 أقلام فكرية

سامي عبد العال: العَراء الافتراضي.. الفلسفةُ والمَسْخ (2)

سامي عبد العال"إذا أرادَ المُثقفُ أنْ يُصبحَ رجُلَ سلطةٍ، فلن يتحول القِردُ إلى أسدٍ .."

"ليس غريباً أنْ تُحرِر التقنياتُ والوسائطُ عُقولَّنا من سَطوة المفاهيم.."


 بالرغم من سلبيات (العراء الافتراضي) فيما يبدو للبعض، إلاَّ أنها تعبر عن محض ايجابيات بشكلٍّ أو بآخر. فهو فضاء قادر على كشف أبنية المجتمعات أمام فاعليها المختلفين. ويا لها من (مهمةٍ مُثابرة !!).. تلك المهمة الحرة التي كانت تنوء بها الثقافة كما تنوء طاقة الحياة بقوة الموت. وهذا يدعونا دوماً لتفهم ممارسة (الحجْب والتغطية) من قبل السلطة في مجتمعاتنا العربية. إذ أن أنظمة السلطة (بأية عناوين) كانت تنحو هذا النحو. فقد تكون سلطة اجتماعية أو سياسية أو دينية أو أخلاقية أو معرفية، بيد أنها جميعاً تلتقي عند (منطق الحجب) عاقدة العزم لتكلمة المسيرة حتى النهاية.

ربما يقول قائل إنَّ إبراز الآثار الجانبية للتكنولوجيا يهدرُ الإفادة من التقنيات التواصلية الحديثة ويخلق نوعاً من (فوبياً الحقيقة). وهذا القول ليس صحيحاً على الإطلاق، لأنَّ الآثار العمومية غير المرغوبة هي الطريق الأول لتصحيح الصورة الطاغية، كما أنها من (طبائع الاستعمال التقني) لتلك الوسائط، بل هي موجودة بالأساس لمعرفة نبض الواقع وتحولاته.

لقد خاض التفلسفُ الراهن داخل تلك المساحة الافتراضية الكبرى، وبات التفكير الفلسفي (وسيطاً ثقافياً cultural mediator) يناقش كافة القضايا العابرة والأساسية جنباً إلى جنب وحوَّل ما هو هامشي إلى نوع من متن الحياة. مثل " الدين الافتراضي" و"أسواق الأيديولوجيا" و"الاعتراف بالآخر" و" ميتافيزيقا البيئات الافتراضية" و"الرغبات التقنية " و" النسوية التواصلية "... وما يصاحب ذلك كله من اشكاليات تتعلق بمعاني الحقيقة والإختلاف والإعتقاد والحرية والتعددية الثقافية وغيرها من قضايا. والفيلسوف الراهن يبدأ من نقطة (تعريف) المثقف إلى نفسه، تعريته أمام ذاته الخفية أولاً، بالضبط مثلما تحاول وسائط الذكاء الإصطناعي عمل ذلك بالنسبة (لمتابعيها ومستغليها) على السواء في المجتمعات الإنسانية.

وهذه الخطوة  لا تخلو من إصالة فلسفية جديدة، متمثلة في توضيح ما هو جذري وفاعل في عمليات التواصل والتخييل وكيف تغير أنماط الوعي والحياة. أي أن (الافتراضي) لا يمثل بديلاً فائضاً عن الحاجة، لكنه البديل الأوفر طاقة على تغيير الواقع، وأنَّ الفلسفة أخيراً قد وجدت وسيطا ثورياً ناجعاً في تشكيل الذهنيات وإبراز أفكارها ملتحمة بالثقاقات الجارية من أقرب الطرق.

المسخ والسلطة

مع احساس (المثقف المسخ) بقوته الناعمة نتيجة تأثيره في حالات(القمع اللاواعي) لا يستطيع الاستفاقة من تلك الغيبوبة اللذيذة. لعلَّه داخل أتون ينصهر فيه كيانه بكل أريحية، كأنّه قد أخذ قدرات إضافية عندما يراه المتابعون على نطاق واسع. تستغل السلطة المثقفين في اشباع مناطق النقص(لديهم ولديها)، هذا التواطؤ البرجماتي في تسلق أحدهما على الآخر، ليتم تبادلياً تسويق خلفية الوعي العام الذي لا يملكانه إلى الشعوب. فعندما تعطي السلطة المثقفين حالة الشهرة المخدرة، تفرز وتقرِّب صاحب الولاء الأكبر لمصالحها الخاصة.

