ترجمات أدبية

بورا شونغ: حاكم الرياح والرمال

بقلم: بورا شونغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

في الفضاء فوق صحراء رملية برزت سفينة مصنوعة من الذهب. ولمعت الشمس على كل سن من ألوف الأسنان المعدنية والتي كانت تدور وتطقطق، تك - تك -تك، وجعلت المركب المحمول في الهواء يبرق بأشعة ساطعة تفوق أشعة الشمس. هذا اللمعان، الناجم عن مسننات السفينة الوامضة، نقل ببطء الهواء الساخن الموجود فوق رمال الصحراء، وكان مصحوبا بالحرارة المرتفعة والموجات الذهبية للضوء المنعكس الذي غلف جسم السفينة.

1

وقيل إن ربان السفينة محارب شجاع وساحر لا يشق له غبار. وحسب الروايات القديمة حارب ملك الصحراء ربان السفينة للسيطرة على أرض تمتد حتى الأفق وحتى الشمس الذهبية. وفي آخر معركة تمكن الملك من بتر ذراع الربان الأيسر. ولعن قائد السفينة الذهبية، حين كان الدم يسيل من ذراعه المبتورة، ملك الصحراء قائلا: "أخذت مني مصدر قوتي، وسوف أفعل المثل في نسلك. أنت هدرت دمي على هذه الأرض، ولذلك، لن يكون أحد في هذه الأرض بمأمن من الخطر".

ولم يصدق ملك الصحراء هذه اللعنة. وراقب ربان السفينة الذهبية وهو يمتطي صهوة المعدات الذهبية ويطير في الهواء ويغيب في ضياء الشمس. ابتسم الملك مزهوا بانتصاره، وقطرات من الدم ترتسم على الممر الذي سار فيه القارب الذهبي. ثم تبخرت مثل ألسنة من اللهب قبل أن تجف في الحر الخانق، وجعل هذا المشهد ملك الصحراء، يضحك بقوة جبارة وبصوت كان يأمل حقا أن يصل إلى متن السفينة.

2

لم تمر فترة طويلة حتى أنجب ملك الصحراء ابنا. وكان أميرا أعمى بالولادة. وصل سخط الملك السماء، وغلبت خيبة الأمل الملكة والتي سرعان ما وافاها الأجل وماتت. وأصبح الامير بلا أم، فربته الخادمات. اعتنين به كل العناية، ولكن لم تكن قلوبهن تخلو من الوجل. وحاصر الغضب ملك الصحراء لأن اللعنة حلت على ابنه. وحاولت الخادمات والمربيات تجنب الغضب وتحاشي اللعنة، كن تتحركن بظهور مقوسة وتحتفظن برؤوسهن للأسفل قدر المستطاع، وطوال الوقت. ولهذا السبب، وهن تطعمن أو تلبسن أو تهدهدن الأمير لينام في الليل، لم يكن الدافع هو المحبة، بل خلت قلوبهن منه. كان الأطفال يتأقلمن مع أمكنتهم في هذا العالم ليستمروا أحياء. ويبدو أن إدراك ووعي الأطفال محدود، ولكنهم استوعبوا بسرعة عجيبة نوايا الكبار والثقة الممنوحة لهم، وبشكل أفضل من الكبار أنفسهم. كبر الأمير محاطا بالجمال والجاه، وبين شعب مهذب وعالي الأخلاق، ولكن كان يؤخذ على هذا الشعب قلة وفائه. وحسب معلومات الأمير هكذا كانت حال العالم والشعوب كافة.

3

كبر الأمير، وبلغ مرحلة الصبا. وبعد وقت قليل، بلغ طور الشباب. كان ضريرا، وكان الوريث الوحيد لملك الصحراء، وولي العهد. وهكذا حينما بلغ ابن ملك الصحراء سن البلوغ، أرسل مبعوثين من بلاده اللامتناهية المدفونة في الرمال، حتى وصلوا إلى الشعب الذي يعيش في سهول معشوشبة، بحثا عن أميرة، ستكون يوما ملكة الصحراء. كان حاكم السهوب الخضراء يعلم أن أمير الصحراء أعمى، وعلى هذا الأساس رفض العرض أول الأمر. ولكن حينما تلقى هدايا وفيرة من الحرير والمجوهرات التي حملها الدعاة معهم بدل رأيه فورا. وتبعت أميرة السهول المعشبة الدعاة إلى الصحراء، وهناك تم زفافها على الأمير الملعون.

