أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: حدود العقل التفسيري
متى يصبح الفهم شكلاً من إعادة الإنتاج لا الكشف؟
ليس الفعل التأويلي الذي يمارسه العقل البشري إزاء النصوص والظواهر والوجود الإنساني مجرد عملية منهجية محايدة يمكن ضبطها بقواعد صارمة، بل هو في جوهره مغامرة وجودية تتشابك فيها لحظات الكشف والبناء، والانفتاح على الغير والعودة إلى الذات، والإخلاص للمقصود والخيانة اللاإرادية له. هذه المفارقة التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها إشكالية تقنية هامشية سرعان ما تنكشف عن جذورها في بنية الوعي نفسه وفي طبيعة اللغة التي يتشكل بها المعنى وفي التاريخ الذي لا يحمله المفسر كعبئ خارجي يمكن خلعه عند عتبة النص بل كشرط قبلي لكل إدراك وكل حكم. ويبرز سؤال هنا لا يمكن للمعرفة الإنسانية أن تتجاوزه دون أن تنكر نفسها، متى يتحول الفهم ذلك الطموح الأسمى إلى تجاوز حدود الذات نحو معنى الآخر وإلى مجرد إعادة إنتاج مكرسة لأنماط ذهنية ورؤى ثقافية سابقة؟ ومتى يصبح التأويل عوض أن يكون لقاءً حقيقياً مع المغاير احتفالاً بالأنا في ثياب الموضوعية؟
إن هذه الإشكالية تمثل نقطة التقاء حاسمة بين تيارات فلسفية كبرى كانت تبدو متباعدة: الهرمنيوطيقا ونظرية المعرفة ونقد الأيديولوجيا وفلسفة اللغة. فبعد أن كان كانط قد أرسى حدوداً صارمة للعقل النظري مميزاً بين ما يمكن معرفته من ظواهر وما يظل في عالم الشيء في ذاته، جاءت الهرمنيوطيقا المعاصرة ممثلة بغادامير لتعلن أن الفهم ليس مجرد إجراء منهجي بل هو أسلوب وجودي للإنسان في العالم يتم عبر اندماج آفاق لا يمكن التحكم بنتائجه أو تنقية سوابق أحكامه. غير أن هذا التحول الوجودي حمل في أحشائه معضلة لم تحل بعد، إذا كان كل فهم مشروطاً بتاريخية المفسر ولغته وسلطته الرمزية فأي ضمان يبقى أن التأويل لا يتحول إلى أسر للمعنى المقروء داخل سجن المعاني القارئة؟ أليس اندماج الآفاق في تشغيله الأسوأ مجرد تمدد لآفاق الأنا على حساب أفق الآخر وتحويلاً للاختلاف إلى هوية وللغرابة إلى ألفة مميتة؟ فلقد نبّه فلاسفة الشك الجينالوجي من نيتشه إلى فوكو وإلى أن المطالبة بالفهم الموضوعي كثيراً ما تكون غطاءً لفرض إرادة القوة أو إعادة إنتاج نظم الخطاب المهيمنة.
تسعى هذه المقالة إلى استقصاء حدود العقل التفسيري من خلال تتبع مظاهر تحول الفهم إلى إعادة إنتاج في حقول معرفية متعددة، من التأويل النصي الكلاسيكي إلى فلسفة العلم ومن التربية المؤسسية إلى التجربة الجمالية وصولاً إلى المواجهة الأخلاقية مع الآخر. لن تدعي هذه المقالة أنها تمتلك مخرجاً نهائياً من هذه المتاهة المعرفية بل ستكتفي باستقصاء عمق المأزق واقتراح ملامح موقف تأويلي بديل يقوم على الوعي المزدوج بحتمية إعادة الإنتاج واستحالة التخلص منها وجعل هذا الوعي نفسه شرطاً لصدق أخلاقي ومعرفي أعمق من أوهام الكشف المطلق. فربما يكون أعلى درجات الفهم هو تلك اللحظة النادرة التي يدرك فيها العقل أنه عندما يفهم فإنه يعيد إنتاج نفسه وأن هذه المفارقة ليست عيباً قاتلاً بل هي بالضبط ما يجعله إنسانياً.
