أقلام ثقافية

غريب دوحي: من ذكريات الطفولة.. أعياد البصرة أيام زمان

ذكريات الأعياد في الطفولة لها طعمها الخاص ذلك لأنها تكون مقرونة بمناسبة لا تمر الا لماما.. تمر علينا مرتين في كل عام؛ مرة في عيد الفطر وأخرى في عيد النحر.. ذكريات لا تزال مخزونة في خلايا المخ لم تستطع سنوات العمر التي تجاوزت السبعين عاما من محوها. تبدا الذكرى من منتصف او نهاية الخمسينات وتحديداً بعد قيام ثورة 14 تموز المجيدة، اما المكان فهو بيئة فقيرة بكل شيء؛ أهلها الفقراء الذين يسكنون (الصرائف).

واكواخ الطين هي محلة القبلة القديمة كنا مجموعة أطفال من هذه المحلة البائسة في مرحلة الدراسة الابتدائية ومن هنا تبدأ رحلتنا مع اول عيد (عيد الفطر).. قبل يوم واحد تبدأ الاستعدادات اللازمة.. أولها الاستحمام ليلاً ثم تحضير الملابس الجديدة والتي غالباً ما تكون دشداشة مخططة بالألوان الزاهية فهي (دشداشة العيد) نستيقظ صباحاً قبل استيقاظ العصافير استعدادا للرحلة نبدأ (بمعايدة) الاهل اولاً حيث تدشن جيوبنا بكمية من النقود المعدنية الثقيلة التي كانت متداولة آنذاك ثم نجوب الشوارع في دوريات غير قتالية ونزور الأقارب فتملا الجيوب وتطفح النفوس في الفرح لان الفلوس (العيدية) هي اهم مستلزمات رحلة العيد.

ففي البصرة ثمة ساحة تقع في محلة المشراق تسمى (ساحة الدواليب) بها من الألعاب الشعبية البريئة مثل (صندوق الدنيا) ولاكن ما موجود فيها لا يرضي طموحنا فليس فيها الا بعض الألعاب البسيطة (فوق السبعة وتحت السبعة) و(رأس مقطوع يتكلم) عندها نشد الرحال الى العشار حيث المجالات ألأرحب. تنقلنا مصلحة نقل الركاب بعشرة فلوس ونحن في هذه السيارة نرسم خطة عملنا لذلك اليوم...

محطتنا الأولى (ام البروم) حيث حديقة الملك غازي التي سميت بعد الثورة حديقة الشعب وهي حديقة واسعة ارضها خضراء واشجارها زاهية قطوفها دانية نسرح فيها ونمرح بعض الوقت لكن المحطة الثانية هي الأهم حيث دور السينما سينما الرشيد والوطني في الأولى (فلم هندي) وفي الثانية (فلم طرزان) ونختار ايهما الاحسن تنقسم المجموعة الى قسمين وأخيرا ترجح كفة طرزان فنغوص داخل سينما الوطني نجلس على كراسي (أبو الأربعين) فلسا وندخل مع طرزان الى غابات الامزون نقفز معه من شجرة الى شجرة نضحك مرة ونصرخ مرات ثم نخرج منها سالمين يقابل سينما الوطني رجل يبيع المأكولات على الرصيف يعلن عن بضاعته قائلاً ابيض وبيض حيث يكررها عدة مرات والأبيض هو الخبز الأبيض والبيض هي بيضة مسلوقة مع بعض الخضروات حيث تشكل ائتلافاً غذائياً لذيذاً يسمى محلياً (لفة) وسعرها (10) افلاس واذا اضيف اليها الببسي كولا يرتفع سعرها الى (15) فلسا.  ... شارع الكورنيش يكون محطتنا الثالثة أشجار باسقة ومنظر شط العرب ببواخره الراسية وسفنه وزوارقه يغري بالتقاط الصور التذكارية عشرات من المصورين يجوبون الشارع بحثا عن صيد يقابلنا احدهم بابتسامة مصنعة فالاطفال صيد سهل دائما هل تريدون التقاط صورة الجواب نعم فنصطف امام شجرة كبيرة نحبس انفاسنا يطلب منا المصور ان نبتسم (ابتسامة العيد) فنبتسم اضطرارا بناء على طلبه.. نذرع الشارع طولا حتى حديقة كبيرة بأشجارها وارضها الخضراء الواسعة في وسطها نافورة ترش علينا الماء بشباب وشابات جميلات وعوائل هنا وهناك تفترش الأرض فتكتمل الصورة : الماء والخضرة والوجه الحسن أيضا... وعادة ما تكون حدائق البصرة نهاية المطاف لهذه الرحلة الشاقة كحديقة الشعب وحديقة الأمة التي تقع في شارع الكورنيش شط العرب يشاركنا فرحة العيد بأمواجه المتراقصة فيحمل افراحنا في زوارق وابلام عشارية وبعد جولة في هذه الحدائق نعد نقودنا كنا نحرص ان تبقى لدينا عشرة فلوس كي نعود الى البصرة في مصلحة نقل الركاب هذه هي الصورة الأولى... فما اجمل وما ابهى وما انقى تلك الأيام سلاما على تلك السنوات والاشهر والأيام التي مرت علينا خفيفة كالنسيم وحلوة كتمر البصرة... انها عصرنا الذهبي الذي لن يعود.

***

غريب دوحي

 

في المثقف اليوم