أقلام ثقافية

ظاهرة استسهال كتابة الرواية لدى الكتاب الشباب

توطئة: يقول الروائي الأميركي ستيفن كينغ: (إن لم يكن لديك وقت للقراءة، يعني أنك لا تملك الوقت أو أدوات الكتابة).

قد يبدو أمر كتابة رواية شيء سهل يغري الشاب المبتدئ على المغامرة فيسجل هواجسه وخواطره فيكتب خمسين أو ستين صفحة ثم يضع على الغلاف اسم رواية، ولكن في الحقيقة كتابة رواية جيدة تنطلب قدرة كبيرة على الإبداع و الصنعة والاحتراف  معرفة كل تفاصيل هذا الفن ومهاراته وتقنياته ..

و أنا أتابع الشاعر والروائي الأردني "أيمن العتوم" يتحدث عن كيفية كتابة رواياته، فهو يجمع المادة عن الموضوع الذي يكتب فيه فيقرأ عشرات الروايات وهذا يستغرق وقتا طويلا ثم تأتي مرحلة الكتابة التي لا تأخذ منه ذلك الحيز الزمني و إذا كانت الرواية تاريخية مثل أرض الله عن تاريخ العبودية في أمريكا فهو قد سافر لعدة دول منها السنيغال  لجمع المادة التاريخية عن عمر بن السيد بطل الرواية  وقرأ كل مذكرات  رؤساء أمريكا في تلك الفترة الزمنية بين 1807و 1864 أكثر من سبعين كتابا ورواية المسيح قرأ أربعمائة كتاب طوال أربع سنوات ولم ينته منها بعد فالتحضير لكتابة رواية ناجحة تتطلب قراءة عميقة وتحضيرا جيدا قبل الشروع في الكتابة ..

ويقدم  نصائح  للروائيين الناشئين فيقول:

أول نصيحة اقرأ ثم اقرأ حتى يشيب الغراب! أي حتى آخر لحظة، فأنت تغذي عقلك وروحك وحرفك بالقراءة، بمعنى أنك إذا أردت أن تكتب فينبغي أن تكون قد قرأت بوعي وعمق شديدين، وما من كاتب جيد إلا كان قارئا جيدا.

ثانيا: افخر بعربيتك وبتراثك وبتاريخك، ولكن لا تبقى ناظرا للخلف. اخرج من هذا التاريخ حتى تضع بصمتك، فهذا الإرث العظيم يمكن أن تعتمد عليه على ألا تبقى واقفا على أطلاله، فاصنع أنت الفرق.

ثالثا: آمن بعربيتك بأنها أخلد اللغات، وأن الحرف الذي تكتب به سيبقى خالدا أكثر من أي حرف بأي لغة أخرى.

رابعا: لا تكتب إلا عن تجربة، عن دراسة ووعي وخبرة. واكتب من قلبك خاصة عندما يكون متوهجا، فالذي يخرج من القلب يصل إلى القلب.

خامسا: قاتل من أجل طموحك، فما من أحد حصّل ما يريد وهو يجلس على مدارج الانتظار، بل عليه أن يبادر

وتؤكد  الكاتبة رشا المالح على أهمية القراءة للكاتب قبل أن يفكر في الكتابة عليه أن يكون قارئا نهما فتقول :" الرواية لا تكتب من فراغ، خاصة الرواية التي ترسخ في ذهن القارئ، سواء بأحداثها أو شخصياتها. ولا بد لمن يرغب في كتابة الرواية أن يكون بالدرجة الأولى، قارئاً نهماً، كما أن الكتابة الإبداعية تجمع بين التفكـــير وغربلة أفكار الآخرين، بحثاً عن فكرة ما تفتــــح أمامه المسار إلى حقيقة ما يتخيلها.

كما يقول الكاتب البريطاني صموئيل جونسون (1709 - 1784): (ما يُكتب دون جهد، يُقرأ دون متعة). ويقول الأديب الروسي أنطون تشيخوف (1860 - 1904): (لا تقل لي إن القمر مضيء، بل أرني بريق ضوئه على زجاج مهشم). الرواية الجيدة لا تأتي من إلهام مفاجئ، العمل الذي يحقق النجاح يأتي نتيجة تراكم التجربة على الصعيد الحياتي والتقني، أي القدرة على سبر غور الحياة وصقل قدرات الكاتب على صعيد لغة السرد والحوار، وفي المقدمة التخطيط لهيكل الرواية وشخصياتها"(1).

فكثيرا ما يلجأ الكتاب الشباب بل حتى الكبار إلى الكتابة الإنشائية السردية بعيدا عن حقائق الواقع وخبرات الحياة  فيسردون هواجسهم وعقدهم وبكائياتهم فتظهر في أعمالهم تلك النقائص الفنية والعيوب اللغوية فيأتي العمل الروائي ضعيفا يظهر ضحالة فكر صاحبه الذي لم يجوده ولم يتقن كتابته .

 فالأعمال الخالدة تحتاج إلى جهد و جودة وممارسة وقراءة عميقة وتجربة ممتدة في الحياة مفعمة بالمرارة والألم والفقد والصبر والمصابرة ومكابدة الأهوال ..

***

الكاتب والباحث في التنمية البشرية:

 شدري معمر علي

.........................

المراجع:

1- من حوار مع أيمن العتوم  أجراه صالح زيغاري على قناته في اليوتيوب.

2- رشا المالح، فن كتابة الرواية بين الإبداع والصنعة، جريدة البيان.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5860 المصادف: 2022-09-21 01:34:44


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5927 المصادف: الاحد 27 - 11 - 2022م