أقلام ثقافية

بداياتهم: الروائي الشاعر عبد شاكر

الأديب عبد شاكر ، قبل أن يكون أديبٍا، فهو أيقونة محبة وعنوان إنساني محبّب لكُلِّ من عرفهُ أو اقترب منهُ. لطيف المعشر، حييًّا، يختار مفرداته اليومية بأناقة ومحبة كبيرة. سار في دروب الرواية والقصة بوعيٍ كبيرٍ وارتقى منصـات الشعر باحترام. وسواء أكانَ الشعرُ محكيًا (شعرٌ عاميّ) أو شعرٌ عربيٌ فصيح، لم يُثلِبَ أو يهجوَ شخصًا ما، إنما كان يجوبَ بقاربهِ الشعريّ بحار الجمال بحثًا عن صورةٍ شعريةٍ زاهيةٍ أو مفردةٍ ملفتةٍ للنظرِ أو قافيةٍ متفردةٍ بحلاوتٍهَا.

يقول عبد شاكر عن بداياته:

(الطفولة، امسنا السحيق الجميل، بما يمثله من ذكريات عابقة بالدفء، تعب اللعب والمرح المستمرين، لذّة الاكتشاف، الخوف، الترقب، سر اكتشاف تفاصيل الحياة والعالم من حولك وانت اسير (الحواري والأزقة والدرابين). إرتعاشة اليوم الأول في الفصل الدراسيّ بكُلِّ جماليةِ ذلكَ التوزع البهيّ بين روائح الكتب وألوان الطباشير وهيمنة السبورة واناقة المعلمين، وعصا المدير أو خيزرانته الرفيعة. في طفولتي اختلفتُ نوعًا ما عن أترابي، فلم أمارسُ من ألعاب الطفولة الآسرة، غير الجريَ ولعبة كرة القدم لاحقًا. كنت أميلُ الى العزلة والهدوء والتامل. كثير الشفقة على الحشرات الصغيرة والحيوانات الأليفة. أكرهُ الأماكن المُظلمة وأخشى هدوء صفحات الأنهار التي لم اثقُ بسكينتها يومًا مُذ أخذتني المياه إلى لونِ الغرقِ في أول تجربةٍ فاشلةٍ للسباحةِ قبلَ أن يُنقذني احدَ بلاّمةِ دجلة. لم أكرهُ في حياتيَ شيئًا أكثر من صفيرِ القطار وعويّ الكِلاب في الليالي الدَهمَاء الشَاتية. أحاولُ جاهدًا معرفةَ كُنهِ الموتَ وهو يخطفُ الناسَ على حين غرّة، فيُصيبُ أشكالهُم الجميلةّ والبريئةَ بالصَفارِ والخوفِ والنحافةِ وهلعَ خروجِ الرُوح. متسائلًا بيني وبين نفسي... تُرى إلى اينَ يمضي الموتُ بكُلِّ هؤلاء؟!

في تلكَ السنوات، كان أبي يعملُ بُستانيًا لدى أحدِ اثرياءِ الكرادة. كانَ رجُلًا كريمًا يُغدِقُ على أبي بالعطايا والهدايا على شكلِ أكياسٍ مَلأى بالألعابِ والملابسِ والأدويةِ والأحذية والكُتبِ والمجَلاّت.

فاختصصتّ دُونًا عن أخي سلام وشقيقتايَ باختياريَ للكُتبِ والمَجلاّت، وأذكرُ منها مجلات (سوبرمان) (الرجل الوطواط) (مغامرات بدي بود) (الموعد) (الشبكة) وغيرها، قبل أنْ يُقلبَ كيانيَ بمجلةِ الراحلِ الكبير د. صبري القبّاني (طبيبُكْ) التي وفرت ليَ كّمًا نوعيًا من المتعةِ والمعلومات. ثُمَ جاءَ الدورُ على أساتذتي الأوائل في مدرسةِ (المعينية) خُصوصًا في درسِ اللُغةِ العربيةِ الأفاضل الكبار (الأُستاذ سلمان) (الأستاذُ الأديب عبد صبري طخّاخ) (الأستاذ فايق) الذينَ كانَ لهُم الاثرُ الكبير في صقلِ مواهبيَ المُبكرة، خُصوصًا في حصةِ الإنشاءِ والتعبير.