4

استغرق الزفاف ثلاثة شهور. وانشغل كل الخدم والمرافقين بتحضيرات الزفاف التي لا تبدو لها خاتمة تلوح في الأفق. وفجأت تحول القصر المخدر والراكد إلى خلية نحل. وكان الأمير مهتما جدا بأميرة السهول الخضراء التي ستصبح عروسه. وتساءل هل تعلم أنه أعمى، ولماذا سافرت كل هذه المسافة لتتزوجه، إن قبلت الزواج. وكيف سيكون حالها حين ترفض إن رفضت... وكان الأمير متفهما للتقاليد القديمة والتي تفرض على العريس أن لا يقابل عروسه قبل الزفاف، ولكنه عزم أن يعلم طباع عروس المستقبل حتى لا يندم لاحقا. منذ كان طفلا، كانت لديه خبرة بالطرق المختصرة والممرات السرية الكثيرة في القصر. وبما أن أحدا لا يعلم أن أميرا أعمى لديه هذه الخبرة، تمكن من ارتياد كل أرجاء القصر، ودخل في كل مكان أراده. ووصل إلى الجهة المعتمة التي لا يبلغها الضوء، دون أي مشكلة. وتمكن الأمير من الاختباء في مكان من القصر. وهكذا، في ليلة هجع فيها الجميع، تمكن من أن يزحف إلى القاعة الداخلية التي تقيم فيها الأميرة. كانت نائمة. استمع لأنفاس هذه المرأة الغريبة.  كانت منتظمة. وقف الأمير لفترة في البلاط، دون حراك. ثم فتحت الأميرة عينيها. ولكن لم يشاهد الأمير ذلك. وتابع وقوفه دون أن يعلم.

قالت الأميرة:"من أنت؟ وماذا تفعل في قاعتي في هذه الساعة؟".

تحرك الأمير. ولكنه تماسك ورد بهدوء: "أنا هنا لأقابل عروسي".

5

تحسس الأمير وجهها بحرص، فأغلقت الأميرة عينيها وسكنت في مكانها. أخجلها لمسات أنامل هذا الغريب لوجهها، وأثار لواعجها، وتحسن شعورها قليلا. وأقلقها الإحساس بشيء محرم وأرعبها قليلا، ولكن حمل معه المتعة والسعادة السرية. وكانت ترتبك وتحمر كلما حضنت أصابع الأمير وجهها.  وبعد أن نحى أصابعه عنها وقعت الأميرة بحبه تماما. ولكنها لم تعلم إن كان ذلك الحب موجها للأمير أو استجابة لاضطرام عواطفها.

همس الأمير يقول:"أنت جميلة. أتمنى لو بمقدوري رؤيتك.. لمرة فقط..". ونبعت دموع كبيرة من عيني الأمير.

وحاولت الأميرة أن تخفف عنه فقالت:"لا تبك من فضلك. يمكنك لمس وجهي متى شئت. كما تفعل الآن. وسأبقى بجانبك حتى نهاية العمر".

قال الأمير وهو يذرف المزيد من الدموع:"ليس أنا وحدي من سينتهي أمره بحظ سيء. قائد السفينة الذهبية لعن كل عائلتي. وأخبرنا أن أحدا منا لن يكون آمنا طالما سلالة والدي تحكم أرض الرمال".

فاجأ ذلك الأميرة وصاحت:"لكن لماذا؟ ومن سينفذ هذه اللعنة المخيفة؟".

قال الأمير:"لأنه خسر الحرب وفقد إحدى ذراعيه، قال إن والدي أفقده قوته، ولذلك سيسلب قوة كل سلالة والدي". وسالت دموعه على وجنتيه وتابع:"إذا تزوجتني فإن أولادنا وأحفادنا سيحملون أجسادا عديمة النفع مثلي. وحينما يغزو ربان السفينة الذهبية أرصنا مجددا،  هذا البلد - المحكوم بملك بلا قدرات، ستسقط فورا".

