نصوص أدبية
رحيم الساعدي: برزخ
أحنُّ إليك…
إلى لحظةٍ من حنوِّ انهمارك،
وصدقِ انتظارك.
أحنُّ إلى لحظةٍ لن تجيء،
أرِقُّ لذكرِ تجاعيدك الناعمة.
أحنُّ إليك…
وكنت امل سماع الحكايا القديمة
تكرِّرها…
وأنت تعيد حكاياك القديمة
وأدفع عمري لأسمع
بعض حكاياك، أبي.
*
ويا لو لمحتُك في لحظةٍ عابرة،
أتعلم أني انتظرتك تجيء
برفقة طير يتيه…
كما حدَّثتني الروايات
عليك السلام، أبي،
عليك حنوُّ الله، أبي،
وبي بعض شوقٍ
لأمسح شرايينك الظاهرة.
أحنُّ…
لأني أموت ببطءٍ مساء الخريف،
لأن الرياح تجوب البيوت،
وتبكي مع أشجارنا العانسات،
وتمضي بصوتٍ حزينٍ يتيه
كطفلٍ صغير
إذا حان لون المغيب.
نموت كثيرًا،
لأن الأماني تراوغ خطوط يدينا،
نحاول ألَّا نستفيق.
أبي…
أيها الترابيُّ الحقيقة،
لقد كنا صغارًا،
نحطم كل أواني الغرابة،
ونجمع ألوان كل الوجوه
لنرسم غابة.
وكنا ننام على أسطح البيت
بصيفٍ فقير،
نحدِّد بعض النجوم بخدِّ السماء،
ونلصقها بأسماء من نحب.
هناك…
كان علينا عبور المحيطات،
ونحت المعاني،
وفهم انتظار المدى بنافذةٍ واحدة.
أمرَّ عليك طريق البرازخ،
وقد كنت تطيل السؤال لذاك الطريق،
فأرسم من التأويل فخًّا
لكي لا تخف، مثل كل الراحلين.
أحنُّ لصمتك في كل حين.
أبي…
مللت البقاء على صورةٍ لن تعود،
مللت الحداد ورسم القيود،
فكل الذين يطيرون إلى الله لا يرجعون،
وكل الذين يمرون مثل ضوء الغروب،
يتيهون عند انتصاف الغروب الأخير.
ولم يأتنا من يقول:
تعالوا،
سيُكشف عندها ما يكون.
تعالوا…
لفهم كل الذي ترغبون.
وكنا نخاف من الذاهبين.
أحنُّ…
فمرَّ عليَّ بجنح الفراشة،
بتحريك سعف النخيل،
بصوت اليمام
***
د. رحيم الساعدي







