آراء

ماذا يريد المجلس الرئاسي اليمني من الحوثيين؟

محمود محمد عليلا شك في أن أي فرصة سلام في أي حرب هي خبر سعيد، واليمن ليس بالاستثناء، فهل هي الفرصة المنتظرة؟.. مساعي السلام بين الفرقاء المتحاربين في اليمن، حتى مع الحوثيين، ليست جديدة، ولا هي هذه المرة نتيجة لهجمات الدرونز على السعودية. فقد سبقتها محاولات، أولها في أغسطس (آب) عام 2016 مع الحوثي نفسه. المشكلة دائماً، مثل تلك المرة، أن الفريق الحوثي بعد أن يغادر الرياض متحمساً للسلام إلى صعدة يجد قيادته هناك غيرت رأيها. هذه الجماعة، «أنصار الله» اليمنية، عملياً مثل "حزب الله" اللبناني، لا تستطيع أن تتقدم خطوة من دون استئذان طهران. والذين ينفون سيطرة الإيرانيين على الحوثي، مدعين أنه مجرد تأثير فقط، ليسوا واقعيين. ففضلا عن التبعية الآيديولوجية، والإيمان بزعامة الولي الفقيه في طهران، أيضاً، منظومتهم العسكرية في اليمن تديرها طهران، فالخبراء والمشغلون هم من «حزب الله» اللبناني، وبالتالي لا يستطيعون القتال أو السلام دون موافقة من هناك.. إذن، لماذا الانفراجة الجديدة، رغم ارتفاع التوتر مع إيران؟

اعتقد أن السلام في اليمن مهم للسعوديين وقبلهم لليمنيين، وهي أزمة تغذي خلافات بقية المنطقة. فالمصلحة من السلام عامة ولا بد أن نجرب المحاولة مرة أخرى، بيد أن الوضع في اليمن يبين لنا أن هناك أخبار سارة وأخبار غير سارة، والأخبار السارة هي الهدنة التي توافقت عليها الأطراف المتحاربة وبدأ سريانها منذ أول شهر رمضان 2022 وتستمر لمدة شهرين مع رفع جزئي للحصار، ما يعني تخفيفا لمعاناة الناس، وما أعظم معاناة الناس في اليمن؛ أما الأخبار غير السارة فهي أن هذه الهدنة يصعب أن تصمت طويلا، فضلا عن أن تتطور إلي اتفاقية سلام وتسوية شاملة .

وفي اليمن هناك أمران باتا محل شك، الأمر الأول أن يقنع اليمنيون بالسلام بشكل دائم، والأمر الثاني أن يعود اليمن كما كان دولة واحدة، وعلى الأرجح سوف نجد أنفسنا في السنوات المقبلة أمام أكثر من يمناً، وليس يمناً واحد .

والسؤال هنا الذي نود أن نطرحه: فهل ستشهد الحرب في اليمن نهاية أطول حرب عرفها اليمن، وهي على مشارف السنة السابعة، منذ بدايتها في مارس (آذار) 2015، أم أن نهاية الحرب مجرد آمال، ولن تُطوى صفحاتها المأساوية بهذه السهولة؟ وهل هناك بوادر انفراج وإمكانية اقتراب من التوصل إلى وقف إطلاق النار، ثم البدء في التفاوض من أجل الاتفاق على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة؟.. لماذا يصعب أن يتحقق السلام؟

والإجابة هي أن الفرص الحالية للسلام تؤكد أنها صعبة جدا وذلك لأن كل الأطراف المتحاربة لم تحقق أهدافها بعد، لكنها لم تفقد الأمل، ولم تفقد القدرة لتحقيق هذه الأهداف باستخدام القوة العسكرية، وهناك أكثر من حربا في اليمن؛ ولكننا نتحدث هنا في هذه الورقة عن الصراع الرئيسي بين الحوثيين وأعدائهم .

وإذا رجعنا لسبع سنوات ماضية عندما قامت المملكة العربية السعودية حين شنت هذه الحرب على جماعة أنصار الله السادس والعشرين من مارس عام 2015، كانت لها أهدافاً محددة ومعلنة؛ وأولها هزيمة أنصار الله وحلفائها في اليمن، وثانيها إعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء، ثالثها هو قطع الطريق على تمدد النفوذ الإيراني في اليمن وفي الجزيرة العربية، حيث لم يكن مقبولا للسعوديين أن يجدوا على حدودهم الجنوبية جماعة تشبه حزب الله في لبنان، وتهدد أمنها القومي، وكان المتصور أن هذه الحرب سوف تكون حربا خاطفة وسريعة، ولذلك أسموها بـ" عاصفة الحزم" .

