ترجمات أدبية

بورا شونغ: بيتي يا بيتي العزيز

بقلم: بورا شونغ

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

"بالتأكيد تقتضي النبالة وأخلاق الفرسان في هذه الحالة أن تعوضاني بثلاثين مليون وان، إذا كنتما تفهمان ما أعنيه، يا عزيزي". قالت صاحبة مطعم حساء نقانق الدم إلى الشابة وزوج الشابة بارتباك لا مبرر له ولكن بلغة مهذبة وودية.  قال زوج صاحبة المطعم: "لا يبدو أنكما أيها الشابان تعرفان العالم جيدًا. ولكن إذا لم تتمكنا من القيام بهذا العمل البسيط، سنتورط جميعا في حياة بائسة". ونظر نحوهما نظرة لها معنى وهو يقول ذلك.

أومأ الرجل ذو الرداء الأسود، الذي كان يقف بجانب صاحبة المطعم وزوجها. ثم ابتسم بصمت. قال زوج الشابة للثلاثة: "معذرة، لكن دفع "التعويضات" أمر معروف بين المستأجرين، أليس كذلك؟ لا علاقة له بالمالك من الناحية القانونية الرسمية. وثلاثون مليون وان ليست مبلغًا صغيرًا. هل ستتخلى عنه بإرادتك؟". كانت الشابة تصغي بأذن واحدة إلى صوت زوجها المرتعش وهو يستخدم العبارات الرسمية المناسبة والكلام المنمق أثناء محاولته حل مشكلة المبتزين و"ممثلهم" (أو بالحقيقة المستأجر السفاح).  ولاحظت أنهم يرتدون ملابس سوداء. ولكن ما شغل بالها أكثر هو ابنتها.  كانت الطفلة في زاوية المتجر، تلهو بأصابعها على الحائط، ثم تتلاعب بإناء الزهور المزيفة الموجود بجوار الباب، لكنها لم تغامر بالخروج. وعندما التقت عيونهما، ابتسمت الطفلة. وردت الشابة الابتسامة.

في السنة السابعة من زواجها، تمكنت المرأة من سداد جميع قروضها. وساعد أهلها قليلاً (أو كثيرًا بالفعل) ، لكنها في النهاية دفعت المال. وعندما سمعت أن أفضل طريقة لتربية الأطفال في مكان واحد هي أن تبدأ من بيت واسع، وقد استوعبت هذه النصيحة، اشترت الشقة الأولى، وكان عليها أن تتكيف بسرعة مع الشعور المرير بزيارة المصارف ودفع كل قرش كسبته تقريبًا لمدة سبع سنوات طويلة. غير أنه تم إنفاق المال على شيء ضروري في النهاية. بعد تلك السنوات السبعة، أصبحت الشقة أخيرا ملكًا لها ولزوجها، وقررت بيعها والانتقال إلى حي أرخص وأكثر هدوءًا. وهكذا، في السنة الثامنة من زواجهما، اشترت مبنى متعدد الاستخدامات في جزء رخيص من المدينة. لم تكن مسرورة بذلك تمامًا. استعمال كلمة "مسرورة" تعتبر مبالغة. كانت الأوقات التي اشتركت فيها هي وزوجها برحلات استطلاعية بين أجزاء مختلفة من المدينة ممتعة. ثم استقروا في حي هادئ، وليس مكلفًا أبدا، وكان معظم الناس الذين يعيشون هناك يتحلون بطيب المعشر الذي لازمهم خلال حياتهم هناك لعقود. ونظرًا لأن معظم السكان من كبار السن إلى حد ما، بدا أن وكيل العقارات (الذي لا تزال لافتته تحمل المصطلح القديم bokdeokbang  أو "صياد الفرص") محتارا إلى حد ما. فقد أدهشه أن يسكن هنا مثل هذين الاثنين الشابين ويشتريان كامل المبنى بنقود سائلة.

لكن المرأة كانت سعيدة في خاتمة المطاف. كم كان من المثير شراء مكان خاص بها بأموالها الخاصة لأول مرة! ناهيك عن رغبتها في مغادرة شقتها بأسرع وقت ممكن. هناك، من موقف السيارات إلى المصاعد، وفي كل مرة تقابل فيها أحد الجيران، يدور حديث مضجر عن أسعار الأراضي وأسعار المنازل وشكاوى جمعية الزوجات ونصائح لحضور اجتماعات الجمعية المذكورة وتوصيات تشبه التحرش. كانت تعلم أنها لم تكن "ذكية". لكن أين تعلم هؤلاء الناس مثل هذه الأساليب ليكونوا أذكياء. أما هي لا تعرف ولا تريد أن تعرف. قد تعيش حياة ناجحة إن كسبت أكبر قدر ممكن من المال في أسرع وقت ممكن، واشتريت منزلا أوسع وسيارة أغلى، وأرسلت أطفالك إلى روضات الأطفال المكلفة حيث التعليم باللغة الإنجليزية أو إلى المدارس الخاصة المتنافسة، أو شاركت في إجازات عائلية باهظة التكاليف في الخارج في كل موسم. لكن ليست هذه هي الحياة التي أرادتها. أرادت حياة هادئة وسلمية، وسعت نحو مجتمع متواضع ودافئ حيث يمكنها أن تعيش أيامها في وئام مع جيرانها. وظنت أنها وجدت أخيرًا مثل هذا المكان. إلا أنه لم يعجبها المبنى منذ البداية. فهو بناء قديم في حي قديم، وحاولت جهدها أن تقتنع. وكان سعر الشقة مناسبا، وإذا أرادت شراء مبنى كامل، صغير كهذا، ليس لديها خيار سوى القبول بمبنى متهالك، بغض النظر عن الموقع غير المريح. كان المبنى أرخص بكثير من معظم الأماكن الأخرى، وكان يقع عند مدخل زقاق يقود إلى طريق رئيسي، ولم يكن بعيدًا جدًا عن مترو الأنفاق أو محطات الحافلات - لذلك ربما لم يكن هذا الموقع غير مريح. وبعد التشاور مع زوجها لفترة وجيزة، ومع لحظة من التردد، اتخذت قرارها بالشراء. ثم بدأت المشاكل الحقيقية بعد أن اشترت المرأة وزوجها المبنى. كان مكونًا من أربعة طوابق فوق الأرض وطابق سفلي أكبر من المتوقع. كان هناك مقهى في الطابق الأول ومكتب صغير مستأجر في الطابق الثاني. ولكن فقد الطابق الثالث للتو مستأجره وكان فارغًا، وكان الطابق الرابع هو المكان الذي يعيش فيه المالك وفقًا لقول "صياد الفرص". وقال إنه من غير المناسب الدخول إلى شقة فيها شخص يتنفس، وعرض عليهما الطابق الثالث الفارغ بدلاً من الرابع. وتببن لاحقا أن عدم طرح أسئلة أو طلب إجابات وإلقاء نظرة على ما تم عرضه قبل التوقيع على أسفل العقد في المكان المجهز للتوقيع هو خطأ فادح، ويمكن حتى للمبتدئين مثلهما تجنبه.