منذ اللحظة التي يحاول فيها العقل أن يقبض على معنى ما، يعيد صوغ ذلك المعنى في قوالب لا تخصه. ها نحن ذا أمام المفارقة الكبرى للتأويل: الأدات التي نتوهم أنها تفتح الأبواب على الحقائق الخارجية هي ذاتها الأداة التي تبني السجون التي نرى منها تلك الحقائق. السؤال المحوري الذي يهز أركان كل مشروع معرفي بشري ليس "هل يمكننا فهم العالم؟" بل "متى يتحول فهمنا للعالم إلى مجرد تكرار لأنماطنا الخاصة؟" متى يصبح الكشف احتفالاً بوجه المرء في المرآة بدلاً من رؤية ما وراء الزجاج؟
إن العقل التفسيري ذلك الجهاز العجيب الذي ينسج المعاني من خيوط العلامات والرموز لا يعمل في فراغ. هو مشروط مسبقاً بلغة تسبقه وبقواعد صمتت قبل أن ينطق وببنى ثقافية ونفسية تكوّن عينيه قبل أن تنفتح على النص أو الحدث أو الظاهرة. الفهم كما أشار غادامير في حلمه التأويلي المستمر ليس فعلاً منهجياً يمكن تطهيره من سوابق الأحكام وإنما هو اندماج آفاق: أفق المفسر المتلوّن بتاريخيته ولغته وأسئلته وأفق النص أو الموضوع الذي يُفسر. لكن في هذا الاندماج بالذات تكمن الخطورة، هل ندمج أفقنا مع الأفق الآخر أم نبتلع الأفق الآخر في أفقنا؟ هل نستضيف الغيرية داخل ذواتنا أم نحولها إلى صورة طبق الأصل عن ذواتنا؟
لنتأمل فعل القراءة حين نقرأ نصا قديماً أو قصيدة من ثقافة بعيدة أو حتى نظرية علمية من زمن مضى، نحن لا نستقبل المعنى كما لو كان ماءً نقيا يفيض في وعاء فارغ. بل نترجم المعنى إلى لغتنا الداخلية، إلى شبكة مفاهيمنا ومشاعرنا وتطلعاتنا. هذه الترجمة ضرورية بلا شك. بدونها لا يمكن أن يكون هناك أي فهم. لكن الضرورة ليست ضماناً للحقيقة. الترجمة التي تجعل النص الآخر مألوفاً قد تجعله في الوقت نفسه ممسوخاً، مجرد صدى لصوتنا نحن. "القارئ يخلق النص" كما يقول بعض النقاد، ولكن هل يخلقه من العدم؟ أم يعيد تركيب مادته بحيث يلغي أقصى ما كان فيه من غرابة واختلاف؟ نيتشه ببصيرته الثاقبة رأى في كل فعل تفسير إرادة قوة، نحن نفسر لكي نسيطر ولكي نضم المعنى الجديد إلى نظام معاني القديم، لكي لا نضطر إلى إعادة بناء بيوتنا المفاهيمية من الأساس. التفسير عنده ليس عملية اكتشاف لمعنى كامن، بل فرض لمعنى من الأعلى، عملية تجعل الفوضى تتحمل شكلها.
وليس الأدب وحده هو ميدان هذا الخطر. العلم نفسه أيضا، ذلك الصرح الذي يزعم أنه يقدم لنا الكشف الموضوعي المحايد، يعاني من الحدود ذاتها. إن نظرية توماس كون حول البارادايمات لم تكن مجرد إضافة إلى فلسفة العلم وإنما هزت اليقين المعرفي من جذوره مكشفة أن العالم لا يرى الطبيعة كطفل يفتح عينيه على العالم لأول مرة بل يراها من خلال عدسات باراديجمه الذي تلقنه وتدرب عليه. فكل ملاحظة محملة بنظرية وكل معطى حسي مرشح بمقولات مسبقة والعالم حين يرصد حركة كوكب أو تفاعلاً كيميائياً فإنه لا يلتقط صورة للشيء في ذاته بل يعيد إنتاج نموذجه الذهني في لحظة الرؤية نفسها. بل يرى من خلال نظارات باراديجمه الذي تعلمه في مختبرات الجامعة ومناهج الكتب أن الظاهرة التي لا تتنبأ بها نظرية ما كثيراً ما تبقى غير مرئية أو تُفسر كشاذّة تُهمل أو تُحشر بالقوة داخل الإطار القائم. الثورة العلمية عندما تأتي ليست مجرد تراكم للمعلومات الجديدة بل كسر للنظارات وتغيير في العين التي ترى. قبل كوبرنيكوس رأى الناس الشمس تدور حول الأرض. لم تكن ملاحظاتهم خاطئة تماماً في ظاهراتها اليومية لكن تأويلهم لها كان أسير تصور مركزية الأرض وهو تصور ليس نتاج الملاحظة بل نتاج خلفية ثقافية وميتافيزيقية عميقة. العقل التفسيري هنا لم يكن يكشف عن حركة الشمس وإنما كان يعيد إنتاج نموذجه الذهني في "حركة" الجرم السماوي.
