نصوص أدبية

محمد الدرقاوي: على ظهري لن تقفز

انتبهت من نومها على مغص حاد في معدتها، إبرٌ تنغرز في دواخلها،حركت قدميها لتزيح عنها جزءا من الغطاء، أحست كأن الإبر قد صارت سهاما حادة تخترق أحشاءها، انذهلت !!.. الأنين قد تحول صيحات ألم..

بنصف نظرة ترنو الى زوجها، يغط في نومه بجانبها غير آبه بما أصابها،لم تحركه صيحة من صيحاتها، سوى أنه حين ركزته بقدمها تأفف واستدار الى الجهة الأخرى..

ـ "النوم قريبا منك صار عذابا "

قالها بغمغمة وهو يمد الغطاء على رأسه كأنه يريد أن يفصل صيحات آلامها عن مسامعه..

منذ مدة ومليكة تعي أن الأمان قد تلاشى بينها وبين زوجها، اهتز كل استقرار كان بينهما، فلا انسجام ولا تفاهم..

ـ لماذا؟.. أما أن أكون غبية خرساء،خانعة أستسلم لأوامره، ذليلة يستغلني و على كل ما أملك يبسط هيمنة، فيرضي أنانيته، منتشيا برجولة يدعيها وهو عنها بعيد، أو يكرهني إذا ما تمسكت باستقلاليتي، ووقفت بالمرصاد أمام غلو رغباته..

من عامها الأول معه و مليكة تحس أن شيئا ما يقع خلف ظهرها لكنها تتعامى حتى لاتزيد علاقتهما تعقيدا وتفسخا..

سكاكين الألم لازالت تقطع دواخلها، لا اثر لزوجها بإحساس، في نومه يغط وكانه عن غرفة النوم في غياب، تتحامل على نفسها، تبادر راكضة الى الحمام، وقد غلبها قيء مر يمجه فمها..

تنادي على زوجها.. نداءات متقطعة يكسرها الألم باختناق..

ـ إسماعيل أغتني.. أموت..

يغالبها القيء لكن هذه المرة كان دما،و كان كبدها قد انسحق في جوفها ثم فاض على فمها..

تسقط على بلاط المطبخ.. تتوقف أنفاسها ثم تهمد بلاحركة..

الساعة الثامنة صباحا، تصل الخادمة كما تعودت كل يوم، تفتح الباب بمفتاح لديها ثم تدخل المطبخ، وهي تخلع جلبابها داهمتها رائحة لم تتعودها في البيت، تدلف الى الحمام فتفاجئها مليكة متمددة على الأرض شعرها يتمرغ في قيئها الأسود وقد فقدت الروح..

تستغيت الخادمة بصياح..لا أحد يجيب.. تهرول الى غرفة النوم.. أسماعيل نائم ملفوف في غطائه، تناديه، لايرد..وهي تحاول العودة الى المطبخ لتأخذ هاتفها من حقيبتها، تنتبه أن الزوج يحاول إزاحة الغطاء عن عين واحدة ويتعمد الشخير..

تهاتف أم مليكة.. كانت المفاجأة على الام قوية زلزلت أعماقها.. كيف وقع ؟وماذا أصاب بنتها ؟

الى حدود الثامنة ليلا ومليكة عندها، تناولا عشاءهما معا، وكانت مليكة سليمة صحيحة منشرحة تنشر البهجة من حولها كعادتها..

تستعيد الام أحاديثهما، كانت ذكريات عن الوالد المرحوم، عن صرامته في مهنته، عن حبه لزوجته وابنته التي لم يرزق غيرها، عن حرصه على دراسة مليكة الى أن بلغت شأوا كبيرا أهلها لوظيفة سامية..

تعيد الام إطلالة على جثة ابنتها وهي تنتظر أخاها المحامي بعد أن هاتفته ليشاركها مصابها فهو أدرى بما يجب القيام به، تتذكر أن زوجها نفسه مات من جراء قيء مجه دما أسود.. هل يكون نفس الداء ما أصاب بنتها؟

يقبل الزوج متثائبا بصوت مسموع وهو يتمطى مستفسرا:

ماذا وقع ؟..