بعد مغادرة المالك السابق، دخلا أخيرًا إلى الطابق الرابع ولاحظا وجود أكوام قمامة فوق أكوام قمامة. ولكن أيضًا شاهدا أكوامًا من فضلات الفئران، وبعض قطع الأثاث الهزيلة المتعفنة. كل شيء في المكان أشار للإهمال المزمن. ولم تصدق المرأة أن هذا مكان "عاش فيه بشر" حتى وقت قريب. في المرة الثانية بدأت بالتقاط القمامة. ولكن أتت الصراصير ومرت بين أقدامها. كان الطوفان أكثر مما تستطيع أن تطأه بقدمها، وحين حاولت طردها خرج سرب من الفئران التي تنبهت من نومها في الغرفة. صرخت المرأة وتراجعت.  ولم يتم حل المشكلة عن طريق التبخير بالمبيدات. فقد حضر عمال المكافحة أربع مرات لمكافحة حشد من الصراصير والجرذان. ثم عمليا كسرت ظهرها بالتنظيف المجهد. ثم سئمت، واتصلت بمالك المبنى السابق.

لم يرد المالك. اتصلت مرة أخرى، ولكن بعد بضع رنات، انقطع الخط من تلقاء نفسه. اتصلت عدة مرات بدافع المشاكسة، وحينما اوشكت أن تستسلم، أتى صوت امرأة من الطرف الآخر من الخط. قال: "نعم؟". فرحت المرأة بالنتيجة أخيرًا، وذكرت اسمها، وحاولت تلخيص الموقف، ولكن في اللحظة التي ذكرت فيها كلمة "مبنى"، صرخت المرأة العجوز في الطرف الآخر فجأة بألفاظ نابية وبصوت مرتفع لدرجة أن المرأة الشابة اعتقدت أن طبلة أذنها سيصيبها الصمم.  وأغلق الهاتف فجأة قبل أن تتاح للشابة فرصة التحدث مرة أخرى.

كان ذلك كافياً لإخماد أي رغبة في الاتصال مجددا. وبدلا من ذلك كلمت المرأة صياد الفرص. يا له من يوم غريب. أجرت المرأة فيه سلسلة مكالمات. بعد رنات كثيرة قالت لها امرأة مسنة ردت على الخط إن صياد الفرص غير موجود ويعرض منزلاً على أحد المشترين. اعتقدت المرأة أن المتكلمة هي زوجة صياد الفرص. وكان قد التقيا مرة واحدة فقط من قبل. قالت زوجة صياد الفرص عندما سمعت قصة المرأة: "لا تكوني هكذا، أنت أصغر سنا، يجب أن تكوني صبورة. تلك المرأة العجوز نفسها تستحق الرثاء. فقد توفي زوجها مبكرًا، وذهب ابنها الوحيد خلال تقديم يد العون لوالدته وأصاب رأسه في حادث دراجة نارية ... كان صغيرا جدًا، يا لها من خسارة، حتى أنه لم يكن متزوجًا، يا للمسكين...".

تنهدت زوجة صياد الفرص وتابعت: “بعد أن حدث ذلك، أصبحت المرأة العجوز غريبة بعض الشيء ... أغلقت المطعم الذي تديره طوال حياتها تقريبًا وغادرته مع ابنها. وحلت في بعض الأديرة المسيحية. كان المبنى هو كل ما تملكه في ذلك الوقت لكنها تخلصت منه حتى لقاء أجر زهيد ... ".

فاجأ ذلك المرأة. سألت: "ذهبت إلى معتكف؟ يعني ... لم تكن تسكن في شقة الطابق الرابع؟ "

"لم أرها منذ وقت طويل. يبدو أنها تعود من حين لآخر لجمع الملابس وما شابه - "

سألت: “كم من الوقت مضى منذ أن غادرت؟ ".

قالت زوجة صياد الفرص بهدوء: "لا أعرف. ثلاث أو أربع سنوات؟".

بعد أن أنهت المكالمة، وجدت المرأة صعوبة في تهدئة مشاعرها. الآن فهمت لماذا كان المبنى أرخص بكثير من المباني الأخرى في هذا الحي. وربما إلى حد ما السبب الذي يجعل جيرانها يرمقونها هي وزوجها شزرا.

وتوقعت أن كبار السن كانوا ببساطة مستائين من أن شبابا اشتروا مبنى بأكمله وسيعيشون فيه. الآن لم يكن هناك شيء يمكن أن تكسبه من متابعة هذا الأمر مع المالك السابق. بعد حوالي عشر نوبات من المبيد في الشهر الأول وحده، أصبحت مشكلة الجرذان والصراصير تحت السيطرة أخيرًا. ولكن وقعت حادثة اجتاحت فيها الفئران المكان وخرجت من مكمنها،  واعتدت على المقهى الموجود في الطابق الأول. وأزعج هذا صاحب المقهى الذي أعلن أنه سيغادره. كانت المرأة قلقة من عدم وجود مستأجرين. وهذا قد يحول المبنى إلى مكان مهجور. لكن ظهر المستأجر الجديد بسرعة فائقة. وجعله مطعما ليخنة نقانق الدم. كان متجر اليخنة مصدرا لرائحة كريهة تفوق الروائح التي تنبعث من المقهى، لكن المرأة شعرت بالارتياح. أخيرًا تمكنت هي وزوجها من استعادة الصناديق المودعة في منزل والدتها والانتقال إلى الطابق الرابع من هذا المبنى الخاص بهما. وأحبت الطفلة القبو. اعتقدت المرأة أن هذا بسبب وجود العديد من الأشياء التي يمكن تأملها واللعب بها. قيل لها إنها كل الأشياء التي تركها المستأجر السابق في الطابق الثالث. ومهما كان عمل هذا الشخص الغامض امتلأ الطابق السفلي بالملابس والأحذية والإكسسوارات التي قد يراها المرء في مسرحية. عندما أشعلت الضوء ودخلت إلى المكان لأول مرة، جعلها مشهد الطفلة وهي تقفز بين صفوف العارضات والمغطاة بعباءات غريبة تقفز هي أيضا من المفاجأة. ولكن بما أن رجال المكافحة أكدوا لها أنه لا توجد جرذان أو صراصير مختبئة في الطابق السفلي. وأنها استبدلت المصابيح، لم يعد الطابق السفلي مخيفًا للغاية. واستمتعت بالفعل وهي تتنقل بين صفوف العارضات وملابسها وأحذيتها الفخمة والعجيبة وبين الإكسسوارات الغامضة التي نادراً ما يراها سكان المدن الحديثة، وهي تحت أضواء الفلورسنت.