وبذلك تظهر حلقات مترابطة: الكائن الغامض(المثقف المَسخ) الطامح إلى الشهرة والثروة وحياكة الأوهام والتزلف الرخيص والتقلب المفاجئ وتبديل المواقف وخدمة السيد الذي يسكنه. ثم هناك السلطة التي تستعمله وتحوطه من كل جانب (لعبة العصا والجزرة). في مقابل جماهير سائمةٍ لا تدرك غثَّاً من ثمين (الرعية- الدهماء)، حيث يعيش الجميع داخل مستنقع سياسي واجتماعي من التسلط والقهر دون استفاقة.

إذن مجرد التسمية حينئذ (أي المثقف، المثقفين) هو الوضع الخطأ والوصف الخطأ والكلمات الخطأ والسياق الخطأ. ليس لأنَّها كلمات لا تطابق مضموناً حقيقياً فقط، بل لكون التسمية خادعةً إلى حدٍ بعيدٍ ويتعلق بها ما ليس منها. فلئن كان ثمة شيء وهمي في حياة العرب المعاصرين، فهو عالم (الميديا والاعلام) الذي تعشعش فيه مآرب السلطة. إنه عالم يمسخُ كلَّ شيء مميز نافياً قدراته الخاصة لصالح ألعابها التي لا تنتهي.

القضية البارزة كالتالي: كيف يتم صناعة المثقف وسط العُري التقني والفلسفي الكاشف لكل شيء؟! هل يتسنى فرضه بصورة مقبولةٍ أو حتى غير ذلك؟ لماذا يُوضع تراتب للمثقفين كأنَّه قائمة شفافة بأهميتهم؟ في المقابل ثمة فضول لمعرفة دور المثقف واهميته الفعلية: أليس المثقف هو الكائن القلق وجودياً ومعرفياً مع تأرجح المصير؟

حقاً المثقف- بخلاف ما سبق- هو تاريخ ثوري من التفكير التأسيسي الناقد، تراكُّم معرفي يتبلور في رؤى للعالم والحياة والتاريخ. ولذلك يقترن تفكيره - أو هكذا يُفترَض- بمواقف حية تُجدد الأفعالَ وتقرِّب احتمالات المستقبل. ذلك بفضل معايير نقدية تميزه عن بقية محترفي صياغة الأفكار والمهارات والرؤى. وإذا كان بإمكان أيِّ شخص الاسهام في مجرى الأحداث فهو المثقف، لأنَّه يظل مرهُوناً بقضايا ضروريةٍ كليةٍ لا مجرد انحيازٍ شخصي.

هذا الحال يقترح اهتمامنا بأسئلة فلسفية: كيف نفهم أنساقَ الثقافة بواسطة التداعيات الظاهرة لما هو ممتد تاريخياً؟ أية طبيعة هناك للممارسات الثقافية بالنسبة لليومي والتراثي معاً؟ لماذا تأتي الأعماق الثقافية السحيقة زمنياً في عصور لاحقة دون سواها؟! ماهي إمكانيات الحياة الإنسانية بالنسبة لنا في مسيرتها التاريخية؟ المثقف المؤثر هو إنسان بنَّاء ونحّات عملاق للمعاني والتصورات وصائغ محترف للرؤى والآمال والعواصف الفكرية. وهو يُفاجِئ فاعلي الثقافة بتفسير حركتهم اليومية راسماً آفاق نافذة لم تكن مطروقةً من قبل.

إنَّ (الواقع الغامض) عادة هو حجاب الثقافة العربية الغليظ الذي يصعب اختراقه (بموجب الغلبة والغنيمة في كل مجالات الحياة). فالواقع لدينا صلد لدرجة الاستحالة وغير قابل للزحزحة من أول وهلة ودائم التلون والتفلت، ويؤشر إلى مفاهيم الحقيقة والآن والتاريخ والذاكرة والأفعال العامة وماذا ستكون غداً. كل ذلك في إهاب مطلق لا تستطيع الاقتراب منه مباشرة. وحال تفكيكه سنجد حركة الثقافة كامنة فيه (أي في الواقع) كهسيس الخفاء غير المحسوس. وأنه ما لم تتجدد الثقافة وتتحطّم قيودها، لن تفلت من محددات الواقع الكلي القابل للتكرار.