هذا يقودنا إلى إشكالية اللغة، فليست اللغة أداة محايدة نعبر بها عن أفكار تشكلت قبلها وإنما هي كما قال هايدغر "بيت الكينونة": لا نستخدمها فقط، بل نسكن فيها وتشكلنا. حين نفسر لا نضيف معنى إلى معنى بل نتحرك داخل فضاء دلالي يسبقنا ويفرض علينا رؤى معينة ويحجب أخرى. إذن فكل فهم هو ترجمة من لغة إلى نفسها وإعادة ترتيب لما هو موجود أصلاً. ولهذا يصبح السؤال عن حدود العقل التفسيري سؤالاً عن حدود اللغة التي لا نستطيع تجاوزها. نحن لا نستخدم اللغة بل اللغة تستخدمنا، أن نفهم شيئاً يعني أن نضعه في كلمات. ولكن الكلمات تحمل معها تاريخاً واستعارات ميتة وترسبات من أزمنة سابقة. عندما أقول "زمن" أو "حقيقة" أو "عقل" فأنا أستدعي جيولوجيا كاملة من الاستعمالات السابقة، إرثاً من أرسطو إلى كانط إلى فرويد. الفهم بهذا المعنى هو دائماً إعادة تفعيل لنظام من الفروق اللغوية التي سبقتني. إنه أشبه براقص يظن أنه يرتجل حركات جديدة بينما هو يتحرك ضمن فضاء هندسته أقدام سابقيه. فولتير قال إن اللغة قائمة على العرف والعرف قائم على الخطأ المتكرر الذي صار قاعدة. فإذا كان فهمنا للعالم مرهوناً بلغة هي في صميمها نتاج أخطاء تاريخية واتفاقيات عرفية فهل يمكن لعملية التفسير أن تكشف عن أي شيء يتجاوز تلك الاتفاقيات؟ أم أنها محكومة بأن تكون مجرد أداء بارع على آلة مصمتة لا تعزف إلا ألحاناً كُتبت قبل زمن طويل؟
الحلم كانطيانياً قديماً، العقل يشرع قوانينه للطبيعة والطبيعة لا تعطينا نفسها كما هي في ذاتها (النومينون)، بل كما تظهر لنا عبر شبكة المقولات القبلية (الزمان والمكان والسببية). الفهم الكانطي هو فهم للظواهر لا للأشياء في ذاتها. وهذا حدود مبكرة للعقل التفسيري. غير أن كانط ظل يعتقد أن هذه الحدود عالمية وثابتة وتنطبق على كل عقل بشري سليم. لكن ما حدث بعد كانط كان سقوط هذه العالمية أيضاً. هيغل أظهر أن العقل نفسه له تاريخ وأن مقولاته تتطور. ماركس أضاف أن الوعي مشروط بالوجود الاجتماعي وبالبنية الاقتصادية والصراع الطبقي، وفرويد كشف عن أن العقل الظاهري ليس سيد بيته وأن دوافع لا واعية وغريزية تُحرك بكر التفسير من تحت الطاولة. كل واحد منهم بطريقته قوض فكرة العقل التفسيري كآلة اكتشاف شفافة وأظهر أنه آلة إعادة إنتاج معقدة تعيد إنتاج تاريخها الخاص وانحيازاتها الطبقية ورغباتها المكبوتة.