قال رجل المكافحة بعد التنقيب:"غريب عادةً ما تصعد الفئران من الطابق السفلي إلى الطوابق العليا. لكن هذا المبنى مقلوب رأسًا على عقب ". حرك رأسه وقال:"معظم الفئران والحشرات في الطابق العلوي والطابق السفلي نظيف مثل بوق. لم أر قط قبوًا مكتظًا بالعديد من الأشياء ومع ذلك لا يوجد هنا بعوضة واحدة".

كانت كلمات رجل المكافحة مطمئنة. سمحت للطفلة بسحبها إلى الطابق السفلي حيث ستكتشف زيًا أو إكسسوارا آخر جديدا ورائعا  - وكانت المرأة متأكدة من أنها قد فحصت كل شيء في الطابق السفلي بحلول ذلك الوقت - ولذلك أبدت إعجابها بكلمات مناسبة وشاركت الطفلة المتعة.

كلما كان الحي أقدم تكون السيطرة على أرضك أصعب. عاشت المرأة سياسة "التأقلم" لأول مرة. كان شخص ما في الليل يترك آثار خدوش على سيارتها القديمة، والتي انتقلت إليها من يد شقيق زوجها الأكبر. في البداية كانت هناك علامتان على باب السائق. في الليلة التالية تم خدش باب السائق بالكامل. وظهر خدش طويل التف حول السيارة في صباح اليوم التالي، وفي الليلة الرابعة تم تحطيم المرآتين الجانبيتين. بعد أسبوع قام شخص ما بثقب الإطارين الخلفيين. وتمكنت هي وزوجها من تخمين الجاني ودوافعه. بعد الانتقال، أوقفا سيارتهما في الشارع أمام المبنى وهو حق مشروع لهما. لكن أصر رجل على أن المكان من حقه ووجه لهما تهديدا خطيرا. كان شابًا في أوائل الثلاثينات من عمره يعيش في منزل قديم في نهاية الزقاق. وهو من الجيل الثالث الذي عاش هناك، وتفاخر بأن عائلته كانت تملك الحي بأكمله في يوم من الأيام، وبالتالي، ساحة وقوف السيارات في الشارع عند مدخل الزقاق هي ملك له بالفعل - وقد تم الإعراب عن "هذه الحقيقة" بغطرسة وبصوت آمر. وسواء كانت الأرض لعائلة الرجل أم لا فإن الوضع مختلف تمامًا الآن. فالأولوية أمام المبنى لسكانه بموجب القانون، وهي مساحة دفعت المرأة وزوجها مقابلها الرسوم. وبموجب ذلك أصبح موقف السيارات ملكا خاصا لهما بهما. بالطبع، لم يكن لمثل هذه التبريرات المعقولة أي تأثير على الرجل الذي يعيش في الزقاق.

صاح وهو يرفع أصبعه: “إذا انتقلت إلى حي شخص آخر عليك اتباع قواعده!. ولا يمكنكما المجيء إلى هنا وإفساد نظام حينا!".لم تستطع المرأة ولا زوجها استيعاب ذلك. كيف أن وقوف السيارات في المكان المخصص لهما والذي يدفعان تكاليفه "يفسد نظام الحي". اقترح زوجها  تجاهله ببساطة، ووافقت. وبعد حوالي ثلاثة أيام من هذه المواجهة بدأ أحدهم في إتلاف سيارتهما ليلاً. شعرت المرأة بالقلق عندما ظهرت الخدوش الأولى على الباب. ولكن زوجها ضحك دون قلق. وبعد تحطيم المرايا الجانبية وثقب الإطارات، كسا وجه زوجها تعبير داكن. وفورا قامت المرأة وزوجها بتركيب كاميرات مراقبة على جدار المبنى بجوار مصباح الشارع. فهما سيحتاجان إلى دليل إذا أرادا اللجوء في أي وقت إلى القانون. مجرد وجود الكاميرات يحل العديد من المشاكل، قال فني الدارات التلفزيونية المغلقة. وقد ثبتت صحة كلماته في البداية، حيث لم يحدث شيء في الأيام القليلة التالية. ولكن بعد أسبوع تلقت المرأة هاتفا للمثول أمام الشرطة: كان هناك شخص ما يوجه اتهامات ضد زوجها. وتبين أن هذا الشخص هو بالطبع الرجل الذي يعيش في الزقاق. والتهمة هي الاعتداء. وذكر  الرجل في الشكوى أنه كان في طريقه إلى المنزل في وقت متأخر من الليل بعد العمل، ومر بالسيارة التي كانت متوقفة في المكان المتنازع عليه، وفي تلك اللحظة قفز زوج المرأة من السيارة واعتدى عليه. وزعم أنه ضربه بباب سيارته، وحطم وجهه بغطاء السيارة، وأغلق على أصابعه الباب، مما أدى إلى إصابات جسيمة. كان الرجل مصابًا بجروح في جميع أنحاء وجهه بالإضافة إلى ضمادة حول رأسه، وكانت يده اليمنى مغطاة بجبيرة. ولكن لم يكن هذا العنف من طباع الزوج، لذلك عرفت المرأة أن الاتهام كاذب. على أي حال كان زوجها، في التاريخ والساعة التي ادعى الرجل أنه تعرض للاعتداء فيها، نائمًا في المنزل بجوارها ولم يخرجا في ذلك المساء. عندما أنكرت هي وزوجها جميع الاتهامات بدأ الرجل بالصراخ والقفز مرارا وتكرارا على الرغم من إصابته. ولكن بعد ذلك جاء سلاح الزوجين السري: تسجيل الكاميرات. نظرًا لعدم وقوع حوادث في الأيام القليلة الماضية، قامت المرأة وزوجها ببساطة بتخزين الشريط دون عناء مراجعته. لكن الشريط الذي شاهدوه جميعًا مع المحقق المسؤول عن القضية، كشف عن شيء غريب جدًا. حين اقترب الرجل إلى السيارة من أسفل الطريق كان من الواضح أن ما جرى عكس ما ادعى به سابقًا - فقد حمل بيده أداة ما وهو   يمشي بجوار السيارة في طريقه إلى المنزل. واستحال بسبب الظلام ودرجة وضوح الشريط تحديد اسم الأداة. اقترب الرجل من السيارة. وفي اللحظة التي لمستها يداه، انفتح الباب. بدا الأمر حقًا كما لو أن الباب فُتح عمدًا ليتلقى الرجل الضرب في وجهه. فقد الرجل توازنه وسقط على ظهره. وبينما كان يحاول النهوض من جديد انغلق الباب على وجهه مرة أخرى. وتكرر الأمر مرارا كلما حاول النهوض. ثم عندما انتصب جسده - لم يتوازن على قدميه، ولكن كان يبدو مرفوع الرأس، كأن شبحا هاجمه، وحطم رأسه على غطاء السيارة. جاهد الرجل وهو يركل بقدميه، لكن تحطم رأسه مرارًا وتكرارًا على غطاء محرك السيارة حتى تمكن أخيرًا من تحقيق توازنه. كان ذلك عندما صدمه باب السائق مرة أخرى. أمسك الرجل حافة الباب بيده اليمنى ليتوازن، وأغلق الباب ويده لا تزال بداخله. حرر يده وسقط على الأرض متمسكا بيده اليمنى. لم تكن الكاميرا مزودة بميكروفون، لكن كان ألم الرجل واضحًا من فمه الصامت والمفتوح على وسعه.