وللأسف فإنَّ كلَّ ما يعري ذلك من أنشطة لا قيمة لها بالنسبة لمهام الثقافة في مجتمعاتنا العربية. طبعاً لا قيمة لها حال استخدام رمزية المثقفين بسطوة الرواج الإعلامي المشار إليه. ولكن إذا كان العصر الراهن عصراً افتراضياً وفضائياً بلا منازع، فقد خلق واقعاً بديلاً (مختلفاً) عن حركة الواقع الأصلي الذي نرتكن إليه. فوق ذلك أخذَ يقلِّب الصور النمطية عن الحركة والعمل، بل دخل إلى جوف التفكير ذاته والقدرة على معادلة التصورات الجارية.

لنكتشف أنَّ الفضاء الاعلامي أظهر ماذا عساه أنْ تكون حدود الوعي نفسه. لأنَّه فضاء يتعلق بالإلحاح على ما يريد دونما أدنى شعور بنواياه الحقيقية. الاعلام بمجمل وسائطه وتقنياته هو أخطر ما يمرر المآرب والأهداف من غير الإمساك بها. ولأنَّ مجتمعاتنا العربية مغيَّبة على صعيد ما يحدث بالعالم، فإنَّ استفاقتنا الفكرية ربما تأتي من "فاعل بيتيٍّ" مهمش اسمُه وسائل التواصل الاجتماعي.

أمَّا التليفزيون فلا يأتي بماهية الأشياء حصراً، بل يرتبط - في سياقنا الثقافي- بالأنماط الزائفة منها، بحكم أنَّ الشاشة الفضية ليست عالماً مستقلاً وحُراً على الدوام. إنَّها "أنياب سلطة" تنهش عقول المتلقين (ليلاً ونهاراً) بفعل فاعلٍّ، وكلُّ ذلك بلا تحديد ولا تصفية للشوائب.

قَلْب المعايير

هكذا باستطاعة الشاشات الفضية قلب المعايير رأساً على عقب. بل لم لا تقلب صورة الحياة كلهاً بتلك الطريقة؟! فالمجتمعات العربية التي نراها خلف الشاشة ليست هي الحالات الجمعية الجغرافية المشار إليها. لأن هناك صوراً مضاعفه تبرز وتخفي وتقص وتحذف وتستبعد وتعيد تركيب المشاهد. وهناك أحداث تصنعها الشاشات لتقديم فكرة ما ليست هي الحقيقة. وإذا كان التليفزيون والاعلام في العالم كله وسيطاً معرفياً كاشفة لدرجة النقد، فليس لدينا كذلك بهذا التوصيف على سبيل المثال.

1- لأنَّ الثقافة العربية لم تواكب صناعة هذا الوسيط ولا تطويره لأغراض معرفية ولا حياتية ولا إنسانية. كانت تاريخياً ثقافة تتلقى الوسائط كما تتلقي السلع التجارية. ومازالت لم تستطع التعامل معه تبعاً لما يليق بعصر من الانفتاح والتحرر والانتاج العلمي. وأبرز جوه ذلك هو الاستهلاك الفكري والجسدي. فلئن كانت السلع تستدر غرائز الناس لمزيد من الهوس بالتسوق، فالسلع الاعلامية وصورها تؤكد اشباع التلقي السلبي وأخذ مواقع المشاهد واهدار الطاقات. وتدريجياً يصبح المواطن مجرد كائن فارغ لاهث على نواصي الأسواق وبين السلع الرمزية.

2- أممت السلطات السياسية الشاشة ووسائل الاعلام بحيث لا يُسمع خلالها إلاَّ صوت أحادي مُنفر. واختزلت الحقيقة في تلك النافذة الضيقة لعباً على لا وعي المشاهد واجتراراً لتراث من القمع البصري والفكري عبر استديوهات هوائية براقة. والتأميم في جوهره هو ابطال لقدرات العقل على الاتيان بشيء مختلف. لأنه تفكير عمومي سائد بالإنابة عن حرية الإفراد. وبدلا من غرس التنوع الفردي، يصبح لدينا نمط بصري وخيالي واحد. إذن لماذا سيجهد الفرد نفسه بالتميز؟! الواقع يرسم له المسار ويجهز له ثوباً ثقافياً تم تفصيله بحسب الحجم والحدود المعلومة.