ولذلك رأينا "جون برينان"- (مدير المخابرات الأمريكية السابق)، كتب في مذكراته أن ولي العهد السعودي " محمد بن سلمان"، قال له أن هذه حرباً لن تستغرق أكثر من عدة أسابيع، وسوف يتمكن السعوديون ومعهم قوات التحالف من إعادة الأمور إلى نصابها في اليمن قبل أن يتفرغوا إلى مشاكلهم في الشمال، وذلك في إشارة على الأرجح إلى الأوضاع في سوريا وقتها؛ لكن هذه الحرب السريعة والخاطفة استغرقا أكثر من سبع سنوات وللأسف فإن هذه الحرب تزاد قوة وشراشة ولا تهدأ، وهذه الحرب لم تنجح حتى هذه اللحظة في هزيمة الحوثيين، ولم تتمكن من إعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء .

أما فيما يتعلق بإيران فإن العلاقات بينها وبين الحوثيين أضحت أقوي بكثير مما كانت عليه قبل 2015، وإيران هي الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة صنعاء وبينهم تبادل لسفراء منذ 2019- 2020، والحرب تزداد شراشة وضراوة،وذلك لأن الطرفين يسعيان إلى حسم هذه الحرب لصالحه، وفي نهاية 2021 كان الحوثيون يعتقدون أنهم تمكنوا من حسم الصراع لصالحهم في اليمن الشمالية، إن كانت تواجهه مجموعة من المشاكل، وواحدة منها هو أن يجد مصادر للتمويل ومصادر للطاقة، وحتى تكون الحياة مقبولة في المناطق التي تخضع تحت سيطرته والتحالف الذي ينضم إليه ويحكم صنعاء؛ وأين يمكن أن يجد الحوثيين مصادر التموين ومصادر الطاقة ؟ .. والإجابة تكون في ثلاثة أماكن: مأرب، وشبوة، وحضر موت .. وهنا فكر الحوثيين أن يبدأوا بالسيطرة على مأرب وشبوة وينتزعهما من قوات الحكومة الشرعية، وبدأ هجوما على مأرب في فبراير 2021 ونجح في البداية في تحقيق بعض المكاسب .

بيد أن قوات التحالف أدركت خطورة ما يجرى وأنه لو تمكن الحوثيين من السيطرة على مأرب وشبوة، وتمكن من تأمين مصادر التمويل ومصادر الطاقة وإزاحة قوات الحكومة الشرعية من آخر معقل رئيسي لها في اليمن الشمالية فقد حُسمت الحرب، ومن ثم كثفت قوات التحالف مواجهة الحوثي ونظمت صفوفها وألحقت به خسائر في آخر ديسمبر 2021 وبداية يناير 2022، فأراد الحوثيين أن يخفف من حدة الهجوم عليه، وذلك بنقل الحرب إلى خارج اليمن، وبالتالي كثف الحوثيين من هجماتهم في العمق السعودي والعمق الإماراتي كما رأينا ذلك في الشهرين الماضيين من سنة 2022 ، وأضحت لنا الرسالة واضحة من قبل السعودية والإمارات والتي تبين أنه لا يمكن وقف هجمات الحوثيين علينا ولكننا نستطيع أن نجعله مكلفا جدا لكم، وقد نجحوا في ذلك .

وفي هذا الإطار فكرت قوات التحالف في اتخاذ نهج جديد للتعامل مع الحوثيين، وبدأ تنفيذ هذا النهج الجديد من خلال مؤتمر مشاورات الرياض، وهو المؤتمر الكبير الذي بدأ في آخر مارس 2022 ولعدة أيام في أبريل ودعت السعودية كل الأطراف المتحاربة للحضور إلى المؤتمر في الرياض، فحضر الجميع ما عدا جماعة " أنصار الله" التي رفضت الحضور ورفضت الاعتراف مسبقا بمخرجات المؤتمر واعتبرت المشاركين مجموعة من المرتزقة الخاضعين لإملاءات السعودية والإمارات .