تحول المحقق إلى الرجل وسأله: "إذا أين بالضبط وقع الاعتداء في شريط الفيديو هذا؟" كان الشخص الوحيد في الشريط من البداية إلى النهاية هو الرجل. ومهما فكرت بالأمر كان يبدو أن الرجل هو الذي أضر بنفسه وسخر لهذا الغرض السيارة التي تخص المرأة وزوجها. تحدث المحقق مرة أخرى وسأله: "وكيف فتحت سيارة شخص آخر؟ هل سرقت مفاتيحه؟". بدأ الرجل في الصراخ والاعتراض، لكن إلقاء نظرة على عين المحقق المليئة بالشكوك جعلته يغمغم قائلا:"لكن، لكنني كنت متأكدًا من أن شخصًا ما خرج من السيارة و-"

قاطعه المحقق بصوت خشن: “أي شخص؟ ومن أين؟".

حاول الرجل أن يقول شيئاً لكن المحقق لم يعطه الفرصة. وتابع:" هل تعتقد أنك ستبتز هذين المسكينين وتدعي أنهما ضرباك، أليس كذلك؟ هل اختراع  الاتهامات لعبة مسلية عندك؟"

"ولكن أنا متأكد من أن شخصًا ما كان لديه -"

"أي شخص؟ أين؟ ما زلت تجرؤ على ادعاء مثل هذه الأكاذيب وأمامك كاميرات المراقبة مباشرة وهي خير دليل؟".

لم يكن لدى المحقق أي تردد. وأشار إلى أن الابتزاز جريمة جنائية. لكن المرأة وزوجها قالا أنهم سيعيشون جميعا في نفس الحي، وطلبا التساهل مع الرجل، الذي استمر في التأكيد على وجود شخص ما في السيارة، وتابع هذا الكلام حتى بعد خروجهما من المخفر ولكن بصوت يدمدم بخوف. بعد أيام قليلة علما أن الرجل اتهم بمحاولة ابتزاز. وعندما كانت المرأة في طريقها إلى منزلها من السوبر ماركت رأت سيارة الرجل الباهظة الثمن واقفة في الشارع - وفي داخلها حجارة ثقيلة وإطاراتها ممزقة إلى أشلاء. كان المشهد مخيفًا للغاية لدرجة أنها هرعت إلى المبنى دون أن تلقي نظرة ثانية. ولم يزعجهما الرجل مرة أخرى بشأن الوقوف أمام مبناهما. حتى عندما قابلاه في الحي، أدار رأسه ببساطة وذهب في الاتجاه الآخر. كان بإمكانهما سماعه يتذمر أنهما أفسدا يومه بجريمة الظهور علنا أمامه، لكن لم يتكرم أحد بالرد عليه لا هي ولا زوجها.

كانت الطفلة تحب اللعب في المبنى. وكانت تذهب لاستكشاف الغرف المختلفة، وكلما بدت وكأنها اختفت للحظات، كان من الممكن دائمًا العثور عليها في الطابق السفلي. وكان هذا كل ما تحب أن تفعله. لا يبدو أنها تريد الخروج كثيرًا. وحاولت المرأة عدة مرات اصطحابها إلى السوبر ماركت أو الذهاب بنزهة في الحي، لكن كانت الطفلة لا تقبل وتهز رأسها دائمًا. ولم تلح المرأة. فقد واجهتها صعوبة في العثور على مستأجر للطابق الثالث. وانشغلت بالموضوع.

كان تحصيل الإيجار هو الطريقة الوحيدة التي يمكن لزوجها من خلالها الحصول على دخل ثابت. وكان الطابق الثالث فارغًا منذ ذلك الحين قبل انتقالهما، ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بالقلق أكثر فأكثر بشأن المكان الشاغر. اقترح زوجها قائلا: "لماذا لا نجدده".

"ألن يكون ذلك مكلفًا؟ سيتعين علينا الحصول على تصريح أيضًا. ماذا لو لم يرغب أحد به  حتى بعد تجديده؟". وكان زوجها أكثر ثقة مما هي عليه. قال إن صديقه سيستخدمه كمكتب. وقال أيضًا إنه يعرف مصممة ديكور داخلي وستمنحه حسومات مناسبة. وهذه المصممة من زميلاتنا في الجامعة. وستهتم بالتصاريح وكل شيء". وكانت المرأة قد التقت بزوجها في جمعية طلابية في الجامعة. كان أكبر منها. والصديق المذكور كان أيضًا شخصًا معروفا ومن نفس الجمعية.

ذكرت مصممة الديكور الداخلي التي ستتولى مسؤولية التجديد أنها كانت أيضًا لفترة وجيزة عضوًا في الجمعية. بعد لقائها والتعرف على اسمها، شعرت المرأة أنها تعرفها بالفعل من قبل. عندما بدأ البناء وأثار صديق زوجها ومصمم الديكور والعمال الكثير من الصخب والضجيج في الطابق الثالث، دب النشاط بزوج المرأة. فهو، الذي لم يرفع إصبعًا أبدًا لمساعدتها في التنظيف منذ انتقلا ليعيشا هنا، كان متحمسًا لإعادة تصميم المكتب الذي سيستعمله صديقه، وكان يخبرها بكل خطوة صغيرة في العمل. ولم تتوقع المرأة أنه سيتحمس للغاية بشأن أي موضوع له علاقة بالعناية بالمبنى، لكنه رحب بهذا الأمر.

كانت الطفلة تكره أشد الكره فكرة انتقال المستأجر الجديد إلى الطابق الثالث. وكان الضجيج الذي يصعد إلى الطابق الرابع لا يطاق، وكانت تهبط دائمًا إلى الطابق السفلي للاختباء. كما وجدت المرأة صعوبة في تحمل السلالم التي يغطيها الغبار باستمرار وأصوات المثاقب والمطارق القادمة من الأسفل. وبصرف النظر عن مناداة زوجها لها، أو تقديم المستأجر في الطابق الثاني شكوى عابرة، أمضت المرأة معظم وقتها في اللعب مع الطفلة في الطابق السفلي.

بالإضافة إلى الجلباب الأحمر المزخرف المعلق على العارضات والأحذية ذات المقدمة المدببة بحيث يبدو ارتداؤها من رابع المستحيلات، كانت الطفلة تحسن العثور على جميع أنواع الصناديق المعدنية في الطابق السفلي. وكانت هذه الصناديق تحتوي أحيانًا على أقفال أو آليات إغلاق مع مفاتيح ملحقة بها، ولكن وبوجود المفاتيح، كان من الصعب معرفة كيفية فتحها. قدمت لها الطفلة صندوقا واحدا. سايرتها المرأة باللعب معها، وعندما أغلق الصندوق نفسه وهو بين يديها بصوت عالٍ كادت تقفز من جلدها. أغرقت الطفلة بالضحك. في البداية انزعجت المرأة عندما سقطت كتلة الحديد الباردة فجأة وهي بين يديها تلقائيا على ما يبدو. لكن عندما شاهدت الطفلة تضحك وهي تغلق الصناديق ذات المظهر الغريب واحدًا تلو الآخر، نسيت ذلك الشعور الغريب وضحكت معها. وتوقفت أخيرًا جهود التحديث اللانهائية وانتقل صديق زوجها إلى المكتب.