خفض الأمير رأسه، وبكى بمرارة. عانقته الأميرة وحاولت أن تواسيه. وابتل كتغها بدموعه. وانسحب من قاعتها قبل شروق الشمس، فجلست بمفردها في الظلام، ونظرت إلى السماء الشرقية التي يغمرها لون رمادي باهت. وحينما شاهدت تروس السفينة الذهبية تعبر ببطء النار التي تلتهب فوق الشمس الصاعدة من الأفق، اتخذت قرارها. أن تذهب إلى ربان السفينة الذهبية ليبطل لعنته عن الأمير، فهو زوجها، وليبطلها عن أولادها الذين سيولدون، وعن أحفادها أيضا.

6

لم يكن من السهل التسلل من القصر. كانت الأميرة مستعدة للزفاف حتما. وستصبح ملكة في المستقبل. ولذلك أحاطت بها الوصيفات طيلة الوقت، حتى وهي بمفردها في الغرفة، وكان يوجد دائما حارس أمام بابها مباشرة. وحينما زارها الأمير ثانية في منتصف الليل، طلبت منه النصيحة.

وأبدى الأمير عجبه قائلا:"أنت جميلة وشجاعة. أعرف طريقا يقود إلى خارج القصر. ولكن حالما تغادرين وتجدين طريقك إلى السفينة الذهبية ستكونين بمواجهته وحدك. هل أنت جاهزة؟".

أكدت الأميرة بقولها:"يجب أن أحاول. لن أتحداه بمبارزة، وأنا امرأة بسيطة وعزلاء وتطلب منه معروفا. لن يلحق بي الأذى، أليس كذلك؟".

تنهد الأمير وقال:"من يدري. فهو رجل شرس.. لو أنني مبصر لرافقتك..".

ابتسمت الأميرة بدماثة وقالت:"لو أنك مبصر لما اضطررنا لمقابلة ربان السفينة الذهبية، وأرجوك لا تقلل من شأني إذا فشلت في طلب الرحمة".

حضن الأمير ذقنها برقة وقال:"لن أفعل أبدا. أنا ممتن لك لأنك تعاملينني بشجاعة".

قالت الأميرة:"نقطة أخيرة. حتى إذا نجحت لن يكون الملك سعيدا حين يسمع بهروبي من القصر قبل الزفاف. وإن اعترضني أحد في طريق عودتي سيطردونني إلى مسقط رأسي دون عودة".

قال الأمير:"لا تقلقي. كل ما تفعلينه لأجلي. وسأوفر لك الحماية. أنت عروسي وزوجتي".

وعوضا عن الرد اكتفت الأميرة بتقبيل شفتي الأمير.

7

قاد الأمير الأميرة إلى بوابة القصر الخلفية. وهناك عند الفجوة حيث يوجد شق في السور، تعانق العاشقان وتبادلا قبلة.

همست الأميرة:"انتظرني".

رد الأمير:"كوني بأمان".

أحنت الأميرة رأسها وهي تتسلل بحذر من فجوة الجدار. سمحت لنفسها بنظرة أخيرة للوراء نحو القصر، ثم حدقت بالسماء الحالكة غير المقمرة والمحرومة من النجوم، حيث كان موكب السفينة الذهبية يلمع ببرود في الفضاء. وبدأت تسير إلى السفينة.

8

 الشمس لا ترحم في النهار، وباعتبار أن الأميرة عاشت في السهول المعشبة، لم تكن معتادة على المشي الطويل في الرمال الحارة. ورأت أن هذا يستنزف طاقتها بسرعة، ولم تجد معنى للجلوس على الرمل المحترق، مما زاد من طول ومعاناة رحلتها إلى السفينة الذهبية. وحالما وصلت إلى المنطقة التي تعلوها السفينة، استراحت لحظة في ظل السفينة والتقطت أنفاسها. كانت الرمال المحترقة حارة، ولكن بفضل السفينة التي تطفو فوق رأسها، هبت عليها من الظل نسمة لطيفة. وكانت تلك أول بقعة ظل لاقتها منذ بداية الرحلة الطويلة من القصر. شدت من عزيمتها، وفكرت بطريقة تصعد بها على متن السفينة. كانت السفينة تتمايل قليلا من جانب لجانب في الهواء. ولم تجد المرساة أو الحبال. وخشيت أن تبحر مبتعدة عنها في أية دقيقة، وتختفي وراء الأفق مجددا.  في تلك اللحظة صدرت أصوات قرقعة صاخبة من محرك السفينة الذهبية الذي بدأ يدور. ومن بين العتلات تدلى سلم ذهبي. لامس السلم الرمال وانتبهت له محتارة، ثم نهضت، وتوجهت إلى وسط ظل السفينة، وشرعت بتسلق السلم. كان السلم حارا على يديها، بسبب الشمس، وكاد أن يشوي راحتيها. لكنها ضغطت على أسنانها، وتابعت الصعود إلى الأعلى، درجة بعد درجة. وعندما بلغت النهاية، ووقفت على سطح القارب الذهبي، سمعت صوتا خافتا وغامضا أحاط بها  يقول:"كيف يمكن لأميرة السهول الخضراء أن تأتي إلى سفينة الأزمنة والريح؟".

