نصوص أدبية

علي فضيل العربي: الضفة الأخرى

وأخيرا وصلت أم خالد إلى ضفة الوطن الممتدة من القلب حتى القلب.

بينها وبينهم أسلاك شائكة وفضاء أمواجه أشواك جامحة.. وجنود قدت قلوبهم من صخور الحقد والبغضاء والكراهية. لا أحد يقدر على اعتقال النظرات والإشارات وهي تخترق أسلاك الموت وحقول الألغام ضاحكة.. مقهقهة.. ساخرة.. شامتة.. نحو الضفة الأخرى...

اليوم عيد النصر.. ها قد فر العدو بقضه وقضيضه تحت جنح الظلام من أرض الجنوب الصامد. قالت أم خالد:

- اليوم الجنوب.. وغدا فلسطين..

و انطلقت زغاريد النسوة مرفرفة في عنان السماء، كأنها سرب من القطا. لتعانقها زغاريد. عند الضفة الأخرى من الوطن المغدور..

خمسون سنة والقلب يكتوي بجمرات الفراق. ما أبشع الحقد.. بضعة أمتار فقط. تتسرب يدها من تحت الأسلاك الدامية.. تلامس التراب بأناملها ثم كفها. تشتعل في أعماقها رعشة. يهتز جسدها. تزلزلها اللحظة وينهرها ذلك العسكري القذر قذارة الخنزير البري. يهم بالدوس على يدها بنعله النجس ويردد وهي تضغط بجمع أصابع يدها على أديم الأرض:

- اسحبي يدك من أرضنا..

لكن يدها مازالت ملتصقة بكومة التراب.. تحاول أن تأخذ حفنة لتقبلها.. أو تمضغها كما يمضغ الصبيان التراب على حين غفلة من أمهاتهم..

- اتركي التراب في مكانه.. لا تسرقي أرضنا..

و تزداد يدها التصاقا بحفنة الثرى.. هي خمسون حولا لم تلامس التراب المسك..

استبدت بها الأشواق إلى ظلال أشجاره، ومزنه الحبلى، وشموسه المعسولة المضمخة بلون العزة والشهامة..

تسحب يدها خشية أن تدوسها أرجل الغزاة.. ودموع الفرح القادم تتناثر على الأسلاك المميتة كحبات عقد انفرطت من سلكها.. تلوح بيدها إلى من في الضفة الأخرى. لا العدو الغازي.. ولا الصديق الخائن يقدر على كبح الأحلام الخالدة.. أو بت حبال الروح المشدودة بصخور بحر عكا.. خمسون سنة وجذور الوطن الغالي تمتد في سويداء القلب.. لا أحد على وجه الأرض يقدر على إيقافها.. إنسا كان أم جنا..

يا لروعة المشهد.. حملتها أشرعة الحنين إلى ضفة الوطن لتشهد بزوغ فجر جديد على أرض الجنوب وتزغرد.. وتنشد ملامح البطولة ومواويل النصر.. وتردد بملء فيها: - قفي أيتها الهزائم والنكسات، وارحلي عنا إلى الأبد.. وترى رؤية اليقين كيف تطمر الأيادي القوية البيضاء، والجباه المرصعة بالإيمان العار إلى مثوى الجحيم، وتعيد الروح إلى مواطنها..

بينها وبينهم خمسون سنة من المأساة والحنين والشوق.. كان قطار العمر عند محطة العاشرة..ليلتها كانت عكا آمنة مطمئنة.. مستلقية بين أحضان نسمات البحر.. وزرقته.. تداعبها أمواجه كطفلة تعشق الدلال.. وفجأة أطل الغدر والحقد كالجراد.. وأبلى أهلها خير البلاء.. كروا وصبروا. جاهدوا حتى الرمق الأخير. كانت عدتهم غير كافية. استنجدوا. طلبوا المزيد من السلاح لكن استغاثتهم تاهت في فجاج صماء بكماء.

ليلتها اغتصب آل صهيون براءة عكا الآمنة.. أعدموا.. شردوا.. وعذبوا.. كانوا يحملون أطنان الحقد والانتقام.. ألقوا أوزارهم على صدور عكا.. كأنها حائط مبكى.

هي صور الشهداء من النساء والأطفال والشيوخ.. وأزيز الرصاص.. وصرخات الصبيان وأنين العجائز.. وبرك الدم.. وآهات الجرحى.. كلها مازالت منقوشة في هرم الذاكرة... مازال بيتهم القديم منارة شامخة في سويداء قلبها.. اقتلعها آل صهيون من حضنه عنوة.. وحقدا..

و تلوح بيدها لعلها ترى ابن عمها. ذاك الذي أحبها وأحبته في زمن كان فيه الحب خطيئة عقابها الشنق.. كانا عصفورين على شاطئ عكا.. يذهبان إلى المدرسة ويعودان معا..

عصفور.. وعصفورة.. من أجلها خاصم.. وقاتل وضرب..و ضرب.. ولطم ولاكم. وعفر ملابسه بالتراب. هاهو يلوح بيده انه هو.. عرفها وعرفته.. رغم كالحات الليالي. لم تزل صورته كما هي. لونه كلون عكا لم يتغير قط. الوقفة وقفته. عيناه سوداوان.. وخصلات شعره الرملي المجعد.. إنه هو رغم فصول العمر التي انقضت وأفرزت الشيب والهرم.

هاهو ينتصب أمامها خلف الأسلاك.. والألغام ونظرات الحقد والموت. تود لو تقترب منه. خمسون سنة بكل لحظاتها المرة. ماذا تحكي له؟ جعبتها ملأى بالأتراح.. ويوميات المخيم القابع داخل أسوار المنفى.. هزائم تدفع هزائم.. والمنافي تجر المنافي. وعكا ساكنة في أعماق الجوانح..