ورغم ما بلغاه من مسافة بعيدة في تجديد الطابق الثالث وتوسيع المكتب، كان يبدو أن صديقه بلا موظفين. واستغربت المرأة من ذلك. وشرح لها زوجها أن عمله لا يزال في البداية، وامتدح هذا الصديق لأنه يتحلى بالحذر بخططه. وكأن زوجها كان موظفا، لم يبارح المكتب معظم وقته. وكلما ألقت نظرة، تراه جالسا أمام صديقه، حول طاولة ضيقة، وكلاهما يتكلم بجدية تامة بهاتفه. وأحيانا كان صديق الزوج يكلمها، لتأتي إلى المكتب، ويقدم لها شرابا أسود. وكان الشراب مرا ولزجا ولا تشرب منه غير رشفتين. الأولى من أجل دواعي اللباقة، ثم تستسلم. وادعى صديق زوجها أن هذا الشراب مصنوع من محصول تدعمه الحكومة في أوروبا، وهو مضاد للسرطان، ومضاد للأكسدة، ومقاوم للشيخوخة. وتابع بتفاصيل وكلمات لا تفهمها. وهز زوحها رأسه خلال حديث صديقه عدة مرات حتى رن هاتفه ورد عليه فورا.

وحتى قبل مرور ثلاث شهور، اختفى صديق زوجها ومعه نقودهما الموعودة. وكانت في المكتب، عدا الطاولة الصغيرة والمقعد "كرسي المدير"، توجد علب فوق علب تحتوي زجاجات هذا العصير. وتوقعت أنه الشراب الذي كان الصديق يرغمها عليه. وكان على غلاف الزجاجات صورة ثمار توت صغيرة. نفس الثمار التي تتعفن في الثلاجة الموجودة في زاوية الغرفة. قال زوجها بلا مبالاة: “لا يزال لدينا هذا التأمين، وعليه لم نفقد نقودنا. ترك كل هذا المحصول وراءه. ويساوي كل صندوق 200000 وان... فكري بالنقود التي سنجنيها من بيعها".

وعاهدها على تخفيف خسارتهما قدر الإمكان، واتصل بكل من يعرفه وأخبره بنفس الأخبار عن الثمار الزرقاء المقاومة لأعراض السرطان. وحاول تسويقها بأفضل ما يمكن. ولكن تكوم الصناديق في الطابق الثالث جعل المرأة يائسة، واعتقدت أنه لن يبيعها أبدا. ثم باشرت الاتصالات الهاتفية. يا ليت لم يعملا على تجديد المكان، ولم يؤجراه لصديق زوجها.. عبرت هذه الحسرة في ذهنها مجددا عدة مرات. كانت تعلم أنه لا فائدة من الغضب وذم الماضي. ولكن الغضب لم يبارحها. وبالتأكيد كل إنسان معرض للمرور بمثل هذا الحال لو كان بمكانها.

أنبأها لاحقا أنه اقترض مبلغا قدره عشرين مليون وان. وعلى الأقل "استثمره" في تجارة صديقه دون أن يربط اسمه بهذه التجارة ودون أن يكفل ديون صديقه. ودت لو تحتج. ودت أن تصيح. أنفقت سبع سنوات من عمرها في سداد ديونها، وكانت تعمل لوقت متأخر في الليل وتوفر دخلها المتواضع، وتعيش حياة بسيطة - والآن ها هي تعود من حيث بدأت. ومهما كان المبلغ، كلمة "قرض" تعيدها إلى السنوات الحالكة الماضية من عمرها.

بحث زوجها عن "نمط حياة بديلة" تكون "بريئة من مشاكل الرأسمالية". أما المرأة نفسها، حينما كانت في الجامعة، فقد فكرت بأفضل طريقة لتحصيل درجات عالية، وبأفضل أسلوب لعرض الأطروحة، والاستقرار في عمل مع شركة هامة، مهما كان متعبا وبغيضا، واعتقدت أن حياة زوجها كانت مجرد لهو وعبث. وتزوجا بسرعة بعد التخرج، وحصلت على عمل مباشرة. وفهمت بسرعة أن "نمط الحياة البديلة" لا تعني شيئا دون خطة مفصلة وملموسة، و"الحياة دون مشاكل رأسمالية" تعني العمل في مواقع لا تدفع لعمالها في الوقت المحدد. وحينما لاحظت نمط الحياة البديلة هذه في عالمنا الواقعي شعرت بالقلق، وتداعت تحت ضغط العمل في الشركة - مع أن الشريحة تتبع القطاع غير النفعي التي لا يديرها عمال يستعملون قوتهم الطبيعية، ولكن بتقديم تضحيات صعبة.

في نفس الوقت ناور زوجها، الذي ينتمي للطبقة العليا في الكلية ولكنه تخرج بعدها، ولم يلتزم بشعارها عن "نمط حياة بديلة"، ولم يستقر في أي مهنة واحدة - والنتيجة كانت قرض العشرين مليون وان الذي حصل عليه وأنفقه دون استشارتها.

وزعم زوجها أنه سيسدده مهما كلف الأمر. كانت تعلم أنه صادق. ولكنها تعلم كذلك أن العالم ليس مكانا سهلا يوفر لك فرصة إعادة عشرين مليون وان إذا كنت مخلصا وصادقا فقط. وفكرت هل زوجها مستعد لاستعمال نقودهما كطريقة لمزيد من الديون دون إخبارها.

وعزمت أن تلغي اسمه من الشركة بطريقة ما، ولكن عقدت الضرائب الموضوع. وتبين أنه يستحيل قانونا الاشتراك في استثمار عقار دون موافقتها. وأسوأ سيناريو ممكن أنه يمكنها الاحتفاظ بنصف العقار، وارتعبت من هذه الفكرة.

