شهادات ومذكرات
علي حسين: برتراند راسل الفيلسوف المشاغب

بمناسبة صدور الترجمة العربة لسيرته الذاتية
قبل اسابيع مرت الذكرى الـ " 55 " لرحيل الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل – توفي في الثاني من شباط عام 1970 - الذي استطاع ان يجعل من الفلسفة حوارا يوميا على صفحات الصحف مثله مثل صديقه جان بول سارتر، ولم يعد الفيلسوف شخص يخشى الناس الاقتراب منه لصعوبة أفكاره وتعقيدها، وانما اصبح يشارك في الحياة العملية، ويتخذ مواقف من القضايا المعاصرة، فنجده يتحدث عن الفلسفة والدين، عن الحرب والسلام، عن الشيوعية والرأسمالية، وعن الفرد والسلطة، عن القنبلة الذرية ومستقبل البشرية، عن الحب والجنس، عن السعادة والطعام والنوم والاحلام. في كتابه برتراند رسل يحاور نفسه – ترجمه الى العربية جلال العشري – يضع رسل وصيته للانسانية:" إذا بحثت شعوب الارض جميعا عن وطن واحد، يضم جموعهم بلا تفرقة، ويتسع لهم بلا حدود، كان هذا الوطن هو ... الحرية "، ولعل اغرب ما كتبه رسل هو رثاؤه لنفسه الذي قدمه الى الصحف قبل وفاته باعوام قليله، راجيا نشره بعد موته وجاء فيه:" يموت ايرل رسل الثالث .. او برتراند رسل كما كان يؤثر ان يسمي نفسه .. في سن التسعين انقطعت حلقة تربط حاضرنا بالماضي البعيد .. لقد برز الفقيد في شبابه بالابحاث التي تعالج منطق الرياضيات، ولكن مسلكه خلال الحرب العالمية الاولى اظهر افتقاره الى الاتزان في احكامه وتقديره للامور . الأمر الذي شاب كتابته الاخيرة على صورة متزايدة " .. ولعل برتراند رسل يبين في الرثاء المشكلة التي واجهته كفيلسوف، فالقراء لم يتعرفوا على رسل من خلال كتبه المهمة والتي تلخص منهجه الفلسفي مثل " اصول الرياضيات " – ترجم الى العربية محمد مرسي احمد وفؤاد الاهواني وصدر باربعة اجزاء –، وكتاب مقدمة للفلسفة الرياضية – ترجمه الى العربية فؤاد الاهواني -، تحليل العقل – ترجمه الى العربية عبد الكريم ناصف -، والنظرة العلمية – ترجمه الى العربيه عثمان نويه -، وانما تعرف القراء اليه من خلال كتبه التي تناول فيها قضايا تتعلق بالحياة، مثل كتاب انتصار السعادة وكتاب حكمة الغرب وكتاب مشكلات الفلسفة وكتاب عبادة الانسان الحر، والكتب التي كتبها عن حياته، حيث قدم ترجمه لحياته في كتاب " فلسفتي كيف تطورت " وكتاب سيرتي الذاتية الذي صدر في ثلاث اجزاء، صدرت ترجمته العربية اخيرا كاملة عن دار الرافدين ترجمة انوار يوسف، وكان الجزء الاول من السيرة قد صدر عام 1970 عن دار المعارف المصرية .
في سيرته الذاتية يخبرنا راسل ان امه ماتت وهو في الثانية من عمره :" وكنت في الثالثة حين مات أبي، فنشأت في دار جدي الذي لم يشأ ان يجيبني عن مصير والديَّ، حتى لقد شاع في نفسي إحساس بأن يكون في الأمر لغز غامض لقلّة ما عرفته عنهما، ولما بلغت الحادية بعد العشرين أخذت أعرف بعض الخطوط الرئيسية في حياة أمي وأبي وما كان لهما من آراء، وكم دهشت حين رأيتني قد اجتزت المراحل بعينها التي اجتازها أبي في تطور عقله وشعوره."