في مجال التأويل الديني أو القانوني تتضح المعضلة بوضوح حاد حين يفسر فقيه نصا مقدساً أو قاضٍ مادة قانونية، فهو لا يقرأ مجرد كلمات جامدة، هو يستنطقها ويسألها عن رأيها في قضية لم تكن موجودة حين كتبت. هذه الاستنطاق عملية ضرورية وإلا مات النص وأصبح مجرد وثيقة أثرية. لكن الخطر أن الاستنطاق يتحول بسهولة إلى تلقين، المفسر يلقي في النص ما يريد أن يسمعه ثم يعود ويستخرج منه ما ألقاه فيه، في دائرة هرمنيوطيقية مفرغة مزدوجة الحلقات. النص يصبح مرآة ناصعة لرغبات المفسر وقيم مجتمعه. وهنا يصبح الفهم ليس كشفاً عن رسالة أخرى بل إنتاجاً شرعياً للذات تحت عباءة الموضوعية. شبانوز الفيلسوف الإيطالي حذر من هذه الآفة باسم "المغالطة التأويلية"، ظن أن العثور على معنى عميق أعمق من المعنى الظاهري هو في حد ذاته فضيلة بينما قد يكون مجرد هروب من وضوح النص إلى تعقيد الذات المفسرة. كلما ازداد غموض التفسير ازدادت ثقة المفسر بأنه وجد شيئاً لم يره غيره، غير مدرك أنه وجد صورته المنعكسة على قاع بئر مظلم.
وما يضاعف المشكلة هو أن العقل التفسيري لا يملك آلية تلقائية لتمييز الكشف الحقيقي عن إعادة الإنتاج المقنعة. إنه يعيش في حالة من الدون كيشوتية لذيذة، يرى طاحونة هواء ويعتقد أنها عملاق وإذا صدق اعتقاده بما فيه الكفاية بدأت الطاحونة تتصرف كعملاق في عواقب أفعاله. كثير من النظريات الميتافيزيقية العظيمة كما بين ديفيد هيوم ليست سوى إسقاط للعادة النفسية البشرية على وجه الوجود. نحن نرى تعاقب الأحداث وبسبب اعتيادنا على التسلسل نخلق فكرة "السببية" ونسقطها خارج أذهاننا. هكذا يصبح الفهم خلقاً لوجود وهمي ثم اكتشافاً له. عمل العقل هنا أشبه بمهندس يبني بيتاً ثم ينسى أنه بناه ويجلس يتأمل عمارته المدهشة قائلاً: "ما أروع ما كشفته الطبيعة!"
إن إشكالية حدود العقل التفسيري ليست مشكلة جانبية يمكن حلها بمزيد من المنهجية أو الدقة. إنها ترتبط بطبيعة الوعي نفسه. الوعي كما يخبرنا علم الظواهر على طريقة هوسرل هو دائمًا وعيٌ بشيء أي أنه قصدية. لكن هذه القصدية تعني أن الوعي لا يقف محايداً أمام الأشياء بل يندفع نحوها، يشكلها ويعطيها معنى. العقل لا يستطيع أن يرى أي شيء بلا معنى ويستحيل عليه أن يتعامل مع العدم الدلالي. لذا فإن أول فعل للفهم هو بالضرورة فعل ترجمة للغريب إلى مألوف، للصامت إلى ناطق، للغامض إلى واضح. هذه الترجمة مشروعة بل هي واجب العقل الحي. لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد هذه الترجمة، كيف ندرك أننا لم نفقد شيئاً ذا قيمة في عملية الترجمة؟ كيف نتأكد أن المألوف الذي أنتجناه ليس مجرد تخدير لقلقنا من الغريب؟ هل يمكن للعقل أن يتذكر دائماً أن ما يراه ليس الأشياء كما هي بل الأشياء كما يراها هو؟ أن هناك فجوة ربما لا تردم أبداً بين معنى الشيء في ذاته ومعناه لنا؟
إن إشكالية الفهم كإعادة إنتاج لا تظهر فقط على مستوى الفرد المنعزل بنصوصه ونظرياته بل تتضخم وتأخذ أبعاداً جماعية وسياسية حين ننظر إلى مؤسسات المعرفة. الجامعة، الأكاديميا، المحكمة، الكنيسة، المختبر، كلها أماكن تُقدس فيها التفسيرات وتُحوّل إلى عقائد. هنا يصبح السؤال ليس "ماذا يعني النص؟" بل "من يملك السلطة ليقول ماذا يعني النص؟" ميشيل فوكو بمنقاره الأثري الجينالوجي كشف لنا أن كل نظام معرفي مرتبط بنظام سلطة. الحقيقة ليست ما هو مطابق للواقع بل ما تنتجه آليات الخطاب والاستبعاد والإقصاء. العقل التفسيري الجماعي لا يكشف عن معنى موضوعي بل يعيد إنتاج هيكل السلطة القائم تحت رداء الحياد الأكاديمي والمنهجية الصارمة. المفسر الرسمي يتحدث باسم الموضوعية بينما هو في الحقيقة يتحدث باسم جماعته، طبقته، نسقه الثقافي. فهم العالم يصبح هنا احتفالاً بفهم الأقوياء وإعادة إنتاج لرؤيتهم للعالم كأنها الرؤية الوحيدة الممكنة.