3- كانت الشاشة منفذا لملء الفراغ الروحي والفكري نتيجة غياب الثقافة الحرة ونتيجة غياب الاعتراف بالاختلافات والتعددية. أي أنه نظراً لأنَّ الواقع فقير لدرجة العجز بأغلب الاحيان، فقد جاءت الشاشة حيلة لتأسيس واقع مضاعفٍ. وهو ما اسهم في إثارة نعرات الحشد وتهيئة الأجواء لأي متطرف عابر لملء الفراغ. والمتطرف الوارد هنا ليس دينياً فقط وإنْ كان هو الأبرز، لكن قد يكون صاحب ايديولوجيا مغموسةً بالتلاعب على أحلام الجماهير وازدراء مشاعر البسطاء. وهذا معناه تجريف مخزون الإنسانية المفترض لدى المشاهدين. ودون أدنى اعتبار لهم، سيكون هناك دفعٌ باتجاه تصفية المجتمعات من قدراتها الفاعلة ولن تجدي أية رؤى منتجة لتحريك دوافعهم للعمل والانتاج في مواقع أخرى.

4- حصرت الشاشة الحقائق في الشكل المعكوس للسلطة القائمة. لأنَّ الأخيرة عودت أعين المتابعين وأسماعهم على رؤية الوقائع والاحداث عبرها لا غير. لدرجة أنَّ بعض المجتمعات العربية لا تُصدق الحقائق والأحداث والمعلومات، أية معلومات، إلاَّ إذا كانت من شاشات الأنظمة السياسية الرسمية. وهذا هو القمع الناعم لكل اختلاف ممكن مع السلطة، وليس أقل من اعتباره اغتصاباً لوعي المتلقي حين لا يراد له معرفة أي شيء إلا ما هو مسموح به.

فرغم كل هذا العراء المعاصر إلاَّ أن السلطة تقلص مساحة العلن والمعرفة والشفافية، كأنه عالم غير موجود. وهو ما يجعله عراءً أكثر تحرراً وأكثر تأثيراً في واقع الناس. مع الأخذ في الاعتبار أن هناك تنوعاً لا حصر له فيما هو متاح، وبالتالي يبدو أمراً غريباً حصر الواقع فيما هو مفروض من قبل قوةٍ ما. وكذلك ستجد السلطة نفسها عرضة للافتضاح فيما تمارس. لن تكون بمنأى عن عمليات التنقيب النقدي هنا أو هناك. و من تلك الجهة، يبدو أنَّ التقنيات التواصلية ليست إلاّ وسيلةً في كيفية إظهار وتوصيل وعرض ما ليس معلناً. وإظهار تفاهة أي عمل يكتنز الحقائق ظانا منه أن" لا أحد يعرف".

5- اضحت الشاشة (حظيرة ذهبية) لترويض شغف الجمهور وإدارة الوعي والآمال. وذلك باسم الثقافة العامة التي تنظم الحشد وتمرِّن عقله على الخنوع والاستسلام. من هنا، تمَّ اللعبُ على شهوات الحشود وغرائزها إلى أقصى مدى. وجرى هذا حينما ارتبط الاعلام بالأشياء العابرة وأوقات التسلية وقتل الفراغ بلا حدود.

والمفارقة هي كون الاعلام لا يضمن الواقع بسبب وظائفه التواصلية والاخبارية ليس أكثر. وعليه فقد كان الاعلام مصيدةً ماكرة للوعي اليقظ وإن ادعى عكس ذلك. ولو القينا نظرة على ما يجري في الاحداث السياسية هنا أو هناك، لن ندرك أية حقائق ستقال، هذا إذا كان الاعلام معنياً بها أصلاً ضمن أولوياته. لأنَّ الشاشة مثل الغربال الذي ينقي ما يريد، بينما جميع الأشياء تسقط من فتحاته التي قد تتسع أو تضيق بحسب المطلوب. وقد يكون الساقط – وهو كذلك تبعاً لأهداف الخطاب- هو الأهم والأجدى في مجمل الأحداث والأحوال.

6- غدا القول الاعلامي خطاباً عدوانياً ديماجوجياً. إنَّه يفترض طوال الوقت افتراساً لأعداء مفترضين في مكان ما. ودوماً له دورٌ في الصراع بواسطة خلق مساحات لإجهاض التربص والمؤامرة على الدولة والتاريخ والمجتمعات. وطبعاً هذا يغذيه الرضا الذاتي ضمنياً على حال أنظمة الدول ومؤسساتها وأنها تخطو في الطريق الصحيح بثبات وتطور، بينما هي أنظمة سياسية مرعوبة من مجرد صور ملقاه في العراء الافتراضي!!