ويضيف برتراند راسل المولود في الساعة السادسة الا ربعاً من مساء 18 ايار عام 1872، في مذكراته من ان والده خاض قبله مجال الفلسفة وكان صديقاً للفيلسوف الشهير "جون ستيوارت ميل". ويتذكر انه عندما بلغ الخامسة عشرة من عمره، كان الكتاب المفضل لديه هو كتاب ستيوارت ميل القيّم عن الحرية، فمن خلال ميل يدرك رسل اهمية ان تمتع الفرد بالحرية لايتحقق الا بعد تحقيق الرفاهية، وكي يتمكن الانسان من هذا، فإنه يحتاج الى حرية التعبير، وليس الى حرية التعبير فقط، بل الى حرية اختيار اسلوب ممارسة الحياة . ويمضي رسل في الحديث عن تأثير ستيوارت ميل على افكاره في مرحلة الشباب، فيقول:" ان ميل كان يدرك جيدا قيمة التنوع داخل المجتمع، ويرفض الاعتقاد باسلوب واحد للحياة " . ويذهب رسل بعيدا في التأثر بأفكار ميل حين يضع كتابا بعنوان "انتصار السعادة" يحاول من خلاله ان يؤكد أن فهم ستيوارت ميل للسعادة بأنها ناجحة، ووصف الأفراد الذين يطورون من قدراتهم، يصبح فهماً صحيحاً . وحتى يتطور الأفراد فإنهم يحتاجون الى الحقيقة، وحتى يحققوا ذلك التطور ايضا، يجب ان لايكونوا مستقبلين طيعيين لما يردُ اليهم من الناس ويعتبرون انه الأفضل بالنسبة لهم، ويجب عليهم ان لاينقادوا وراء ما يقوله الآخرون لهم، ويجب ان تتوفر للناس حرية اعتراض بعضهم على بعض بشأن كيفية العيش بالأسلوب الأفضل، وليس بإجبار بعضهم بعضاً على العيش بطريقة معينة .
كان جد برتراند راسل "اللورد جون رسل" يعيش بوصفه رئيس وزراء سابق، ذا مكانة مرموقة، في منزل كبير منحته إياه الملكة، وعندما ذهب برتراند وأخوه فرانك الى هذا المنزل، كان الجد قد بلغ الثالثة والثمانين من عمره، وتوفى بعد ذلك بعامين.
يتذكر رسل مكتبة جده التي اثارت اهتمامه لما حوته من كتب في التاريخ والسياسة : "كنت اعرف كل كتاب من كتب المكتبة، وكنت ابحث في أركانها عن ما يثير مخيلتي من التاريخ القديم .، إلا أن التربية الصارمة التي كانت تتبعها عائلة رسل لم تكن تسعد برتراند الصبي، ولهذا نجده يدين أساليب التربية المتزمتة هذه فيقول: " كانت الفضيلة هي الشيء الوحيد الذي تعلق عائلتي الأهمية عليه، الفضيلة على حساب العقل والصحة والسعادة وكل مصلحة " . وقد ظهر خلاف رسل مع عائلته في سن مبكرة حول دراسة الفلسفة، فقد كانت العائلة غير راضية عن هذا الاتجاه، وعملت احدى عماته كل ما في وسعها لكي تثنيه عن هذا الطريق، فكانت تسخر من إصراره على التفرغ لقراءة كتب كانط وديكارت وارسطو . ولكي يوفق بين رغبته وإصرار عمته درس الرياضيات في جامعة كامبردج ليتخرج منها بتفوق عام 1895، وهنا واجهته مشكلة جديدة، فقد ارادت له العائلة ان يعمل في السياسة لأنها مهنة توارثتها منذ عقود، واعتبرت عمته ان خروج ابن شقيقها على تقاليد الأسرة خيانة، وعرض عليه أحد أعمامه وظيفة في السلك الدبلوماسي، لكن إغراء الفلسفة كان اقوى من غضب العائلة، فقرر ان يعمل محاضراً في الجامعة فيختار في البداية تدريس الرياضيات، التي كان يجد فيها لذة من خلال البرهنة على الأشياء، لكنه بعد عام من التدريس غمره شعور باليأس بسبب المناهج المتّبعة في التدريس والتي اعتبرها نوعاً من الألغاز تتطلب من الطالب مهارة في المراوغة، وانها لاتمتّ بصلة الى المشاكل الأساسية في فلسفة الرياضة التي كانت تثير اهتمامه بسبب محاضرات استاذه ألفـرد نورث وايتهد الذي اصبح فيما بعد زميله في الجامعة، وقد وضعا معاً فيما بعد اضخم كتاب عن الرياضيات بعنوان "اصول الرياضيات" الذي نشر الجزء الاول منه عام 1902. وكان راسل قد رسم صورة عامة لخطة العمل في هذا المشروع حيث وزع العمل بينه وبين هوايتهد. وقد استغرق تأليف الكتاب وقتاً طويلاً حين كان الفيلسوفان يكتبان كل قضية رياضية على ورقة منفصلة حتى يسمح لهما ذلك بإضافة أية قضايا جديدة . ويخبرنا رسل بعد ذلك ان هذا الكتاب جمّد قريحته وأنه عذاب استمر سبع سنوات، ويرجع الألم الذي عانى منه رسل الى انه،بعد ان حاول ان يردّ الرياضيات الى أصولها في علم المنطق، اكتشف ان هناك تناقضات في المنطق لم تنته بعد، ونراه في رسالة يكتبها الى زميله في الجامعة الفيلسوف جورج مور يعلن بأن ان علم الرياضيات يهتز من أساسه .