هذا يقودنا إلى إشكالية التراث الكلاسيكي، كل جيل يعيد قراءة هوميروس، أفلاطون، شكسبير، ابن عربي. لكن هذه القراءات - كما بين هانز روبرت ياوس في نظريته عن "أفق التوقع" - تتغير بحسب أسئلة كل عصر وآلامه. هل نحن نكتشف معاني جديدة كامنة في النصوص منذ الأزل؟ أم نصنع هذه المعاني وفق حاجاتنا الراهنة؟ إذا كان الجواب الثاني فما الفرق بين التفسير العظيم والتزييف العظيم؟ ليس هناك معيار خارجي حاسم. النص الكلاسيكي هو ذلك النص الذي يتحمل أن يُقرأ دوماً من جديد أي أنه يتحمل أن يعاد إنتاجه باستمرار. لكن هذا التحمل لا يضمن أبداً أننا في كل مرة نقترب منه بل يضمن فقط أننا في كل مرة نبتعد عنه بطريقة مختلفة. الحنين إلى المعنى الأصلي وإلى ما "أراده" المؤلف حقا هو حنين مشروع لكنه مستحيل التحقق، كحنين إلهي إلى جنّة مفقودة. إيريك أويباخ، في "محاكاة الواقع"، أظهر كيف أن القراءة الواقعية لنص أدبي هي في حد ذاتها قراءة تأريخية مشروطة بثقافة القارئ. لا نص شفاف ولا قارئ شفاف.
ولعل أخطر مظاهر إعادة الإنتاج المقنعة هي تلك التي تحدث في مجال التربية والتعليم. حين ننقل معرفة إلى تلميذ نظن أننا ننقل كنزاً من الكشوفات البشرية. لكن ما ننقله غالباً هو مجموعة من التفسيرات الميتة التي قُتلت مراراً حتى صارت حقائق جامدة. التلميذ الذي يتعلم أن "الماء يغلي عند مئة درجة" لا يتعلم الظروف الفيزيائية والقيود والاستثناءات التي جعلت هذه الجملة صحيحة في سياق معين. يتعلم نصا وهو نص يكرره ثم يأتي امتحان ليقيس قدرته على إعادة إنتاج هذا النص. التعليم الجماهيري كما نادى إيفان إيليتش في نقد المخفي للمدرسة، هو أعظم آلة لإعادة الإنتاج الفكري، يحول المعرفة الحية التي هي دائماً احتمالية ومشكوك فيها ومؤقتة إلى سلعة جامدة يمكن تخزينها وقياسها وتداولها. الطالب الذي يجيب بـ"الفهم الصحيح" هو الذي أعاد إنتاج التفسير الرسمي بدقة وليس الذي كشف جانباً جديداً من الظاهرة. هنا يصبح الفهم علماً للتكرار والفشل في الفهم يعني الفشل في التكرار.
ولكن هل هناك مفر؟ هل يمكن للعقل أن يمسك نفسه في لحظة فهمه فينقسم إلى فهم وفهم للفهم فيدرك حدود إعادة الإنتاج لحظة وقوعها؟ هذا هو حلم الظاهريات التأملية وموضوع ما أسماه غاستون باشلار "القطيعة الابستمولوجية". باشلار رأى أن المعرفة العلمية الحقيقية لا تبدأ من العقل الذي يعيد إنتاج بديهياته بل من العقل الذي يتعرف على أخطائه ويكسر صلته بالمعرفة العفوية اليومية. الفهم الحقيقي عنده ليس استمراراً بل قطيعة. ليس تكراراً لما تعلمته بل نسياناً له. لكن هل يمكن نسيان البنية الذهنية التي نراها بها؟ النسيان الإرادي مستحيل، لا يمكنك أن تأمر عقلك أن ينسى اللغة التي يفكر بها أو القواعد المنطقية التي ينظم بها العالم. أقصى ما يمكن هو وعي مؤلم بوجود سجن لا تستطيع مغادرته وبحدود لا يمكن تجاوزها.
وهنا تبرز أهمية اللحظة الجمالية، تلك المنطقة الحدودية حيث يتعطل فيها الفهم المفهومي لصالح خبرة أخرى. حين نقف أمام لوحة تجريدية لكاندينسكي أو نسمع مقطوعة موسيقية لشونبيرغ أو نقرأ قصيدة أدونيس فإن العقل التفسيري يحاول جاهداً أن يمسك بالمعنى أن يترجم الحسي إلى مفهومي وأن يجد "ما تريد قوله" هذه اللوحة أو هذه القطعة. لكن في الأعمال الفنية العظمى هناك فائض لا يقبل الترجمة، هناك صمت معان، هناك استعصاء على الفهم النهائي. هذا الاستعصاء ليس عيباً بل هو جوهر التجربة الجمالية. أدورنو قال إن الفن الحديث هو احتجاج على العالم المسلوق بالمعنى على العقل الذي يكلس كل شيء في مفاهيم. الفن الحقيقي هو ما يحافظ على غيرية الموضوع وعلى ما لا يمكن اختزاله إلى ذات المفسر. في المواجهة الجمالية ربما نجد أنجع نموذج للفهم الذي لا يطمح إلى الاستيعاب بل إلى الحفاظ على المسافة. ليس الفهم هنا اكتشافاً لسر خفي بل وقوفاً أمام سر يظل سراً. المفسر الذي يقول "فهمت هذه القصيدة" قد يكون أكثر المفسرين بعداً عنها. القصيدة الحقيقية هي التي تجعلك تقول "ما زلت لم أفهمها بعد ولكنها فهمتني".
هذه المفارقة الجمالية تقودنا إلى مسألة أخلاقية أعمق، إن إعادة إنتاج الذات في فهم الآخر ليست مجرد خطأ منهجي بل هي عنف رمزي. إيمانويل ليفيناس في فلسفته للوجه والغيرية حذر من أن الفهم الفلسفي التقليدي هو شكل من أشكال الامتلاك الفكري. عندما أفهم الآخر وعندما أضعه في مفاهيمي وأقحمه في إطاري فأنا أقتل غرابته وألغي تفرده. الفهم الأخلاقي الحقيقي عنده ليس فهماً بمعنى المعرفة بل هو انكشاف ومسؤولية. أن أواجه الوجه الآخر ليس أن أقول "أعرفه"، بل أن أقول "ها أنذا أمام ما لا يمكن معرفته، ما يفوق حدود عقلي التفسيري وما يأمرني بالتالي أن أستمع بدلاً من أن أتكلم". ها نحن ذا أمام انقلاب تام، الفهم لا يكون كشفاً أو إعادة إنتاج بل يكون استعداداً لأن لا نفهم، استعداداً للجهل واستعداداً للصمت. ربما أعلى درجات الفهم هي تلك اللحظة التي ندرك فيها أن كل ما فهمناه حتى الآن ليس إلا نسقاً من الأوهام الجميلة وأن الحقيقة - إن كانت ممكنة - تبدأ حيث ينتهي التفسير.
إذن، نقف هنا على أطراف هذا التأمل في حدود العقل التفسيري ونحن محمّلون بأسئلة أكثر مما بدأنا. قلنا إن الفهم بطبيعته يميل إلى تحويل الغريب إلى مألوف والاختلاف إلى هوية والآخر إلى نفس. هذا الميل ليس عيباً طارئاً بل هو شرط إمكان الفهم ذاته. لا يمكننا فهم شيء دون وضعه في إطارنا ودون مقارنته بما نعرفه ودون ترجمته إلى لغتنا. العقل يظل في حالة أبدية من الحنين السيزيفي يريد أن يعانق الحقيقة كما هي لكن كل عناق له يطبع على الحقيقة ملامحه. ربما ليست المأساة أننا نعيد الإنتاج بدلاً من أن نكتشف بل المأساة أننا نظن أنفسنا مكتشفين بينما نحن مجرد عاكسين ماهرين.
الذي نعد به هنا ليست حلا سحرياً يطوي الإشكالية بل هي موقف وجودي أمامها. ما العمل؟ هل نتخلى عن الفهم؟ لا يمكن، لأننا محكومون بالفهم كما نحن محكومون بالتنفس. هل نتبنى شكا مطلقاً يعلّق كل تأويل؟ لا يمكن، لأن الشك ذاته هو تأويل. الخيار الوحيد كما بدا في ثنايا هذا المقال هو أن نمارس الفهم مع وعي حدوده وأن نفسر مع تذكرة دائمة بأن تفسيرنا ليس الحقيقة بل قراءة محتملة وأن نسمع الآخر مع إدراك أن ما نسمعه هو صدى لنا بقدر ما هو صوته. هذا الوعي المزدوج - "أنا أفهم، وأنا أعرف أنني عندما أفهم فإنني أعيد إنتاج نفسي" - هو ما يمكن أن نسميه بالتواضع التأويلي. ليس تواضع الضعيف الذي يخاف أن يفهم بل تواضع القوي الذي يعرف قوته وحدودها.
قد نجد العزاء في فكرة أن إعادة الإنتاج ليست بالضرورة خيانة. كل إعادة إنتاج هي أيضاً ابتكار وكل تكرار هو اختلاف. العقل الذي يقرأ النص القديم أو الظاهرة الطبيعية أو الوجه الآخر ويجده شبهاً لنفسه إنما يضيف شبهاً جديداً إلى مخزون الذاتية الإنسانية. ربما لا يمكننا الخروج من متاهة الذات لكن يمكننا أن نوسع جدرانها وأن نفتح فيها نوافذ وأن نلونها بألوان لم نكن نعرفها من قبل. التأويل إذن ليس سجناً مطلقاً بل هو فضاء حرية نسبية، نختار أي الأدوات نستخدم وأي الإطارات نتبنى وأي الأسئلة نطرح. هذه الحرية هي التي تمنحنا الأمل في أن بعض التفسيرات أقرب إلى الكشف من غيرها حتى لو لم يبلغ أحدهم الكشف التام.
ويبقى العقل التفسيري ذلك المخلوق الغريب الذي يعيش على الحافة، حافة النور والظلمة، حافة الذات والعالم، حافة المعرفة والجهل. مهمته مستحيلة لكنه لا يستطيع التوقف عن محاولتها. كل تفسير هو مغامرة وكل فهم هو مجازفة. والأجمل في هذه المغامرة أنها لا تنتهي، نص واحد، ظاهرة واحدة، وجه واحد يمكن قراءتها مليون مرة وفي كل مرة نخرج بنسخة جديدة من أنفسنا ومن العالم. هذا التجدد الأبدي لإعادة الإنتاج هو بالضبط ما يجعل العقل التفسيري حياً وما يمنع المعرفة من أن تكون مقبرة للحقائق الميتة. حدود العقل التفسيري ليست سقفاً يحبسنا بل هي أفق يتحرك معنا كلما تقدمنا خطوة. وربما هذه هي الحكمة الوحيدة الممكنة أن نعرف حدودنا لا لكي نقف عندها جامدين بل لكي نحب حدودنا كشرط للحرية وكدافع لمواصلة الرحلة في متاهة المعنى دون خريطة، لكن بالعقل الذي يدرك أنه لن يصل وبالقلب الذي يرغب في الوصول رغم كل شيء.
***
د. حمزة مولخنيف