تلى ذلكَ كُلّهُ مرحلةَ عملي في معاملِ الخياطةِ في شارع النهر (معمل بترون) (معمل الشموس) والتقائي هُناكَ بفتياتٍ يسارياتٍ دللننِي على هوايةِ القراءة. اذكرُهُنَّ تمامًا نقية بطرس ججو، مارگريتا، سمر ميسان، سهام، اروع فتيات عراقيات مسيحيات بينما كانت الاخيرة وإسمها ابتسام من أهالي مدينة الثورة- داخل. في تلك المرحلة اكتشفت تتاليًا عوالم ناظم حكمت، بابلو نيرودا، چيخوف، تولستوي، غوركي، دستويفسكي، شكسبير، لتاتي بعدها مراحل اليتم المبكر، الاغتراب، السجن، العسكرية، الحروب، الحصار، الكدح. مراحل متداخلة مررت من خلالها على الآداب الروسية والامريكية والالمانية والفرنسية والانگليزية فضلًا عن آداب قارتي امريكا اللاتينية وافريقيا حيث روعة

وسحر السرد الذي ما بعده سرد. فضلًا عن مروري بالادب العراقيّ ابتداءً من (فؤاد التكرلي) (غالب طعمة فرمان) (جمعة اللامي) (فاضل العزاوي)، وجيش كبير من مبدعي العراق، ثم مرورًا بالادب العربي، (نجيب محفوظ) باولاد حارتنا، الطريق، الثلاثية، و(يوسف ادريس) في مجاميعه القصصية كلها والنداهة والحرام والجندي الاسود، ثم العظيم حنّا مينا والرائع زكريا تامر.

اما الشعرُ العاميـ فتفتحت الذهنية على الثلاثي الكبير، (مظفر النواب، عريان السيد خلف، كاظم اسماعيل) ثم (شاكر السماوي، علي الشباني، طارق ياسين، ابو سرحان) وكثير غيرهم. ثم الشعر ُالعربيّ بشعراء العمود الجاهليين حتى العصور الحديثة وفتوحات (السيّاب) ومجايليه من شعراء التفعيلة، انتهاءً باروع شعراء النثر ومنهم العظيم (عيسى حسن الياسري) ثم جاءت مراحل الشعر الاوربيّ وعوالم (لويس اراگون، جاك بريفير، بودلير، مايكوفسكي،رسول حمزاتوف، بوشكين، إيلوار ، ييتس، يانيس ريتسوس، انتهاءً بالرهيب إميل سيوران). مراحل كثيرة ومتداخلة وجدتني اخوض من خلالها غمار الكتابة رفقة صديقي العمر ا(لفيلسوف الاديب المرحوم خضير ميري) و(الشهيد المغيب جليل عبد الحسين) فكانت البداية من رداء الشعر العامي تدرجًا الى الشعر العربي فالقصة فالرواية فالنص المسرحي فضلا عن وجهات نظر ورؤى نقدية. قبل ان ألج إلى عوالم الإعلام محررًا ثم سكرتيرًا للتحرير ثم رئيسًا للتحرير. ليصبح في جعبتي منجز ًا ربما يعتدّ به قليلًا حين تُطلب مني سيرتي الادبية.

بدايات ومخاضات لا تختلف كثيرًا عن البدايات التي مرّ بها معظم كتاب وادباء العراق.

***

راضي المترفي

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5936 المصادف: 2022-12-06 01:17:59


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5996 المصادف: السبت 04 - 02 - 2023م