ولذلك دخل المثقف كطرف حيوي على الأرض، لأنه نذر نفسه منافحاً أولاً وأخيراً عن  وجود السلطة، وهي تحتاجه في تزكية التناحر الخفي مع هؤلاء الاعداء. ولا يفوتنا التذكير بأنهم- من وجهة نظرها- اعداء يتزايدون باستمرار. وحتمياً لن يكون ثمة مفر من مجابهتهم على صعيد العالم كله كما تريد إيصتال الفكرة، طالباً (أي المثقف) من المتلقين مشاركته الوهم الضخم بأن هناك من يتربص بهم في كل وسائل الاتصال، وأنها موضوعة بالأساس لأجل هذا الغرض الخبيث. وأن الحياة كلها لا تهم بل تصغر أمام هذه المهمة المقدسة، مهمة الشحن والتزيد والتهويم.

الآن كان على المثقف المَسْخ أنَّ يراوغ كلَّ تفكير حر لصالح تلك الحظيرة الفضائية. والمشكلة ليست ما إذا كان التليفزيون قد طور الحياة والمعارف أم لا كما يتساءل بيير بورديو. لأنَّ الثقافة لدينا نحن العرب ليست حرة التكوين من الجذور، من الأساس البعيد. فلا  حدود (لمجال عام) تستطيع الافلات من سلطة الدهماء مرةً أو سلطة الجماعة الموروثة مرةً أخرى أو السلطة القمعية سياسياً(الوارثة لذلك كله) مرةً ليست بالأخيرة.

و من اللافت أن الثلاثة (الكتل الشعبوية، الجماعة، السلطة) يربطها تضامن تاريخي لا تنفصم عراه، حتى إذا حلَّت إحداها (صنعت) في حقبة ما جاءت بالأخيرتين. وهذا ما يجعل الثقافة فعل ترويض للمجتمعات داخل سياج من التوائم السياسي والديني والاجتماعي المتشابك. إنَّ هذا التواطؤ يتعاطى التغذية الراجعة كعمل قيد الممارسة الزمنية باستمرار، في الثقافة العربية الراهنة إزاء أي مواقف ناقدة، تجيش السلطة السياسية من واقع هذا التضامن كل أسلحتها الدينية والشعبية والثقافي لإجهاض المواقف في مهدها. وفجأة تجد نقطة الالتقاء بين هذه العناصر لصالح السلطة. وبلا مبرر تتبادل المواقع من أي منها وتجد كل الدعم المجاني بصرف النظر عن أية معايير ولا أسباب المواقف النقدية ووجاهتا من عدمه.

المثقف - الفيلسوف

المثقف- الفيلسوف هو النموذج الجديد الناجم عن شيوع الواقع الافتراضي. نموذج ينتج عن وظائف مختلفة للثقافة والفلسفة، حيث توفر آليات ومفاهيم فلسفية مبتكرة وباتت تستعمل قضايا واسعة الانتشار في آفاقها الإنسانية والكونية. أي اتسع نطاق التفكير ليخص أي انسان على وسائل التواصل. فلو تم تداول صورة لحداثة أو لمشكلة يعاني منها البعض، سرعان ما تجتذب رؤى كثيرة تقترح حلولاً أو تطرح أفكاراً مختلفة من كل حدب وصوب.

إنه ما لم يمتلك المثقف قدراته التساؤلية المقاوِمة (بناء على الأفكار الفلسفية)، لن يكون إلاَّ فريسةً لأي من هذه السلطات التي تدجنه لدرجة الانسحاق. فالمثقف نشأت معه- أو هكذا يفترض نقدياً- بذرة الفعل العمومي المؤثر تجاه الأفراد والمجتمعات. وكم خاضت الفلسفة صراعاً تاريخياً مريراً مع أرواح شريرة لطالما استولت على ما هو عمومي (الخرافة، الاستبداد، العبودية، الكهانة، الأيديولوجيا، العنف، الارهاب، الديكتاتورية).