ولعلّ الطريف عن كتاب "اصول الرياضيات" ان راسل أخبر كاتب سيرته انه يعتقد ان لا هو ولا هوايتهد قد قرآ الكتاب بعد صدوره، وفي الحقيقة فان الكتاب لم يقبل على قراءته إلا قلة قليلة جداً، لجفاف موضوعه . ولم يجلب لمؤلفيه أية عائدات مالية، لكنه اكدت سمعتهما الفكرية حيث تم اعتبرها الكتاب اعظم مساهمة في المنطق منذ ارسطو .
في أواسط القرن العشرين أصبح برتراند رسل الممثل الحقيقي لكلمة "فيلسوف"، مثلما كان صديقه اينشتاين يمثل صورة العالم للملايين من البشر . لقد بدا لرسل دور الفيلسوف مناسباً، بشعره الأبيض وملامحه الجادّة الصلبة، والغليون الذي لم يفارقه . كان اول من قدم محاضرة اذاعية عن الفلسفة عام 1949، واصبح كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية" الأكثر مبيعاً في العالم، بدأ حياته بكتاب "الديمقراطية الاجتماعية" وانتهى بجرائم الحرب على فيتنام، هو اول فيلسوف يمنح جائزة نوبل، وفي العام 1961 وفي عمر التسعين تحمل السجن بسبب دعوته للاحتجاج ضد الحروب . كان يدعي انه مقاد بـ: "مشاعر ثلاثة بسيطة، لكنها قوية غامرة: التوق الى الحب، البحث عن المعرفة، والشفقة التي لاتطاق لمعاناة الانسان"، افضت كتاباته الواسعة بشكل كبير الى تسميته بـ "فولتير القرن العشرين". يخبرنا تلميذه لودفيغ وتغنشتاين ان رسل لم يكتب فلسفة حقيقية بعد كتابه "مبادئ الرياضيات ." ومن الطريف انه تلقى سؤالاً من احدى السيدات عن سبب تخلّيه عن الفلسفة فأجاب بسرعة:"لأنني وجدت انني أفضل ممارسة الجنس". في العام 1901 يقرر رفض مبادئ هيغل، شاعراً كما قال:"بتحرر عظيم، كما لو انني هربت من بيت حار الى منطقة تعصف بها الرياح". وانتقل نحو وجهة نظر الفلسفة التجريبية التي كان يقودها هوايتهيد التي تؤكد ان العالم "يشبه كومة من نار". كان عمله الاول الذي اسس له مكانة كفيلسوف اجتماعي كتابه "عبادة الانسان الحر" وكتبه عام 1902. ويهدف الكتاب الى تأمين عزاء مقبول وعقلاني لغير المتدينين، الا ان كتابه الذي وضعه على كرسي الفيلسوف هو "مشاكل الفلاسفة" الذي يبدأ بسؤال على الشكل التالي:"هل هناك اية معرفة تكون مؤكدة بشكل لايستطيع انسان منطقي ان يشكك بها؟"، هذا السؤال الذي لايبدو صعباً للوهلة الاولى، هو بالفعل واحد من اصعب الاسئلة التي يمكن ان تُسأل . لقد تمكن رسل من خلال هذا الكتاب الصغير ان يقدم لنا الدافع الحقيقي وراء اشتغاله بالفلسفة، كما جعله اول فيلسوف تقرأ كتبه مثلما تقرأ الروايات ودواوين الشعر، وينزل الفلسفة من عرشها ايجعلها تتجول في الاسواق العامة .