كانت سعادتهما تعتمد على بيتهما. ومن وجهة نظرها البيت شيء أكبر بكثير من مصدر دخل شهري. كان العقار كل ما لديها، وهو الشيء الوحيد الذي سيبرهن لها وعلى مر السنوات أنها تصطدم بجدار هذا العالم. وخلال كل هذا الوقت أتعبت نفسها، وكانت تحمل زوجها على ظهرها، وهو لم يحرك أنملة لمساعدتها. وفي خضم هذا القلق من الدين البالغ عشرين مليون وان، والذي أنفقه دون استشارتها، اتضحت لها الحقيقة وتجلت أمام عينيها. أحيانا كان زوجها يغادر البيت في نزهة على هضبة قريبة. لم يبتعد كثيرا ولذلك لم تقلق عليه، ولكنه لم يتبع أسلوبا مستقرا ومعروفا في نزهاته. وأحيانا يغادر بوقت باكر في الصباح، وفي أحايين أخرى لا يخرج لعدة أيام، ويبدل عاداته ثم فجأة يغادر في المساء. ومنذ أن هرب صديقه بنقوده، كان ينفق ساعات على الهاتف في المكتب، ثم ضجر من الموضوع، و بدأ بنزهاته بين المرتفعات. وتلقت المكالمة الغريبة حينما كان في الخارج بواحدة من هذه النزهات. فقد هبطت إلى المكتب لتستدعيه للعشاء، ولم تجد غير هاتفه الخليوي على طاولته. وما أن خطت داخل المكتب، حتى بدأ يرن كما لو أنه يقصدها.

هل جاء أخيرا شخص يهتم بالشراب الصحي؟ واشتعلت شرارة من الأمل في قلبها، وهي تحمل السماعة. قالت :"ألو" لكن الطرف الآخر من الخط لزم الصمت لدقيقة. كررت المرأة الترحيب وقالت: “من فضلك ارفع صوتك".

- هل هذه أنت يا عاهرة؟

كبحت المرأة جماح نفسها أمام هذا الصوت النسائي العدائي وقالت: “عفوا؟".

- هل أنت الزوجة الحمقاء؟

"ماذا؟".

كان الصوت في الطرف الآخر محملا بالكراهية.

قال:هل زوجك من خدع زوجي للاتجار بشراب التوت النجس، قبل أن يستولي على أموالنا ويتخلص من زوجي؟.

في النهاية بدأت المكالمة تذهب باتجاه مريب. ولكن دون أن تفهم من يجب أن يدين من ويتهمه بالفعل الشائن.

قالت: والآن أصغي جيدا. تلك الصفقة أنا -

- دفعت زوجي ليضيف اسمه لتلك الصفقة ليتحمل كل اللوم، بينما أنت ورجلك التافه تستوليان على الخميرة و تجنيان نقود المبيعات وتحتفظان بها، هل أنا محقة؟ زوجي من ورط كل علاقاته وأنتما الاثنان من شربا دمه حتى جف، وتخلصتما منه بعد أن انتهيتما من اللعبة.

"بل نحن من أفلس. كيف تجرؤين على -".

وقابل صوتها المرتفع موجة من الشتائم القاسية والرنانة. وعندما طلبت منها المرأة أن تخفف لهجتها ردت بضحكة مهينة.

وقالت: "انظروا كيف تقف مع زوجها. هل تودين الوقوف معه حينما تعلمين أنه يغش امرأة أخرى؟. لقد استأجر عاهرة مجهولة تسمي نفسها مصممة ديكور داخلي عندما عزم على التجديد. يسرق نقود الآخرين، ويقبم علاقة غرامية تحت سمعك وبصرك. يا لك من ربة منزل مسكينة".

"ماذا؟".

لهجة المرأة الغاضبة سكن روح المتصلة، وبدأت تتحدث بنبرة أبسط وأهدأ.

قالت: لدي رسائل ومكالمات زوجك، وهي خير دليل. ولن يهرب مني. هل تعتقدين أنني سأمرر له ما فعل دون مقابل؟

وودت المرأة أن تسألها عن الدليل الذي ألمحت له. ولكن بدا أن المتصلة تجاوزت غضبها، ومرحلة إطلاق اللعنات، ودخلت في نغمة رثاء قدرها.

قالت: زوجي أحمق حقيقي لأنه ارتبط بقذارة مثلكما، أنتما الاثنان. وهجر عمله النظيف ليتورط بتجارة مع زملاء الجامعة.. أنتما كلاكما على الأغلب طالبان مزيفان، أليس كذلك؟. تمثلان دور طلاب جامعة؟ يا لكما من زوج تافه.

ولحظة ارتفاع صوت لهجة المتصلة مجددا، سمعت صوت شخص يفتح باب المبنى الرئيسي. كان زوجها. واستغربت من ذلك، ولأسباب لم تفهمها، ولذلك أغلقت الخط بسرعة. وسمعت صوت أقدامه تنهب السلالم. بلمح البصر أعادت الهاتف إلى مكانه، وذهبت إلى الثلاجة. وبدأت تفتش في محتوياتها. كانت نظيفة بعد اختفاء صديق زوجها. ولكن التوت الطازج الذي احتفظا به، كان قد بدأ يتعفن كذلك. تبعت ذلك أصوات مفاتيح أخرى. وأتت هذه المرة من الطابق الثاني. لم يكن زوجها الفاعل، ولكن المستأجرون العائدون من وجبة الغداء.  ولاحظت الهاتف الأبكم على الطاولة. ولم تغادر دماغها عبارة "رسائل ومكالمات". ومثلما حصل مع مفاتيح الدخول الإلكترونية،  كذلك حثل مع كلمة سر هاتف زوجها. ولم تعلم هل كانت إشارة طيبة أم سيئة أن يختار مطعم نقانق الدم في الطابق الأول تلك اللحظة ليتكلم بموضوع "الرهن".

أولا جاء الرجل العجوز وحده. باعتبار أن المرأة وحدها من يتعامل مع المستأجرين غالبا، فقد اعتقد أن حل المشكلة بسيطة. فهو رجل عجن وخبز العالم، ويمكنه أن يوجه امرأة بالاتجاه الذي يريده. ولكن زوج المرأة، بشكل غير اعتبادي، قرر أن يسخر وجوده وطبيعته الرجولية لهذا الاجتماع لأسباب غير معروفة. وحينما ذكر الرجل المسن الرهن، عارضه زوج المرأة ببنود الشروط القانونية. وذكره الرجل المسن أنهم وقعوا على عقد معدل لتجنب الضرائب وهدد بإخطار مكتب الضرائب. ولم يفل ذلك من عزم زوج المرأة وتابع بمخاطبة الرجل بكلمة "سيدي"، وأوضح له موقفه عدة مرات. قال: “العقد موقع من الطرفين، وإن تابعت هذا التهديد، ستكون مدانا أيضا بنظر المكتب الضريبي. وكذلك إن إيجارك ليس عاليا جدا، ولم تدفعه لفترة طويلة، الأمر الذي يعني أن المبلغ الذي ندين به لن يكون مرتفعا أيضا.  ألا تعتقد أنه أرخص لنا أن ندفع الضرائب المترتبة علينا وليس الثلاثين مليون وان وهو فرق الحد الأعلى والذي لا علاقة له بصاحب العقار؟. ألست معي في ذلك يا سيدي؟".