نظرت الأميرة إلى أعلى، وهناك شاهدت قائد السفينة الذهبية واقفا.

9

بعكس توقعات الأميرة كان للربان مظهر طبيعي وعادي. لم يكن يرتدي الدرع الذهبي، ووجهه ليس من آلات معدنية، وجسمه ليس من الرمال. وجلده بلون نحاسي، وشعره كما يبدو تأثر بالشمس والريح وفقد بريقه، ولم يكن فيه شيء يبرق غير العينين. وكما ذكر لها الأمير كان ربان السفينة الذهبية دون ذراع أيسر. وتمايل مع النسمات الكم الفارغ والشاحب لقميصه الذي سرقت الشمس لونه.

سألها الربان مجددا:"لماذا تطلبين سفينة الأزمنة والريح؟".

كانت هيئته طببعية لكن صوته لا يشبه صوت البشر. ونبراته كانت عالية كوقع خطوات وحش في كهف أو زلزال يشق السهول الخضر.  قالت الأميرة:"اللعنة --"، وحينها بدأت الريح بالهبوب.

منعت الحرارة والغبار الأميرة من إنهاء ما كانت تقول. ولم تعد ترى شيئا أمامها. فصرخت بأعلى صوتها حالما تأكدت أن الريح لن تتوقف:"اللعنة، أنا هنا أطلب منك أن تبطلها. رجاء أبطل اللعنة التي حكمت بها على ملك الصحراء".

"أية لعنة؟".

رغم العاصفة الغبارية جاء صوت الربان واضحا ومسموعا. وحتى الريح كانت تردد أقواله.

قالت:"من فضلك أعد للأمير بصره. ورجاء اسمح لأولادنا وأحفادنا أن يولدوا معافين أصحاء".

فجأة توقفت الرياح.

سأل ربان السفينة الذهبية بصوت هادئ:"ولكن لماذا؟". تحسست الأميرة متن السفينة تحت قدميها، وكانت رمال الصحراء تحتهما ترتعش مع كلماته، وارتعشت هي أيضا خائفة ملتاعة. صاحت وهي تجمع شجاعتها مجددا:"أن تسحر شخصا ما بسبب خسارتك أمامه في المبارزة تصرف رعديد وجبان. رجاء اعترف بخسارتك وأبطل السحر. سيكون الأمير زوجي، وأبناؤه هم أولادي".

رد الربان:"ولكنني لم ألعنه. وأنا لا أقلل من شأني وأهبط لمستوى صب اللعنة على إنسان ضعيف".

ترددت الأميرة ثم قالت:"أنت تكذب". تابعت تقول:"لماذا ولد الأمير أعمى؟".

قال الربان:"الحقيقة تختلف عما سمعته الأميرة. أنزلت عليهم اللعنة لأنهم أشعلوا الحرب. الفضاء الممتد بين الأفق وحتى الشمس والقمر هو مكان لا يحكمه الإنسان. وأبحرت سفينتي بسلام في هذا الفضاء منذ فجر الزمن. ولكن ملك الصحراء الذي أعماه الجشع للذهب، هو من أشهر سلاحه أولا". هدأ صوت ربان السفينة الذهبية وقال:"من يحدق طويلا بالشمس يحل به العمى. واختار ملك الصحراء برعونة مواجهة الشمس بسيفه. ويجب على نسله أن يدفع ثمن خطاياه".