في مؤتمر مشاورات الرياض قرر الرئيس " عبد ربه منصور هادي" بالتنازل عن صلاحياته سواء عن اقتناعه الشخصي، أو أنه أُقنع بذلك تحت ضغط القوات المتحالفة، وقرر إعفاء نائبه الجنرال " على محسن الأحمر " من منصبه وتخلى عن صلاحياته إلى مجلس رئاسي مكون ثمانية أشخاص برئاسة " رشاد العليمي"، وهذا المجلس غُهد إليه في مؤتمر مشاورات الرياض بإدارة شؤون البلاد خلال مرحلة انتقالية لم تحدد مدتها، كما عُهد إليه أيضا بالتعامل مع أنصار الله، إما بالتفاوض ومحاولة اقناعه بالتوصل إلى تسوية شاملة وسلام دائم، أو إن تعثرت المفاوضات أن يقوم هذه المجلس بمواجهة الحوثيين في ميدان المعركة.

والسؤال الآن: هل يمكن أن تؤدي التغيرات الأخيرة إلى تحقق السلام مع الحوثيين وأن يحل السلام على اليمينيين؟

يري الأستاذ سيد جبيل بأنه الأقرب إلى العقل والمنطق بأن التطورات الأخيرة سوف تؤدي إلى تجدد المواجهات لسبب بسيط أن المفاوضات تنجح حين تكون المتناقضات سنوية أو حين تكون أمور يمكن التفاوض عليها وهو أن يقدم كل طرف تنازل، لكن تفشل المفاوضات بل لا تبدأ أصلا إذا كانت المتناقضات جوهرية وكبرى .

ولو رجعنا للماضي لمعرفة أبعاد المشكلة في اليمن وهي المعادلة صفرية بين الأطراف المتحاربة، وما يريده المتحالفون لا يوافق عليه الحوثيون وما يريده الحوثيين لا يمكن أن يسلم به المتحالفون أبدا .

وهنا نتساءل: ماذا يريد المتحالفين من الحوثيين؟ ... والإجابة ببساطة يريده أن يتنازل عما حققه أو اكتسبه في ميدان المعركة خلال أكثر من سبع سنوات على مائدة التفاوض وهذا أمر لا يمكن أن يقبل به جماعة الحوثيين؛ واعتقد أن جوهر كل المبادرات الدولية والإقليمية منذ أن تمكن الحوثيين من الكلام على حكومة الرئيس " هادي" في آخر عام 2014 والتي تقوم علي أساس قرار رقم "2216"، وهو القرار الذي أصدره مجلس الأمن في أبريل 2015، وجوهر هذا القرار في كونه يعتبر جماعة أنصار جماعة إنقلابية يجب أن تعيد الأوضاع على ما كانت عليه قبل انقلابها في اليمن، ويشير إلى الحوثين أكثر من احدي عشرة مرة وكلها بشكل سلبي باعتباره أنها جماعة متمردة وانقلابية، ويطالبها بأمرين بالتخلي عن سلاحها، والتخلي عن الأراضي التي احتلتها وسيطرة عليها بغير وجه حق، وإعادتها للحكومة الشرعية، وهذا أمر لم يقبل به الحوثيون ولا يمكن أن يقبلوا به.

ولكن ما الذي يريده الحوثيون؟ .. والإجابة تريد أن تعامل على أنها الحكومة الشرعية والقوة المنتصرة وتريد باختصار أن يتم التعامل معها في اليمن كما تم التعامل مع جماعة طالبان في أفغانستان، وتريد قبل أن تجلس على مائدة التفاوض مع القوي الأخرى المعادية لها، أن تتوقف هذه القوى عن قذفها والحرب عليها وان ترفع الحصار المفروض عليها ويتم تبادل الأسرى؛ أي أن تنعم بحياة طبيعية في الأماكن التي تسيطر عليها في شمال اليمن .