ـ يالطيف !!..كيف لم اسمع صوتها ولم انتبه لما وقع ؟ أهذا كله قيء منها؟..

يتعلل بأنه تناول منوما في الليل فلم يشعر بما يدور حوله، ولتبرير ما حدث لزوجته قال:

ـ تعودت مليكة أن تتناول طبيخ البابونج ليلا، الا يمكن أن يكون السبب في موتها؟ مرارا نبهتها الى التخلي عنه ربما يكون به خليط من أعشاب سامة..

تقدم من خزانة وكأنه يعرف كل محتويات المطبخ وترتيب أوانيه وأخرج إبريقا لازالت فيه بقية من طبيخ البابونج..

سلوك تستغرب له الخادمة كيف أهتدى إسماعيل الى الابريق دون تفكير رغم أن مكان الأباريق في زاوية أخرى، ولا يمكن لمليكة أن تضع إبريق دواء شربت منه ولازال فيه بقية في مكان غير المغسلة..

ـ مليكة شخصية كل شيء لها منضبط ومنطقي ومنها تعلمت تحديد مكان كل شيء في المطبخ..

"تسرع القاتل حين يتوهم استرجاع قوة وسيطرة كان يفقدها على القتيل بعد ارتكاب جرمه"

أول ملاحظة يكونها الخال عن إسماعيل..

تذكر الام أنها ومليكة قد شربتا معا طبيخا مماثلا أمس في بيتها بعد العشاء فكيف تعد مليكة غيره بعد عودتها الى بيتها؟..

لايغيب عن الام علاقة ابنتها المتوثرة مع زوجها،علاقة بدأت تنسج خيوطها مذ أسر الأب لمليكة :

ـ مليكة بنتي،أرجو أن تنتبهي لزوجك فالشكوك تحوم حول تجارته وعليه ألا ينسى أنه صهري، وأن سمعتي قد كونتها بامانتي وتعففي عما يسيء لوجودي وسمعة أسرتي..

بعد ذلك استلف إسماعيل مالا من زوجته لغرض تجاري، وتوجسا من سلوكاته تسلمت منه وصلا بضمان، مرت المدة المتفق عليها فشرع يماطلها في رد ما بذمته..

ازدادت العلاقة توثرا بعد أن بلغ إسماعيل أن زوجته مرشحة بقوة الى منصب وزاري في التعديلات القادمة..

اصر الخال كرجل قانون أن يستدعي الشرطة بعد الشك الذي داخله في زوج ابنة أخته، والموت فيه دم قد نزف من رأس مليكة بعد سقوطها من شدة الوجع، عارض الزوج تدخل الشرطة في أمر أسري ليس فيه سرقة ولا قتل. وهوما يجعل سمعة مليكة حسب رأيه تلوكها الأفواه بقراءات وسوء تأويل وظن.. يتفاقم النزاع بين الرجلين الى أن قال الزوج:

أرجو أن تنسحب لحال سبيلك فهذا أمر لا يهمك.، أنا "قاد بشغلي"..

رمى الخال على وجه إسماعيل ضحكة سخرية واستهزاء، أخرج هاتفه ثم استدعى رجال الشرطة..

لم يكن عسيرا ولا شاقا على رجال البحث بعد التشريح وقليل من الأسئلة أن الزوج هو القاتل. كان يعرف ان زوجته تشرب كأس ماء قبل نومها فوضع لها في الكأس سما هو نفسه الموجود في ابريق البابونج الذي لم يكن مطبوخا وانما مجرد زهرات موضوعة في ماء عاد.

تحليل دم الزوج لم تظهر أنه تناول أي منوم وانما هو ادعاء كاذب عززته الخادمة انها انتبهت لاسماعيل وهو يحاول أن يكشف عن عين واحدة وهي تستغيث به..

