أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: جدل العقل وقوانين الطبيعة

هل طبيعة العقل جدلية كما يقول هيجل؟

وهل قوانين الطبيعة وجدت يحكمها الجدل الديالكتيكي كما يقول انجلز؟

لا تعتبر مصادرة فكرية فلسفية قولنا ان كلتا العبارتين خاطئتين.

في تخطئة عبارة انجلزفأن قوانين الطبيعة ثابتة فيزيائيا وهي قوانين ليست من صنع الانسان ولا يمكن التلاعب بها ولا دخل للانسان ان يحاول تغييرها بل قدرات الانسان معها هو في كيفية اكتشافها والاستفادة من تطبيقاتها في تحسين حياته والتكيّف المتعايش مع بعضها.

قوانين الطبيعة الثابتة يغلب عليها طابع الثبات العلمي والفيزيائي الدائم ولا تعي ولا تدرك تلك القوانين اهمية الدخول في جدل مع قوانين والظواهر التي هي من صنع الانسان. فالثابت من القوانين الطبيعية لا يدخل مع قوانين العقل المصنوعة انسانيا المتغيرة باستمرار.

الديالكتيك الجدلي سواء في المادة او التاريخ يحكمه القانون الاول (وحدة وصراع الاضداد) بمعنى حركة التطور التاريخي جدليا اول ما تتطلب هو وحدة قطبي التناقض، وتعني الوحدة هنا وحدة قطبيي التضاد الجدلي بعلاقة تجانس نوعي متماثل بينهما فمثلا لا يمكن حدوث جدل تطور وحركة تضاد ديالكتيكي بين شجرة وحيوان. فهما لا يحملان المجانسة النوعية الواحدة كما ينفقد بينهما عامل التضاد بينهما. لذلك لا يحصل جدل بينهما ولا يمكن ان يحصل.

فالديالكتيك في المادة والتاريخ ومظاهر الطبيعة، كل نوع من جدل يحصل بين واحد او اكثر من ظواهر ما مررنا به المادة والتاريخ ومظاهر الطبيعة يجب ان يحصل بين قطبين متضادين يحملان المجانسة النوعية الواحدة كما يحملان التضاد في وجوب زوال السلب على حساب فوز ونجاح الايجابي الذي يحمل استحداث ظاهرة جديدة هي الاخرى محكومة بجدل تغييري دائم لا يتوقف. اذن كي نحصل على ظاهرة جدل ديالكتيكي علينا التوفر على:

- طرفان متضادان تحكمهما المجانسة النوعية الموحدة المتماثلة التي تجمع بينهما على صعيد وحدة التجانس النوعي.

- الطرفان المتضادان اللذان يشكلان طرفي الجدل هما طرفين تحكمها الحركة الدائبة المستمرة في رضوخهما لتقبل التغيير الذي سيكون حاصل عملية التضاد بينهما جدليا بوجوب اندثار وزوال احد الطرفين لحساب الاخر.

- كل جدل ديالكتيكي بين متضادين لا يتم الا في مساعدة ظروف موضوعية لا علاقة لارادة الانسان بها. وهذه الظروف تسمى العوامل المساعدة.

اما عبارة هيجل الثانية حول مقولته ان الجدل الحاصل في المادة والطبيعة والتاريخ انما هو انعكاس لرضوخ هذه الانواع من الجدل  لهيمنة وتوجيه وعمل العقل الذي طبيعته ديالكتيكية جدلية. فهذه مقولة مغرقة في مثالية مصنّعة من قبل فيلسوف مثل هيجل الذي لم يكن يعرف آلية حدوث الجدل في المادة والتاريخ واقعيا فرمى الكرة باحضان كل من فيورباخ وماركس وانجلز في مقولته طبيعة العقل جدلية لذا مرجعية كل ظاهرة جدلية هي مصدرها طبيعة العقل الجدلية..

بعض القراء لكتاباتي يعرفون اني كتبت نقدا في تخطئة عبارة هيجل الابتذالية هذه. عبارة هيجل خرافة ابتدعها فلا يوجد عقل بشري واحد عقله مبرمجا جدليا في طبيعته الخلقية البيولوجية التي وجد نفسه عليها. اراد هيجل الاستفادة من مقولة ديكارت الفلسفية الصائبة هي ان أعدل قسمة تجمع الناس انهم يمتلكون العقل. ديكارت لم يقل أن جميع هذه العقول المتساوية في وظائفها البيولوجية يجمعها خاصية واحدة انها جميعها تفكر جدليا ...او جميعها تفكر ميتافيزيقيا ولا ان تفكر علميا فقط ولا ان تفكر دينيا او اسطوريا فقط. فمن اين اتى هيجل فيلسوفنا الكبيربمقولته ان طبيعة العقل البشري جدلية. معتبرا جدل العقل هو سبب حدوث الجدل في المادة والتاريخ.

لو افترضنا ان مقولة هيجل طبيعة العقل جدلية صحيحة، وهذه الخاصية العقلية هي السبب الكافي الذي يجعل من الجدل الديالكتيكي في المادة والتاريخ وامور الحياة سارية المفعول.

فهذا الافتراض اللامنطقي فلسفيا واللاعلمي في تعليب خصائص العقل في نمذجة ابتذالية واختصارها بخاصية واحدة ان العقل بطبيعته جدليا على حد تعبير هيجل. ومن نافل القول تاكيد بديهية بايولوجية ثابتة انه في تعدد عقول الافراد الى ملايين بل مليارات من العقول المتفردة بالتفكير الخاص بها تصبح نمذجة تعليب خصائص العقل واختزالها بخاصية واحدة ان العقل طبيعته جدلية إسفاف فلسفي.

فالفكر الصادرعن عقل فلاح يختلف عن تفكير عامل وتفكير طبيب يختلف عن تفكير مهندس او عالم فيزياء وهكذا.من جانب اخر العقل الجدلي هو تفكير تجريدي لا يفرض نفسه ولا يكون سببا في إحداث جدل بالمادة او التاريخ خارج تفكير العقل التنظيري. في حين تذهب المادية التاريخية الماركسية الى ان جدل المادة والتاريخ هما سببا تفكير العقل جدليا.

***

علي محمد اليوسف

 

في المثقف اليوم