هذا الفعل الرافض ينبغي على المثقف حراسته عن كثب كما تحرس الكائنات الحية قوانين الحياة بغرائز الطبيعة وأحوال العيش وانتاج الجديد. وعلى المثقف أنْ يتفلَّت من أي نزوع مغرٍ لامتلاكه حتى ولو من آليات الفعل المشترك. أي عليه أن يحطم صورته التقليدية هي ذاتها من حين لآخر، لأنه (كائن متمرد عمومي) لم ولن يكون مروضَّاً باي اسم من الأسماء البراقة التالية: السلطة، المجتمع، المعرفة، الدين، التراث، الايديولوجيا.

وبالتالي علينا أنْ نغير وظيفة المثقف من كونه (خادماً وتابعاً) للأنظمة السياسية إلى اعتباره (كائناً عصياً) على الاحتواء والتصنيف استعصاءَ المستحيل، هو الفكر النابض بأخطار القادم الذي يلوح في الآفاق، أي أنَّ طبيعة المثقف من جنس (الفعل العمومي) الذي ينخرط فيه. ليس عمله فردياً وإن أراد وليس تفكيره خاصاً ولو أقتنع به وليست توجهاته منحازة وإن حققت له مكاسب عاجلة.. وإلاَّ سيلتهمه كل صاحب سلطان، لكنه الكائن المقاوم والرافض الشرس لسياسات القمع والتخويف بناء على فهم ومعرفة تفوقان قدرة السلطة تجاه مواطنيها وموضوعاتها. فالمستقبل الذي يبرزه ويقرب أوجه الممارسة الداعية إليه هو القوة التي تجعله متجاوزاً لوجود أية سلطة باستمرار.

لو لم يفعل المثقف سوى مقاومة عمليات المسخ، لكان راسماً لدوره التاريخي على الأصالة. وربما الفيلسوف الراهن قد انزلقت قدماه إلى تلك المساحة من الوجود الثقافي حيث حاول ممارسة انتقادته وتساؤلاته البعيدة. وحين يتصور المثقف العام لدينا أنه بعيد عن الفلسفة، فتصوره هو الذي يجعله فريسة سهلة لأي تدجين. ولقد آن الأوان كما تكون تلك المساحة غامضة فهي الباب الضيق لدخول الفلسفة إلى ساحات السياسة وأسواق الأيديولوجيا والاقتصاد.

قريباً سيتوحد المثقف مع الفيلسوف في كونه (جوالاً افتراضياً) يخاطب انسانيتنا المشتركة مباشرةً دون حواجز. والفكر القادم هو الفكر التمثيلي الناقد والوسيط المتخيل لتغيير أي واقع قميء. لأن العالم الافتراضي وبرامجه وبيئاته الإبداعية سيحول الأفكار الفلسفية إلى طاقة خيالية وتقنية على مستواها، لكن ستأخذها الثقافة إلى حيث التأثير في الممارسات اليومية، وليس أدل على ذلك من انخراط كم المتابعين الشعبيين وغير الشعبيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مناقشة القضايا وإجراء الحوارات حولها.

على الفلسفة أن تجد مكاناً فاعلاً ضمن هذه الوسائل، فهي ستضمن لها انتشاراً كبيراً ومنطقاً عاماً يمكن أن يتقبله الناس، شريطة أن يكون سهلاً وممتعاً وقابلاً للتداول وداعياً للمشاركة والممارسة. وليس بعيداً أن يشغل الفلاسفة في المستقبل القريب صفحات ومواقع العالم الافتراضي نشاطاً وتفكيراً حراً. فكما كان الفلاسفة مشائين وجوالين يجبون المدن بحثاً عن بكارة الطرح وإدهاش الاستفهامات وطزاجة القضايا والأحداث، يمكن لهم ممارسة الترحال الافتراضي بالوظيفة ذاتها. بل سيكون ثمة خطاب فلسفي ثقافي جديد مغاير في طبيعته وآفاقه لما سبق. حيث لا يمايز الإنسان فيه بين متلق ومنتجٍ، بل الأهمية ستكون لعمليات التفاعل. والتفكير لن يكون مجرداً، بل مختزلاً ومكثفاً ووسيطاً وتمثيلياً على مستوياته الافتراضية. وهذا التفكير الخلاق من حيث طبيعته يحرك حزمة المعاني والأخيلة معاً لصياغة بيئات ثقافية جديدة.

 

د. سامي عبد العال

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5650 المصادف: 2022-02-23 02:08:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5783 المصادف: الاربعاء 06 - 07 - 2022م