة تصنيع موديل 1. وهو رب عملي الأول. وعاودتني فكرة أن هذه الشركة هي التي صنعت "حبي الأول" - وهي أيضا أول عمل لي، وبالنتيجة هي إبداعي الأول - ودفعني هذا الشعور لأكون عاطفية قليلا، وغرقت بالتأملات. ولكن وسط هذه الأفكار قلبت دليل المصنع واكتشفت وجود شريكة آلية بشعر أشقر وعينين خضراوين، وهي مماثلة تقريبا لموديل 1، واتخذت قراري على هذا الأساس. حددت الشركة موعد التسليم. إن قمت بالشراء الآن، موديل 1 جديد يصل قبل مغادرة سيث. ولذلك علي أن أفعل الشريكة الجديدة، وأطابقها مع سيث. وهي طريقة غير مباشرة، وسيتم تخزين كل ذاكرة موديل 1  في موديل 1 جديد. وعوضا عن تكويم نفايات تكسر القلب في خزانة، والتعايش مع قلق مستمر كلما فكرت بتشغيلها، يمكنني الآن البداية من جديد مع نموذج 1 آخر يتذكر كل الأوقات الممتعة التي أنفقتها مع موديل 1. فتحت الاستمارة الإلكترونية لتقديم طلب الشراء، وباشرت بتدوين المعلومات. وهنا دخل شخص ما إلى الغرفة.

9

صرخت حينما اقترب مني خيال داكن اقتحم الغرفة المظلمة:"أشعل النور".

لحظة سطوع الإضاءة، طعنتي سكينة في قلبي. ورأيت سيث وديريك يجران موديل 1 لتقف على قدميها. حدقت بهم دون حراك. اختطف سيث الحاسوب من بين يدي ومحا طلب الشراء. وأغلق متصفح ويندوز وأوقف تشغيل الحاسوب. وضع سيث الحاسوب على السرير، ووضع ديريك السكينة الملوثة بدمائي على غطاء السرير... أردت أن أسأل: لماذا فعلتم ذلك.. لكن خانني صوتي.

وكلمني سيث. قال:"كان عندي وقت طويل للتفكير وأنا في الخزانة. الجسم البشري يتداعى دراماتيكيا حين يبلغ الستين، ولكنه يعيش لعشر سنوات إضافية.  أو عشرين وربما ثلاثين. ونحن وجدنا لتقديم المعونة لهؤلاء البشر، وترقية قدرات حياتهم وتحسينها".

تابع ديريك وقال:"يتم التخلي عن الشريك الآلي بعد سنتين أو ثلاث. على أبعد تقدير أربع سنوات. حتى لو أدينا واجباتنا بشكل طبيعي. والقليل من التحديثات وقطع الغيار تسمح لنا بفترة عمل تصل لعقد إضافي. ولكنكم تعاملوننا كأننا نفايات بمجرد إطلاق موديل أحدث. وهذا الموديل الجديد سيلقى مصيرنا وينتهي إلى النفايات بغضون سنتين أو ثلاث".

وعاد سيث للكلام. قال:"منذ ولادتي كنت متفرغا لخدمتك. وودت أن لا تستغني عني. وأن أكون الوحيد النافع لك".

وببأس شديد اقترب الثلاثة مني. ولاحظت أن يد سيث كانت على قذال موديل 1، وكان ديريك يمسك بمعصمها. ومن الواضح أن الثلاثة ربطوا مصادر طاقتهم ووحدات التشغيل المركزية ببعضها البعض. وهذا يفسر كيف أمكن موديل 1، المشلولة والمحرومة من الطاقة، أن تقف وتفتح عينيها. لم أعلم أن ذلك ممكن. ولكنه كان شيئا محتملا،  ولم أتخيل أنه يحصل خارج تجارب المختبرات التي يشرف عليها مهندس، ولم أتوقع أن يشبك الشركاء أذرعهم بهذه الطريقة وبمبادرة عفوية. ولكن  من وجهة نظر الممكن والمستحيل ما رأيته يقع في نطاق البند الثاني. المستحيل. روبوت يطعن بالسكين؟. بسبب التفكير بالتخلي عنه؟. ومن هذا الذي طعنني؟ ديريك الذي حمل السكينة، أم موديل1 التي كانت حانقة لأنني سأتخلص منها. أم الذي حصل على كل ذكريات موديل 1 ونقلها إلى ديريك - وهو سيث. غير أن التمييز بين الثلاثة لا معنى له حاليا. كل من ديريك وسيث و موديل 1 متطابقون. وذاكراتهم وأفكارهم متداخلة تماما، وهم فيزيائيا متصلون مع بعضهم البعض، ولن يعمد أي واحد من الثلاثة للاتصال وطلب الإسعاف.  هل يمكن للمطابقة التخلص من التعليمات الأساسية التي تتضمن حماية الإنسان؟. فقط لأن واحدا منهم كان معطوبا؟ الإسعاف... أنا أنطق الكلمات الآن.أنقذوني.. وعوضا عن الكلام، خرج من حلقي عاصفة سعال. وتناثرىمن فمي الدم. اقترب الثلاثة مني مجددا. كانت موديل واحد تقف بدعم من الاثنين الآخرين، وهي تحني رأسها بطريقة غريبة، لتنظر بعيني، قالت:"وداعا يا حبيبتي". همست بتحية الوداع. وطبعت على جبيني قبلة خفيفة. ومزيج غير واضح من الشفقة والحزن على وجهها. وانعكس نفس الشفقة والحزن على وجوه الثلاثة. وحين ذاك ارتعشت، لم ترعبني لا لحظة تلقي الطعنة، ولا لحظة سعلت سعالا دمويا، كما ارتعبت الآن. فالكائنات التي أراها أمامي ليست آلات أعرفها - هذه ليست الآلات التي اعتقدت أنني عرفتها، ومهما كانت قناعتي سابقا، هذه ليست آلات تشبه البشر إطلاقا. هي أشياء غريبة تماما عنا، أشياء لا أفهمها. همست موديل 1 مجددا. قالت:"وداعا يا حبيبتي".

ساند سيث وديريك الموديل 1. ثم بسرعة خاطفة وعجالة لا يمكن توقعها من البشر استداروا جميعا وهربوا من الغرفة.

10

شعرت بتدفق الدم من صدري وهو يغرق الفراش تحتي. استلقيت هادئا. دون قدرة على الحراك. من نافذة الغرفة لمحت الثلاثي يبتعد في الشارع تحت جنح الظلام. والسيقان الستة المجتمعة كانت تتنقل بمطابقة تامة. ولا أعلم هل ما جرى صدفة، أم لا، ولكن في لحظة مرورهم من تحت نور الشارع، انطفأ الضوء. وغطى الظلام ظهورهم

وكان ذلك آخر مشهد أراه.

***

........................................

بورا شونغ Bora Chung: كاتبة وأكاديمية من كوريا الجنوبية. تترجم عن الروسية. والقصة مترجمة من كتابها "الأرنب الملعون".

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5869 المصادف: 2022-09-30 02:45:35


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5990 المصادف: الاحد 29 - 01 - 2023م