وأطلق ذلك عنان الرجل العجوز، الذي تابع التأكيد أن "الشباب لا يميزون شيئا من شيء في هذه الأيام"، و"دعونا نر ماذا يجري حينما تجلس على صهوة حصان طويل السيقان". ثم نهض وانصرف. ولم تمر فترة طويلة حتى جاء الرجل الكبير بالعمر مع "مساعده" الذي اتشح كله بلون أسود. كان تهديدا مقنعا.. إن لم تدفع المرأة وزوجها الثلاثين مليون وان، فسوف يقومان بما هو أشد من المراقبة.

قال زوج المرأة ببرود معتاد: “سنوثق ذلك في المرة القادمة ونطالب باعتقال الجماعة".

وبقي سؤال في ذهن المرأة دون جواب: هل هناك "مرة قادمة" للتسجيل والإبلاغ؟. وفتحت كلمة "تسجيل" الباب لفيض من الذكريات عن المكالمة التي ردت عليها، وما تكشفت عنه. وقد أنهكها ذلك كثيرا، ولم تعد قادرة على الكلام، وأخطأ زوجها بتفسير صمتها، واعتقد أنه يدل على التفهم، وارتاح لذلك. وهكذا انتهى حوارهما. في القبو، وهي تلعب مع طفلتها، انفجرت المرأة دون إنذار بالدموع.

سألتها الطفلة عن خطبها، وأول ما ورد على ذهن المرأة، هو وجه الرجل المسن الذي يعمل في مطعم حساء نقانق الدم. ببساطة لا يوجد لديهما ثلاثين مليون وان لدفعها، وهما غير مجبرين على ذلك قانونا. لكنهما غير قادرين على دفع الضرائب المستحقة أيضا. فقد انفق زوجها العشرين مليون وان التي اقترضها، ولا يزال الطابق الثالث فارغا، وأنذرهما الطابق الأول بنية المغادرة قريبا. ورفض دفع الإيجار المترتب عليه منذ الشهر السابق.

قالت المرأة وهي تهز رأسها وتبتسم: “حسنا. أحيانا يقع البالغون في مواقف معقدة".

حاولت أن ترفع زاويتي فمها، لكن الدموع انحدرت من عينيها. جلست ابنتها القرفصاء أمامها، ونظرت بصمت للمرأة وهي تبكي.

لم تدفع مالكة مطعم يخنة نقانق الدم المبلغ. فقد وجدت زوجها ميتا في مطبخ المطعم. وحين اكتشاف جثمانه، قيل إن جزءا منه كان يغلي في قدر كبير يستعملانه لتحضير الحساء.

وحالما جاءت الشرطة إلى مسرح الجريمة للتحقيق بالجناية الشنيعة، وهي من نوع لم يسمع به أحد من قبل في هذه المحلة، اختفت فجأة، ودون أثر، ابنة صاحبة المطعم وزوجها، وهما من موظفي المطعم كما أذيع.  بعد عدة أيام، شاهدت المرأة في الصحف صورة المساعد المتأنق بثياب سوداء والذي رافق الرجل المسن أثناء زيارته. وكما ورد في المقالة المنشورة كان المساعد من رجال العصابات، وتم العثور عليه ميتا في سرير عشيقته. والعشيقة التي اكتشفت القتيل، أخبرت الشرطة أنها ذهبت إلى عملها وهو نائم، ولكن رأته ميتا لدى عودتها. وكان جذع الرجل مطحونا بطريقة عجيبة، وقاد ذلك الشرطة للاشتباه بعصابة منافسة انتقمت منه.

حتى وهي تلهو مع الطفلة في القبو، لم تتمكن المرأة من نسيان هذه التفاصيل الغريبة. ولكن دون شك اعتبرت نهاية الخطر الذي هددها علامة طيبة. لم يبق أحد ليشكوها إلى مكتب الضرائب أو ليطلب فرق المبلغ. وهذا يعني خلاصها من القلق الذي تسببت به الناحية المالية في الوقت الراهن. أما متجر الأقمشة الذي كان يخطط لاحتلال الطابق الأول أصبح الآن مترددا بين إلغاء العقد أو تأجيل موعد الافتتاح، غير أن الطمأنينة خيمت على المرأة، وتلاشى القلق.

كرك.

رفعت المرأة بصرها بدهشة. شاهدت ابنتها تحمل صندوقا جديدا مغلقا حملته من مكان ما، وكانت تلعب به أمامها. كان له قفل بسيط يمكن فتحه إذا حركته حول محوره. وأعجب الطفلة أن تفتحه وتغلقه عدة مرات. نظرت المرأة إلى يدي الطفلة المبتسمة ببهجة وحبور، وهي تفتح وتغلق القفل، وتذكرت فجأة سطرا في ورد في الخبر الذي قرأته من قبل يقول:"كان الجذع مهشما بشكل ملفت...".

كرك.

نظرت الطفلة إلى المرأة وابتسمت باعتزاز.

الحياة سلسلة من المشاكل. ولا سيما حين تكونين متزوجة ولديك عائلة. وحتى إذا تمكنت من تحاشي مشاكل العالم الخارجي تعود إلى البيت سليما معافى، عائلتك هناك بانتظارك برفقة مجموعة كاملة من المشاكل الإضافية.

ورغم أن ضرائب مكان حساء نقانق الدم قد وجد حلا (ولو بطريقة تسببت بمشاعر غير مريحة للمرأة)، لم تتوقف المرأة المتصلة عن هجومها. فقد تلقى الزوجان مكالمات قبل فترة طويلة، ولم يكن زوجها يرد عمدا، ولم يكن لدى المرأة شجاعة لمناقشة الموضوع. فثارت ثائرة المتصلة. وبطريقة ما تعرفت المتصلة على رقم المرأة الخاص، وباشرت بالتنغيص عليها عبر هاتفها المحمول أيضا.

- زوجك يعاشر مصممة الديكور الداخلي.

- تتظاهرين بالعمى وهذا يؤكد أنك تافهة أيضا.

- ثلاثتكم كنتم في الجامعة معا، أنا مقتنعة أنك أنت من قدمت المصممة لزوجك ليتعرف عليها.

- أعلم أنك أنت من ورطت زوجك بإقامة هذه العلاقة وانتزعت زوجي مني وتتظاهرين أنك الضحية.

- اجعلي زوجك يعيد النقود التي سرقها وأخبريني أين هو زوجي.

- لا يمكنني التنفس والمودعون يطاردونني.

-   أخبريني بمكان زوجي أو تحملي الديون قانونا.

