أقلام ثقافية

المولدي فروج: حال الكتاب بين "الرقمي والورقي"

لا ينبغي أن أنحاز إلى الكتاب الرقمي ولا أن أنصِّب نفسي مدافعا عن كبرياء الكتاب الورقيّ المهدور. ولا أخفي قناعتي بأن حظ الكتاب الورقي سيكون مثل حظ التكسيفون في صراعه مع الهاتف الجوّال.

لكنّني عندما أبحث عن كتبي الأولى المنشورة في بداية الثمانينات من القرن الماضي ولا أراها الا في مكتبتي الخاصة أطرح على نفسي سؤالين بسيطين:

الأول: لماذا انسحبتْ أو اندثرتْ الكتب المهمّة وإن في الدراسة والبحث في زمن قصير جدا؟

الثاني: هر نحن مقدمون على عصر الكتاب ذي الاستعمال الواحد؟

وقد تأتي الاجابة من الواقع والواقع مقنع بالرغم عن الأهواء والأماني والأمزجة. يقول الواقع إن العالم مُقْدم على تغييرٍ عميق لا أحد يدري حجم المعجزات التي سيجود بها علينا. وأنا أخمن أن العلاقة بين الصّنفين (الورقيّ والرّقمي) ستتحسّنُ لتصبح علاقة تكامل لا علاقة تنافر، متوقِّعا أن تكبر الهجرة نحو الوسائل المسموعة والمصوّرة. فالكتب الرّقمية مستمرة في التّطوّر والانتشار بفضل ما أصبح عليه العالم الافتراضي من سهولة وسلاسة فهو   معروض لكل راغب فيه، منفتح لكل من طرق أبوابه ومستسلم لكل باحث، دون أن يحتاج إلى كثير من الدّراية، إذ يحتاج فقط إلى قليل من الصبر والجهد والى خبث وحيلة جميلة. إنه يشبه إلى حد كبير عالم الإبداع.

 فهل يختلف الكتاب الرقمي عن الكتاب الورقي أم يخالفه؟

الكتاب الرّقمي نصّ مكتوب ومقروء بلغة ما، يشبه النّصَّ الورقيّ في الإعداد والإحضار والجمع ويخضع للمراجعة والإصلاح إلا أنه يختلف عنه كثيرا فهو مكتوب على حوامل الكترونية ذات شاشات للقراءة ويخضع إلى تصفيف خاص يُمَكّن متصفِّحه من الوصول السّريع   إلى مختلف عناصره وإعادة الرّبط بين الفقرات إن لزم الأمر، ويمنحه أساليب البحث السّريع والاسترجاع. والكتاب الرّقميّ قابل لإضافة الصّوت والصّورة إليه بحيث يستطيع القارئُ سماعَ صوتِ تقليب الورقة كلما طُويت صفحةٌ أو الاستمتاعَ بموسيقى مصاحبة للنّص. ومن خاصيته أيضا أن محتواه يُخزَن في ملفّات ويودع في حاسوب سواء بالكتابة على لوحة المفاتيح أو بماسح ضوئي يتولّى تصوير الكتاب وخزنَه. وهكذا يكون الكتاب جاهزا للقراءة أو للنشر على الانترنت وقابلا للتنزيل في أي مكان من العالم، ومحمولا في الجيب.

ظهر الكتاب الالكتروني سنة 1971 في أمريكا على يد مايكل هارت الذي أراد أن يؤسس مشروعا سمّاه غوتنبارغ يهدف إلى تحويل عديد الكتب وخزنها في مكتبة رقميّة ليتفاعل معها النّاس عن بعد.

استمر النّشر الالكتروني بطيئا نسبيّا ثم انفجر دفعة واحدة في العشرية الأخيرة من القرن الماضي وأقنع الناس بمزاياه المتعددة. ويمكن أن نسوق بعضا من هذه المزايا:

1 ـ مدة انجاز الكتاب الرقمي قصيرة.

2 ـ الكتاب الرّقمي متحرّر من شروط الطّباعة.

3 ــ تكلفة إنتاج الكتاب الرّقمي بسيطة.

4 ــ سرعة الانتشار والارسال الشبه مجاني.

5 ــ يستجيب بسرعة لكل سائل وباحث عن معلومة.

6 ــ سهولة في الاشتغال على النص وإصلاح الأخطاء حتى والكتاب منشور.

7ــ يمكن اختيار شكل الغلاف وألوانه وحجم الكتاب في ظرف وجيز

8 ــ يستجيب للتّرجمة الفورية.

9 ـ يُحمَل في الجيب مع آلاف الكتب في قرص فلاش واحد.

10 ـ يمكن إنتاج الكتاب الرقمي أو الصوتي في المنزل.

لهذه الاسباب بادرت بنشر كتبي على الانترنت، تحديدا على موقع الامازون لهدفين

اولهما سرعة وسهولة الانتشار. وثانيهما امكانية البيع ودوام العرض. اذ يكفي ان يكتب القارئ اسم الكاتب على الموقع بالعربية او باللاتينية لتبدو له غلافات الكتب وطريقة الاقتناء وكيفية التحويل وشكل الكتاب.

وهكذا يطمئنّ الكاتب على كتبه. فهي لن تندثر ولن تمزّقها الأيدي ولن تؤذيها رطوبة المكتبات. يكفي ان تبقى نسخ منها في الارشيف الوطني لتأثيث الذاكرة الجماعية. أما المعروضة للقراء فالأفضل أن تبقى حيّة على الانترنت.

***

المولدي فروج

في المثقف اليوم