تود لو يحكي لها عن بحر عكا وشاطئها الصخري وقفزاته من أعالي الصخور نحو اللجة تارة على قدميه وتارة على رأسه..

هل ما زال يجيد السباحة.. ويسبح في عرض البحر حتى يصبح كنقطة فوق موجة. كم تخشى عليه من الغرق وسمك القرش. لكن ذراعيه كمجدافين.. مما جعل أترابه يلقبونه " بذي المجدافين "....

تود لو يصف لها كل شجرة وحجر في عكا.. عن بيوتها القديمة وجدرانها وقرميدها الأحمر ونوافذها المقوسة وأبوابها المنقوشة من أشجار الجوز وحدائقها المعبأة بزهور الياسمين والحبق والنعناع وأشجار الليمون والبرتقال والتين والزيتون وأرجوحة الصيف والظلال الوارفة...

تود لو يحكي لها عن أسوار عكا وحمائمها وعصافيرها.. عن مطرها وبردها وعواصف شتائها ونسائم صيفها. عن حبات رمل شاطئها. عن فضائها وسمائها.. عن رجالها ونسائها وأطفالها عن كل ذرة من تربتها المسكية.. مشتاقة حتى النخاع إلى رنة صوته النحاسي.. هاهو يلوح بكلتا يديه. أحنت الخطوب ظهره.. كنخلات عكا،، التصق محياه بأديم الأرض.. رمقها ذلك العسكري كمن يتوعدها.. يتمنى لو يمنع النظرات والتلويحات من التواصل والتعانق.. لكن هيهات.. ثم هيهات.. لن يقدروا على كبح دموع الفرح والأشواق واعتقال الأمنيات، وأسر الأحلام الخالدة. هي حبال العودة معقودة بصخور عكا.. وجذور الوطن الغالي مطمورة في سويداء القلب المحفوف بأجنحة العشق الملائكي.. لتذهب تلك الأسلاك إلى هوة السعير.

يا لجنون اللحظة..

مازال هناك واقفا. تقترب منها تجاعيد وجهه الوسيم البراق.. ونظراته الثاقبة المضمخة بروائح الزعتر والزيتون..

خمسون سنة من حرائق المنفى صامدة كصخور عكا.. ما زالت منمنمات حناء عكا وشما على قدميها. وحفنة التراب لا تغادر وسادتها منذ تلك الليلة النحس.

خبأتها في صدرها وهي العصفورة الصغيرة، الطرية البريئة، المجني عليها.. كما تخبي العجائز الأشياء الثمينة. تشد على يد حفيدها.ترفعها إلى الفضاء، فتعلو اليد فوق الأسلاك الدامية، وقبعات العساكر، وعيون التماسيح. تردد وهي تطلق العنان لنظرة لا متناهية:

- من هناك الطريق إلى عكا..

ترتسم على شفتي الطفل ابتسامة معجونة بطعم العسل وعطر الياسمين.

- احفظها جيدا.. وانقشها وشما على ناصيتك. إياك والنسيان ياكبدي.

وهز الطفل رأسه، وهو يلوح بيده كعقاب نفض جناحيه استعدادا للانقضاض على فريسته.

مازالت الأيدي تخنق الأسلاك اللعينة.لكأنها صارت امتدادا لها. تود لو تفتتها وتعيدها إلى سيرتها الأولى.

- كيف حالك ياابن العم..

- اشتقنا إليكم ياابنة العم..

وينتابها إحساس غريب. الأسلاك تستغيث. تصرخ ولا يسمع صراخها إلا هي. سئمت رائحة الغرباء،استحت من صوفية الأيادي الملائكية. تريد التحررمن قبضة الزمن الأسود

- احذري الألغام ياابنة العم.

- سنزرع مكانها أزهار القرنفل والياسمين

وتلوح وتلوح أم خالد بيدها المتعبة.. هم أهلها..و جيرانها وأترابها.. خمسون سنة من علقم المنفى. لم تمح ملامحهم من جدران الذاكرة. كيف ينسى التراب لونه ؟

تقول لحفيدها المعلق من عرقوب الدهشة:

- ذاك خالك، وتلك عمتك، وذاك الشيخ جدك، وفلان جارنا، وذاك فتى عكا، ذو المجدافين و..و..و..

وتسترسل في سرد قائمة العقد، ورياح الشوق تزجي مراكب الحنين نحو الضفة الأخرى

- ومن أين طريق القدس يا جدتي ؟؟؟

- هي نفس طريق عكا يا كبدي.

أشار لهم العساكر بوجوب الانصراف، والابتعاد عن الحدود. تحركت الأجساد في الضفتين بعسر. أقدامها وأيديها وعيونها لا تبغي عن المكان حولا.رأته يلوح بيده إيذانا بالانصراف.

- سنعود غدا ياابنة العم.. سنعود غدا.

تمنت لو أن شمس الأصيل تبطيء قليلا لعلها تشفي بعض غليلها. يداها مازالتا معلقتين بالأسلاك الشائكة، وعيناها ترنوان بعيدا بعيدا. شعرت بقوة خارقة تدفعها نحو الجنوب، وصوت قادم من الضفة الاخرى

- اليوم حررنا الجنوب، وغدا القدس، وكل فلسطين.

{تمــــــت}

***

بقلم: الناقد والروائي: علي فضيل العربي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5842 المصادف: 2022-09-03 02:38:17


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5929 المصادف: الثلاثاء 29 - 11 - 2022م