صاحت الأميرة:"من فضلك أبطل السحر. أو على الأقل أخبرني كيف يمكنني التغلب على اللعنة. أمير الصحراء يعاني منذ ولادته بسبب تصرفات والده. ولن يدق ملك المستقبلرطبول الحرب كرمى لأبنائه الذين سيولدون. أعدك. رجاء أبطل السحر". تنهد ربان السفينة الذهبية. ومجددا شعرت الأميرة أن الألواح الذهبية ترتعش تحت قدميها.

قال ببطء:"حسنا. حينما يهطل المطر على الصحراء، أطلقي سراح سمكة عمياء في البحر. وحينها سيبطل السحر عن الأمبر". وقبل أن تتمكن الأميرة من سؤاله عن معنى كلامه، أضاف الربان محذرا:" طبيعة الإنسان الحقيقبة تختلف عن مفهوم الأميرة. وحتى بعد زوال السحر لا يمكن للأميرة أن تزف للأمير".

ثم رفع ربان السفينة الذهبية يده الوحيدة ولوح بيده تلويحة خفيفة. في اللحظة التالية أصبحت الأميرة في الفضاء. وتأرجحت مثل ريشة في الهواء قبل أن تحط على قدميها بسلام.

10

تاهت الأميرة في الصحراء لفترة طويلة. فالمكان الذي هبطت به من السفينة الذهبية لم يكن نفس المكان الذي تسلقت فيه السلم. ولأنها ولدت وعاشت في السهول المعشبة، تعلمت منذ يفاعتها الاهتداء بالشمس والقمر والنجوم، وكانت تراها علامة تحدد بها مكانها. ولكنها الآن محاصرة بالرمل المنتشر على امتداد البصر، وكانت الكثبان تتحرك كلما هبت الريح. ومهما هبت الرياح على السهول المعشبة في بلادها، لم تكن الأرض تتحرك ولا الأشجار والعشب تبدل مواضعها. كانت التضاريس مجهولة بنظرها في هذا المكان، ولم تكن قادرة على توقع المدة التي ستمر عليها هكذا بين كثبان الرمل. وكل ما أمكنها هو تحديد الجنوب الغربي بالاحتكام للشمس، وكانت تتقدم بهذا الاتجاه نحو القصر.

ماذا كان يعني بالسمكة العمياء وكيف يمكنها أن تجد البحر في وسط الصحراء - تلك كانت ألغازا لم تفهمها. وبعد أن أنهكت نفسها من المسير، نسيت كل شيء عن السمكة. وكانت قد حملت معها بعض الماء والفاكهة المجففة عندما غادرت القصر، ولكن الزوادة انتهت منذ أمد بعيد حين وصلت إلى السفينة الذهبية. تابعت الكثبان الرملية تبديل أشكالها، وكانت تظهر وتختفي باستمرار أمام بصرها. وكانت الأميرة متيقنة أنها ستلاقي حتفها في الصحراء قبل أن تبلغ القصر.

11

ليالي الصحراء باردة. ورياح النهار تهب في الليل. وإذا حاولت أن ترتاح وجلست لدقيقة على الرمال، تزحف الكثبان القريبة ببطء وعلى نحو مشؤوم لتحاصرها. وإن أرادت أن تنجو من الدفن تحت الرمل، عليها أن تنهض وتتابع مسيرتها. وهكذا فقدت الإحساس بجسمها وبدأت ساقاها أوتوماتيكيا بالاندفاع إلى الأمام. وكلما تقدمت خطوة، تغوص قدماها في الرمل. وبدأت تحن للسهول المعشبة. واشتاقت للأفق المستقيم والعريض الذي لا تتخلله كثبان وأكوام رمل شاهقة. وافتقدت الأرض الصلبة والجافة،  والأعشاب والنباتات الغريبة التي تتطفل عليها. مثلما نسيت امتطاء الجياد فوق تلك الأرض القاسية والشاسعة، والحوافر التي تقرع السطح المتماسك. تعثرت الأميرة بشيء قوي ومتحجر. ثم غاصت في الرمل. وبسرعة تدبرت أمرها ونهضت لتبتعد عن المخاطر، ونظفت نفسها، وبصقت الرمل من فمها قبل أن تستدير لتتحرى عن الشيء الذي ارتطمت به. كان كبيرا وضخما يبرز من تحت الرمل. لمةاصادف الأميرة شيئت ثلبا تحت قدميها حينما كانت تمشي باتجاه السفينة الذهبية، ولاحقا حينما انطلقت منها بعد الهبوط. ركعت أمام الشيء وبدأت تحفر. زادت حلكة الليل. ولم تعرف الأميرة عما كانت تبحث. وكانت تحفر بيدين فقدتا الإحساس. وانحصرت مشاعرها بالعطش والجوع والبرد... وكانت تشعر على وجه التحديد بالظمأ الحقيقي. كان موطنها في منطقة شبه جافة ولكن فيها الماء الثمين ولو بكميات قليلة. ولأنها أميرة لم تكن لديها دراية بالمعاناة من العطش. وبلغ بها العطش درجة أصبحت فيها مستعدة لشرب الرمل الذي تحفره بيديها المجردتين. اشربي الرمل...

وفي اللحظة التي عزمت بها أن تشرب الرمل وحفنت كمية منه بيديها، استعادت مشاعرها واستيقظت..

12

بكت الأميرة وأعولت. كان بلعومها جافا جدا وشعرت أنه يتمزق وأنها فقدت كل الرطوبة التي في جسمها. وأدهشها أن الدموع تسيل من عينيها. واتكأت الأميرة على الشيء الكبير الذي حفرت الرمال لاستخراجه، وسمحت للدموع بالتدفق من عينيها. وتملكها الخوف، والبرد، والعطش الشديد. فكرت إنها ستلاقي حتفها في الصحراء. ولن ترى ضوء الشمس مجددا. ولا الأمير الكفيف الذي يجلس في القصر بانتظارها على أحر من الجمر. ولا السهول الخضراء التي ولدت فيها وكبرت عليها. ولا والديها. ستموت وتدفنها الرمال ولن يجدها أحد. ودفعتها هذه الفكرة لمزيد من القنوط والعويل. وبعد البكاء شرعت بالنحيب، وألقت نفسها على الشيء الغامض المغروس في وسط الصحراء، وولولت للتعبير عن فجيعتها المرتقبة. وررد ظلام الصحراء نحيبها حتى بلغ النجوم في عنان السماء. وسرعان ما غرق بالدموع الشيء الضخم الذي اتكأت عليه بجبينها. وتابعت البكاء. ثم فجأة تحرك الشيء الذي وضعت جبينها عليه. تراجعت للخلف. وجفت دموع مآقيها. وشاهدت سمكة عملاقة تتلوى في الرمل. شعرت بالصدمة، وتعثرت وهي تتراجع للوراء بارتباك قبل أن تسقط على ظهرها. كان الشيء البارز من تحت الرمل رأس سمكة. وحتى في ضوء القمر الخافت تمكنت بوضوح من رؤية الغشاء الرقيق الذي يغلف عينها الوحيدة. "حينما يهطل المطر على الصحراء، أطلقي في البحر سمكة عمياء". تذكرت الاميرة ذلك. وشرعت فورا بالحفر وإخراج السمكة المتلوية من تحت الرمل. منذ دقيقة فقط أنهكها التعب والبكاء، ولكن ظهرت فيها قوة لم تعرفها من قبل. هاجمت الرمل بشراسة، في البداية أخرجت الغلاصم، ثم الذيل، وبعد ذلك الجسم. وبعد أن ظهر الذيل، لمست الأميرة بحذر عين السمكة. وبحركة بسيطة من أصابعها تمزق الفيلم الرقيق الصلب عن عينها وتحول إلى ذرات. حركت السمكة ذيلها حركة واسعة. وانطلقت من تحت الرمل وقفزت في سماء الليل البارد. ولحظة أن قفزت نحو النجوم المشعة باتجاه الخلفية الزرقاء الداكنة العميقة، سمعت الأميرة صوتا كما لو أن سماء الليل، الصافية كالزجاج، تتكسر. وبدأ المطر بالهطول. ثم انسكب الماء من شقوق في السماء. نهضت الأميرة على قدميها وهي ترتعش من البرد وبلل الماء المنعش كل جسمها. فتحت فمها للمطر وشربته كله. وحتى بعد انطفاء عطشها تماما، فتحت ذراعيها للسماء وتابعت شرب ماء المطر، وهي ترقص باستمتاع. وهكذا عادت السمكة العمياء إلى البحر الواسع، بعد أن سقط المطر من سماء الصحراء. وانتعشت الأميرة. ونسيت خوفها من الموت، وفارقها حنينها لموطنها. فهي في وسط الصحراء لغاية محددة - وغمرتها السعادة ونسيت كل المخاوف. وتخلت الأميرة عن ذهولها. ومن بعيد شاهدت بوابات القصر.

13

حين بلغت القصركان صاخبا. ورأت احتفالا في الباحة، وكان الجنود أمام البوابة. صاح الجنود وهم يأكلون ويشربون بنهم:"بطل مفعول السحر. والأمير يستطيع أن يبصر. أراد الله إبطال اللعنة. وهذه إشارة منه لقتل الساحر". استنفرت الأميرة وهي تمر من بين الجنود المحتفلين وتشق طريقها نحو المبنى الرئيسي في القصر، وهناك شاهدت الملك يلقي كلمة وهو على أحد الشرفات. وكان يقول: "...عندما ينحر الساحر، ستكون السفينة الذهبية ملكنا. وكل الذهب والمجوهرات ستؤول ملكيتها إلينا. وبهذه المركبة الطائرة سنحتل أرضا أكبر تبلغ عنان السماء". وكان الأمير واقفا بجواره بعينين مفتوحتين على وسعهما. وقاطعه وصاح:"الذهب لنا. كل العالم ملكنا".

زمجر الجنود و الأرستقراطيون والخدم بأصوات مؤيدة. وكان ذلك كافيا ليهز جدران القصر. وتملك الخوف قلب الأميرة فصاحت تقول للأمير الذي يقف بمكان مرتفع:"إذا كان ربان السفينة الذهبية صادقا حين قال لم تنشب الحرب على الأرض التي تمتد وراء الأفق إلا لأن جشعكم للذهب أعماكم؟".

وخيم الصمت على القصر. التفت الناس الذين اجتمعوا تحت الشرفة ونظروا إلى الأميرة. واستلم الأمير زمام الكلام. صاح وهو يشير لها:"اقبضوا عليها. هذه هي عاهرة الساحر. اقبضوا عليها".

استجاب الجنود لأوامره ونحوا أكواب النبيذ جانبا وأسرعوا إلى الأميرة. فحاولت أن تهرب. ولكن سرعان ما حاصرها رجال الملك. وتم القبض عليها قبل أن تبتعد خطوتين. صاح الأمير وهو ينظر للأسفل نحو الأميرة التي تحاول التملص من الجنود:"ساحرة. خائنة. خليلة المشعوذ. تهاجم الملك لييقط عن عرشه. اقتلوها".

ظهر المزيد من العسكر بعد صدور أمر الأمير والسيوف والرماح في أيديهم. جر الجنود الأميرة ولكنها رفعت بصرها إلى الأمير الواقف على الشرفة. وما أن تلاقت أبصارهما حتى أعياها الكلام. لاحظت في نظرته أنه لا يقبل أي مناقشة ولا رحمة. كان وجهه جامدا. والنور الذي لمع في عينيه كان باردا وميتا. كان هذا الغريب الذي ينظر إليها من عليائه بقسوة ويأمر بقتلها مختلفا عن الأمير الذي سالت دموعه على كتفها. وضع الجنود سيوفهم على عنقها، فأطبقت عينيها بإحكام وخوف. وفي تلك الدقيقة بدأت الريح تعزف.

14

هبت عاصفة رملية على القصر. ولم يتمكن أحد من فتح عينيه أو أن يتنفس بسبب الغبار والرمل والتراب الجارف. وتغلغل الرمل في أنوف الناس، وفي آذانهم وأفواههم. وألقى الجنود الذين أحاطوا بالأميرة سيوفهم رغما عنهم. وبتهور حاولوا حماية وجوههم، وسد عيونهم وهم يسعلون.  ثم صدرت زمجرة قوية. وتبعها صراخ. نظرت الأميرة، من بين أصابعها التي غطت بها وجهها، ولاحظت انهيار شرفة القصر. وسقط معها الأمير والملك الواقفان عليها، وحاصرتهما العاصفة. وانهمرت فوقهما الصخور والأنقاض. اهتزت الأرض. نظرت الأميرة إلى الأسفل. وشاهدت الرمال التي تغطي الأفق تغوص في شقوق كانت تكبر وتتوسع. وعندما خسفت الأرض التي وقفت عليها، وجدت نفسها تسبح في الهواء فصاحت تستغيث. ثم أحاطت بها أصوات خفيفة مألوفة، ولاحظت فوق رأسها الظل المعروف مجددا، وهو الظل الذي وهبها الملجأ من قبل. نظرت الأميرة التي تطفو فوق القصر المتداعي للسفينة الذهبية ولتروسها التي تعوم بطمأنينة في سماء الصحراء.