وكلما أصغت المرأة للمتصلة، يزداد يقينها أن هذه المتصلة، زوجة صديق زوجها، مريضة عقليا، أو ما يشبه ذلك. وتقريبا أشفقت عليها. حسب كلام المتصلة إن زوجها أعلن ببساطة أنه سيغيب بعمل وذلك قبل يوم من اختفائه، والآن يحاصرها المساهمون، ويطالبون بالدفع. ولكن المرأة نفسها، لم تتمكن من مساعدة المرأة الثانية، التي لعنتها، و عنفتها في الهاتف في ساعات مختلفة من اليوم.  وحسب نص الرسائل المحفوظة في هاتف زوجها، كان هو ومصممة الديكور الداخلي يتقابلان لفترة طويلة. والعشرين مليون وان التي استثمرها زوجها في شركة صديقه المفلسة قد سددها للمصممة الداخلية. وصديق زوجها لم يطالب بتجديد المكتب. وكل ما قاله له هو "هل بمقدوري استعمال مكتب في المبنى لشهرين إذا كان لديك مكتب فارغ؟". وحينما باشر زوجها بالتجديد، كتب له صديقه دون اهتمام "أنت تتكبد الكثير من المشاق لأجلي، كل ما أريده مكان لأجلس فيه مقدار شهرين". ولكن زوجها أراد أن يظهر لعشيقته أنه سيد المبنى. قال لها متباهيا: "لو أردت المزيد من النقود للترميم أخبريني وسأوفر لك احتياجاتك". وأدركت المرأة أنه لم يخطر ببال زوجها أن النقود التي سينفقها على ما تريد هي نقود مقترضة، ولم يفكر أن البناية التي يتباهى بها تحققت بعمل كسر ظهر زوجته لسنوات طويلة.

كانت الطفلة تتقن اللعب مع نفسها، وفي هذه المرة لم تستغرب المرأة حين شاهدتها. تابعت الطفلة فتح وإغلاق العلبة - كرك. كرك. كرك - وتابعت المرأة المشاهدة بصمت. وهي ضائعة في تفكيرها.

واصلت البنت اللهو بالعلبة، ونظرت لها وابتسمت. وحاولت المرأة أن ترد على ابتسامتها، وتعذر عليها ذلك. قال زوجها إنه خارج بنزهة، وغادر البيت بوقت متأخر من المساء. وبدأت أمطار غزيرة بالهطول. ولم يرجع من الجبال أبدا. فقد وقع حادث مرور قرب الطريق الرئيسي. خرجت سيارة عن الطريق، واصطدمت بسور. أسعف سائق المرأة إلى الطوارئ، ولكن كان مغمى عليه. أما الرجل الجالس قرب السائق، فقد طار من السيارة نتيجة الحادث وتم العثور عليه على السفوح. كانت رقبته مكسورة. وتوفي حالا. وبعد وفاة الزوج، لم تبتعد البنت عن أمها ولازمتها كل الوقت، وكانت تتبعها حتى لو أنها ترد على الهاتف وتكلم أمها.

- هل تنامين جيدا؟ وتأكلين؟

أشارت المرأة للطفلة لتأخذ حذرها وهي تجري بعرض الغرفة على الأرض وتضحك. وقالت بالهاتف:" لا أفوت وجبة. وأنام بعمق".

- وكيف حال المبنى، هل هي حال جيدة؟ هل حصلت على نقود من المستأجرين؟

- "نعم، افتتح معرض أزياء في الطابق الأرضي، ولا يزال الناشر في الطابق الثاني يدفع شهريا".

- هل تغادرين؟ أتمنى أنك لا تحبسين نفسك هناك طوال الوقت.

قفزت الطفلة إلى حضن أمها وعانقتها. وربتت المرأة على شعر البنت.  بدأت للتو بملاحظة أن حدود معالم الطفلة أوضح الآن.

قالت:"حسنا.."، وتراخى صوتها قليلا. تابعت"الجو مريح تماما هنا..".

- ولكن عليك الخروج لاستنشاق بعض الهواء المنعش، بين حين وآخر. لا زلت شابة وبلا أولاد، وليس من عادة الأرامل التواري عن أنظار العالم. سافري. قابلي الناس..

مدت الطفلة يدها إلى الهاتف، وحاولت القبض عليه. وهزت المرأة رأسها قائلة "كلا، أمي تكلمني الآن".

- ماذا؟ لا يمكنني سماع ما تقولين.

قالت بالهاتف: “لا أوجه كلامي لك يا أمي"

- هل من أحد معك في البيت؟

- "لا، من سيكون هنا غيري".

وتنهدت أم المرأة.

- لا يمكنني تحمل فكرة أنك وحيدة هناك كل اليوم. وترفضين أن آتي وأعتني بك لبعض الوقت -

قاطعتها المرأة قبل أن تتابع تحسرها تقول "أمي. أنا مرتاحة كما أنا. أريد المزيد من الوقت، وبعض الراحة، وسأتدارك أموري مجددا. وسأعتني بكل شيء".

- حماتك لا تزعجك، أليس كذلك؟

وحاولت أن تنهي مكالمة أمها: "كلا يا أمي. المسألة ليست كذلك. انظري. لدي غسيل على النار الآن ويجب أن أبعده عن النار. سأتصل بك لاحقا".

- حسنا. كوني متيقظة. لا تجهدي نفسك كثيرا. وابتعدي عن البيت بين حين وآخر.

- "وداعا".

وأغلقت الهاتف. التفتت إلى الطفلة وقالت :"حسنا، بقينا أنا وأنت فقط الآن".

توقفت البنت عن اللهو وواجهتها. ابتسمت. سألتها المرأة: “هل تودين القيام برحلة مع أمك؟ لم تغادري هذه البناية حتى الآن، صحيح؟. هل تريدين الخروج، معي فقط؟ هل تريدين الابتعاد لمكان بعيد جدا؟".

نظرت البنت إلى وجه المرأة بقسمات مشدودة. وبصمت وبطء هزت رأسها ترفض. كانت المرأة تتوقع ذلك. فالبنت لم تغادر البناية طوال وقتها. وهي غير جاهزة لتتخلى عنها. وما دامت مع البنت، لن تغادر البناية هي أيضا.

فكرت: هذا ليس سيئا للغاية.

"تعالي".

فتحت المرأة ذراعيها على وسعهما. وأسرعت البنت للعناق. وسقطت المرأة على ظهرها تقريبا وهي تتلقاها. أول الأمر كان للبنت خيال باهت في القبو. والآن لها قوام ملحوظ، دافئ حقا وببنية رقيقة مشدودة على جسمها. لقد كبرت، وزاد وزنها، واتضحت معالمها. وجعل ذلك المرأة تشعر بالاعتزاز الملحوظ.

همست تقول لخيال الطفلة الراكد الذي ارتمى بين ذراعيها: “أنت وأمك ستعيشان معا. وسنكون سعيدتين هنا للأبد".

قبلت جبين الطفلة الأبيض الناعم. هذا ما تبقى من الطفلة الصغيرة، التي انتظرت أمها لوقت طويل في آخر القبو من البناية المعتمة والإسمنتية. ونظرت البنت للمرأة التي كانت تنتظرها، ومنحتها ابتسامة مشرقة.

***

.............................

بورا شونغ  Bora Chung

كاتبة ومترجمة من سيؤول. متخصصة بترجمة الأدبين البولندي والروسي إلى اللغة الكورية. ترأس جمعية أدباء الخيال العلمي في عاصمة كوريا الجنوبية في الوقت الحالي.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5907 المصادف: 2022-11-07 02:32:04


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5995 المصادف: الجمعة 03 - 02 - 2023م