في عام 1914 زار راسل الولايات المتحدة الاميركية وألقى محاضرات في جامعة هارفرد، واصدر كتابه "معرفتنا بالعالم الخارجي"، وكان الشاعر الانكليزي ت.س.اليوت واحداً من بين تلاميذه في الجامعة وكتب عنه قصيدة بعنوان " السيد أبوليناكس"، صوره فيها على انه كائن اسطوري غريب بل ومفزع .
يخبرنا راسل ان الحافز الأساسي الذي دفعه الى الفلسفة هو اكتشاف ما اذا كان من الممكن معرفة اي شيء معرفة يقينية . وقد راوده هذا الطموح بسبب أزمتين فكريتين: فقدانه الإيمان الديني، وخيبة أمله في الاضطرار الى تقبل البديهيات كأساس للرياضيات . ولهذا نراه يتجه الى المشكلات الفلسفية العامة، وكان يأمل من خلال الفلسفة ان يجد حلولاً لإزمة الإنسان المعاصر، وراح يعود الى معظم المشكلات الانسانية الواحدة بعد الاخرى ساعياً الى تطوير آرائه من خلال الأساليب التحليلية المستمدة من عمله في فلسفة الرياضيات والمنطق، وحين ندرس.
لقد أسهم رسل إسهاماً كبيراً في المناقشات التي دارت حول المعرفة والأخلاق والسياسة والدين والتعليم وقضايا الحرب والسلام، وكان يرى ان الفلسفة فرع فني من فروع المعرفة.
لم يكن برتراند رسل عالم رياضيات مقتدر وحسب، وعالم منطق من الدرجة الاولى، بل هو ايضا كاتب اخلاقي وفيلسوف، ورجل سياسة من نوع متميز .وقد تميزت حياته بالموافق الجريئة التي اتخذها ازاء مشاكل العالم، لكن بالمقابل اثارت حياته العاطفية والجنسية الكثير من اللغط، فقد تزوج اربع نساء، وقد تم حرمانه من الاهلية عام 1940 بسبب مواقفه العلنية التي تؤيد الاجهاض، والحرية الجنسية.
وكان ايضاً مولعا باستفزاز الحكومات، مع ارادة ترفض تقديم التنازلات في القضايا التي تبدو عادلة في نظره، حيث أدان بدءاً من كتابه عناصر الاخلاق الصادر عام 1910، اغلال الاحكام المسبقة، وضيق افق أحكام معاصريه، وانتقد بشدة بلادة المحظورات الدينية، وعارضها ببحث طالب فيه باعلاء شان الحب والسعادة والحريات .
اتسم برتراند راسل، عالم الرياضيات، العاشق المولع بالحقيقة والعدالة الاجتماعية، بطابع العقلانية العميق، وكان يرفض على وجه التحديد الايمان بالعقيدة الدينية، وفي عام 1957 نشر كتاب لماذا لست مسيحياً ؟
لعل حياة راسل الطويلة عاش 98 عاما، ومؤلفاته العديدة، تحتل اليوم مكانة هامة ضمن مغامرة العقل البشري في البحث عن الحقيقة، وقد اتسمت دوما بالشجاعة والمقاومة ضد الافكار البالية..ومن المصادفات اانني نشرت قبل ايام قليلة فديو لرجل دين يتهم برتراند رسل بالجهل وانه لم يقرا كتابا واحدا حتى سن السابععة عشر، وفي هذه المذكرات ليسمح لي الشيخ ان اقتبس له هذه السطور حيث يخبرنا فيها برتراند راسل انه تعلم القراءة بشكل جيد بعمر الخامسة وقبل هذا العمر كانت جدته تقرأ له كتب الادب، وما ان:" تعلمت القراءة بسلاسة، اعتدت ان اقرأ لها، فقد قرأت معها اعمال شكسبير، ميلتون، درايدن " – السيرة الذاتية الجزؤء الاول ص 46 - وفي صفحة اخرى يقول:" في سن الحادية عشر بدأن بقراءة ودراسة اقليدس، كان اخي هو معلمي الخصوصي – ص54 .
***
علي حسين – رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية