أقلام حرة

مكره أخوك لا بطل!

تمهيد لابد منه: آثار التبدل الذي شهده البناء الاجتماعي في تغيير شخصية المواطن .

أسوء ما يُشعر الإنسان بالاحباط واليأس، هو أن يكتشف متأخرا جدا أن معظم من عايشهم من الأشخاص والأشياء كانوا رخيصين وملفقين وغير حقيقيين، ولا أحد أو شيء منهم كان أصلي وتابث، وأنه عاشر أشباح أحباء، وتعامل مع اشباه أصدقاء، الشعور الذي جعل العديد من التساؤلات المقلقة تراوده وتحيره، كما راودت وحيرت الكثيرين غيره، من أمثال التساؤلات الخطيرة: هل فعلا تغيرت الدنيا؟ وهو مخطئ في ظنه لأن الدنيا لم تتغير، لأن الأخلاق والنفوس والمبادئ هي التي تغيرت، حيث تاهت طيبة إنسان أيام زمان في دروب التفاهة، واختفى ما عُهد فيه من سمو الأخلاق، ونقاء السريرة، وطيب السلوك، وصفاء التعامل، وتوارت مشاعره الرقيقة الحالمة وراء هشاشة تعكرها كلمة عابرة، أو نبرة صوت ناصح، أو حتى نظرة محب، ويتحول معها فجأة من شخص نقي واثق الإيمان، غير متزلف ولا منافق، لا يستنكف عن الاعتراف، ولا يستعظم الاعتذار، ولا يصر على الخطأ، ولا يصم أذنيه عن أصوات المحبين، ونصائح المخلصين، وحرص الصادقين، ولا يصد ناصحاً ولا يرد معاتباً، دون أن يخشى على نفسه ومكانته وقيمته من قول الحق على نفسه قبل قولها على الآخرين، إلى مخلوق بلا مبدأ، بلا قيمة، متلون، مخادع، اختلطت لديه المفاهيم، فأصبح الكذب عنده مجاملة، والنفاق والرياء شطارة، والتملق والتلون والمداهنة مسالمة، وتغيير المواقف وتبديل المبادئ براغماتية، ومصاحبة الخبثاء ملاطفة، والوقوف إلى جانب خسيسي الطبع رجولة، والإساءة والجور تكتيكا !، وحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس فهلوة -بلغة إخواننا المصريين.

ليته لم يفعل، وحافظ على فطرته التي كانت طاهرة من الشوائب والرواسب الزائفة، وياليته يتراجع ويعود لواقعه الحقيقي وطبعه النقي اللذان كان عليهما قبل أن يَفْسُد ويُفسِد، ويسلب وينهب، ويرتكب الاثم والجُرم، ويتعمَّد إيذاء الناس باسم الرب الذي أصبحه أو كاد، ياليته يتراجع عن تمسكه بالوهم الذي نخر دواخله، وجعله كالمدمن الذي كلما صحى من سكره زاد إحباطه وكرهه لنفسه، وكلما رغب في التخلص من مآسي ادمانه، عاد لمعاقرة خمرته بنهم العطشان ولهفة الولهان، منشدا مع "أبي نواس": وَدَاوِنِــي بِــالَّــتِــي كَــانَــتْ هِــيَ الــدَّاءُ..

فيا ليته يفعل حتى يشعر بطبيعته الإنسانية. وأختم هذه الخاطرة بمقولة "شكسبير" الدائعة: الانسان يتغير لسببين: حينما يتعلم أكثر مما يريد أو حينما يتأذى أكثر مما يستحق !

***

حميد طولست

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5853 المصادف: 2022-09-14 02:15:07


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م