اعترافات الزوج أتت كالتالي:

كنت مدينا لزوجتي بخمسة ملايين درهم رفضت أن تتنازل عنها، رغم ما ورثته عن أبيها،وقد خيرتها لمجرد التهديد فقط بين ارجاع ما بدمتي وبين تخليها عن العمل عساها تتنازل عن المبلغ وتمزق الوصل الذي لديها مني، لكنها واجهتني بشراسة،وشراستها لم تكن عدوانا أو صياحا، شراستها كانت قدرة على احتضان الضحكة في عيونها و هي ترميني بكلمات ساخرة ذباحة تضعني امام تأدية الدين او الطلاق ومواجهة القضاء، وقد تفاقمت كراهيتي لها حين قالت:

حبذا لو كنت رجلا يستحق التضحية أما وأنت تعرف نفسك فالطلاق اضمن لك بستر عما تقوم به خلف ظهري..

كنت أخشاها، خشيتي على نفسي وأنا أتقلص أمام ارادتها وعزيمتها،، لم تكن تخفى عليها خافية من أموري، كان إحساسها باستقلاليتها وتحكمها في رغباتها هو ما يقزمني ويفنيني، كنت أسأل نفسي:

كيف تكونت لديها هذه الشخصية ؟.. تصل الى ماتريد بلا عنف أو صرامة،ضاحكة تنشر المسرة حولها.. تستطيع أن تسير دولة ببسمة وطلب.. كنت أمام قوتها أحس بحقارتي..

لما بلغني أنها مرشحة لمنصب وزاري في التعديلات القادمة أيقنت ان تركها لمنصبها كمسؤولة عن التصدير والاستيراد الخارجي قد يكون السبب في خسارتي، يكفي أن أقف في مطار أو محطة أو إدارة عمومية لتقضى كل أغراضي بلا تشديد أو تفتيش.. فباسمها ودون علمها أمرر أكثر من بضاعة بلا رقابة..أغري هذا وذاك بهدايا فيدخل اللعبة و لا يجرؤ على إبلاغها..

 زوجتي التي كانت ترفض أية توصية ولو صغيرة من أجلي وكثيرا ما انتابها شك في تجارتي، لن تتوانى إذا صارت وزيرة أن تتدخل ضدي خوفا من الرقابة التي تضغط بها المعارضة على الحكومة، وزوجتي كأبيها تموت ولا تسمح أن تفسد لها سمعة، فلماذا لا اقتلها كما قتلت أباها بنفس السم يوم شكاني اليه أحد رجال الجمارك بعد شكه في ما يختلط بصادراتي، صرت أخشاه، ولن يتوانى في التبليغ عني..

يتوقف قليلا وكأنه يخمد الحقد الذي يأكل صدره يبرز في عيونه كجمار حارقة.، ثم يتابع:

كل أصدقائي لهم نساء،هم من يتحكمون فيهن، تبعية مطلقة لأزواجهن، خجل وخوف من غضبهم، بعضهن ذوات تفكير سلبي يستطيع الرجل أن يراوغ ويتحكم ويأمر فيطاع، فما معنى أنا..تمنيت يوما أن اقودها وأستميلها لبعض أفكاري باللين حينا وبالشدة أخرى لكن كانت لها طريقة قاتلة في ردعي :

ـ أحمد الله ان لك زوجة بإرادة وعزيمة تستطيع أن تقودك الى عزك وغناك إذا اصدقتها النية، أنا سندك وعونك لا اطلب الا أن تكون معي صريحا.. اياك أن تتوهم أني لا اعرف كل خباياك، أنا فقط اتغاضى عساك تنتبه وترتدع.. ثق يا زوجي العزيز أني لن اسمح لك ولا لرجل غيرك ان يكون جَدْيا على ظهري يقفز بخداع..

منحني أبي من صدقه وعفته وضبطه لمهنته، ومن أمي ورث انوثتها وثقتها بنفسها واستقلاليتها التي استشعرها أبي بثقة فساعدها على ترسيخ تلك الاستقلالية بدعمه لها وتشجيعها على تحقيق أحلامها..

شيء لم استطع الايمان به فقد عشت محور البيت كأبي وكلمتي مسموعة على إخوتي البنات لايتحركن الا بإذني،فأنا الآمر الناهي..

انفجر باكيا بكاء جزع وفزع مما هو آت..

شرطية تضع يدها على كتفه إيذانا بانتهاء الاستنطاق..

 ***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

في نصوص اليوم