15

انهار القصر كله. ولم يصمد منه أي حجرة كانت في جدرانه. ولاحظت الأميرة التي امتطت متن السفينة الغبار المنعقد في مكان القصر السابق. وقال صوت خافت: "هذا ليس خطأ الأميرة". ارتعشت تحتها ألواح السفينة. أردف الصوت:"يمكن للإنسان إبطال مفعول السحر، ولكن من المستحيل شفاء الناس من الجشع الذي يعمي. كانوا دائما جاهزين لشن حروب جديدة".

وافقت الأميرة وهي ترتجف. ومثل سحابة الغبار في الأسفل، غلف أفكارها الضباب، ولم تكن في تلك اللحظة قادرة على التفكير بطريقة مستقيمة. ولمس يدها شيء بارد ومبتل. تلفتت حولها بدهشة. كان ربان السفينة الذهبية يقدم لها قدحا من الماء. كان القدح أصغر من يدها. ورغم رياح الصحراء الحارة التي ثارت من حولهم، كان الماء باردا كالثلج، ولذلك تكاثف بخار الماء على القدح. رفعت الأميرة القدح ببطء. ولامست بشفتيها حافته. فتدفق الماء البارد فيها. ربما كان القدح أصغر من يدها، ولكنه سكب فيها تيارا لا ينتهي من الماء. شربت حتى ارتوت. وشعرت أنها لم تشرب مثل هذا الماء البارد منذ الأزل. وربما هذه أول مرة تتذوق مثله في حياتها. "امكثي هنا". قال الصوت الدافئ الذي رن في أرجاء السفينة الذهبية. وتابع:"احكمي الرياح والرمال معي، وأبحري فوق فضاء التاريخ. وحتى يوم انفجار الشمس والقمر واختفائهما، كل شيء تصله النجوم والغيوم في هذا الزمن المفتوح، سيكون تحت تصرفك". نظرت الأميرة باتجاه الأسفل إلى القدح الذي في يدها. شربت ما أرادت، ولكنه امتلأ مجددا بطرفة عين. تجمعت قطرات الماء على سطح القدح مجددا، ومنحها البرد الرطب الذي تقبض عليه بيدها، شعورا عجيبا وغريبا. ردت في النهاية:"أود أن أعيش كأي إنسانة عادية. وأريد أن أقابل رجلا مثلي، يبادلني الحب والاهتمام، فننجب أبناء نرعاهم حتى يتزوجوا وينجبوا.. تلك هي الحياة التي أتمناها".

قال سيد الريح والرمال بصوت رقيق:"نهاية مثل هذه الحياة هي الموت". وافقت الأميرة وقالت:"أعلم. ولكن سأعيش حياتي حتى آخر لحظة منها ثم أستسلم للموت".

قال ربان السفينة الذهبية وقائدها:"لا يمكنني أن أهب الأميرة حياة البشر الفانين، ولكن أعدك بالسلام والخلود الذي لا يعرفون عنه شيئا".

ابتسمت الأميرة وأشارت برأسها. تحرك كم الرجل الفارغ. شعرت الأميرة بنسمة باردة وناعمة تهب على خدها الأيمن. وبدأت عتلات السفينة الذهبية بالصرير والدوران. بدلت السفينة اتجاهها، وبعثرت العتلات المسننة الشمس بشكل شرارات براقة. أصبحت الشمس وراءها. وشرعت السفينة الذهبية بعبور سماء الصحراء نحو موطن الأميرة، أرض السهول المعشوشبة الخضراء.

***

..............................

بورا شونغ  Bora Chung روائية ومترجمة من كوريا الجنوبية. ترأس جمعية أدب الخيال العلمي في سيؤول.