ولا يمكن أن يقبل الحلفاء بهذه المطالب الحوثية لأنه تسليم بانتصارهم في هذه الحرب الطويلة، والتسليم بانتصار الحوثيين هنا، معناه التسليم بانتصار إيران على السعودية والإمارات وقوات التحالف والمجتمع الدولي وهذا أمر يصعب تصوره، وذلك لأن التسليم بطلبات الحوثيين والرضوخ به باعتباره أمرا واقعا، يعني أن جماعة أنصار الله باتت تسيطر على شمال اليمن على الأقل ومن وراءها إيران وبات لإيران موطئ قدم في الجزيرة العربية وفي منطقة حساسة جدا وهي اليمن مما يعني أنها قادرة على السيطرة أو التحكم في مضيق باب المندب الذي هو حيوي للتجارة العالمية، ويعني أيضا قدرة دائمة لجماعة أنصار الله، ومن وراءها إيران لتهديد امن السعودية كما حدث خلال السنوات السبع الماضية، بل وتهديد كل مدن الخليج، كما أن هناك دول غير عربية تشعر بالقلق وتلعب دورا مؤثرا من وراء الكواليس مثل "إسرائيل"، والتي تتابع ما يجري بقلق شديد ما يحدث في اليمن، وأنها تعتقد أن الإيرانيين يريدون استخدام اليمن وحلفاؤهم الحوثيين الذين يصفون دائما إسرائيل بأنها الشيطان الذي يجب أن يحاربوه، سوف تحول اليمن تحت سيطرة الحوثيين لقاعدة انطلاق ومهاجمة إسرائيل، والمسافة ما بين المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين والمدن الإسرائيلية وبين الإمارات العربية المتحدة مسافة قريبة، فإذا طالت صواريخهم " أبو ظبي" يمكن جدا أن تطول المدن الإسرائيلية وبالتالي فإن الإسرائيليين يشعرون بقلق شديد ويلعبون دورا مؤثرا .

أيضا المجتمع الدولي قلق من احتمال تأثر التجارة الدولية بوجود جماعة يصعب أن يم التعامل معها كما يصعب أن يتم التعامل مع جماعة طالبن في أفغانستان، ومصرنا الحبية لم تشعر بالطمأنينة إن سيطر الحوثيين على مضيق باب المندب، وهذا يؤثر على قناة السويس.

كل هذه الأسباب لا يمكن أن نتخيل أن المجلس الرئاسي الجديد يمكن أن يقبل بطلبات الحوثيين ومن ثم نعود إلى المربع رقم واحد، ونكون أمام معادلة صفرية، والحل يكون من خلال أمرين: إما أن يتنازل المجلس الرئاسي ومعه قوات التحالف، أو يتنازل الحوثيون، وهذا أمر غير متصور، وكل من الطرفين لديه فائض قوة على مواصلة القتال وبالتالي الأقرب للمنطق، أو السيناريوهات الأقرب إلى التحقق هو مواصلة القتال وليس تحقيق السلام، وهو الأمر الذي يأخذنا إلى فكرة أن السلام يصعب أن يتحقق في المستقل المنظور في اليمن .

وثمة نقطة أخرى مهمة وجديرة بالإشارة وهو أن اليمن يواجه أيضا بالتوازي وهو أن اليمن معرض لسيناريو كارثي وهو تفكك اليمن نفسها وأي بلد تتفكك تزيد فرص الصراع فيها، ومن ثم فنحن لسنا فقط أمام يمن شمالي ويمن جنوبي على أرض الواقع، بل نحن أمام أكثر من يمن، ففي 2017 ، كتب أحد الكتاب الأمريكيين وهو يلين لاكنر كتابا بعنوان " اليمن في أزمة: الطريق إلى الحرب"  ثم أُعيد نشره، في مطلع العام الجاري، بعد إضافةِ بعض التطورات التي مرّ بها اليمنُ إليه. يتسِم الكتابُ بالتنوع، ويزخر بالمعلومات حول التاريخ الحديث لليمن. ورغم ذلك، فإن الكتاب يعتريه عددٌ من مواطن الضعف؛ خاصةً ما يتعلق بتقييم الأوضاع والتطورات المعاصرة في اليمن، وتبدو الميولُ السياسية للكاتبة واضحة كثيرًا، وتركت بصماتها المنحازة في تحليلها للأوضاع المعاصرة في اليمن.

وتشير لاكنر إلى أن احتجاجات “الربيع العربي” في اليمن في عام 2011 كانت أضخمَ وأطولَ أمدًا عن مثيلاتها في الدول العربية الأخرى. وتسرد الجهودَ المبذولة لإقناع صالح بترك منصبه، ومقاومته وخضوعه في نهاية المطاف، وإطلاق مؤتمر الحوار الوطني في مسعى لحلحلة الوضع، وفشل هذا الجهد، الأمر الذي مهد الطريقَ للانجرار إلى الحرب الأهلية. وتضيف لاكنر أن الحكومة المؤقتة بعد صالح، التي يترأسها عبد ربه منصور هادي، المكلفة بالإشراف على مؤتمر الحوار الوطني، كانت من أكثر حكومات اليمن من حيث انعدام الكفاءة، وهو رأي تؤكد الكاتبة عليه.

ومع ذلك، فإن أسباب فشل مؤتمر الحوار الوطني عديدة. وفي هذا الصددِ، تشير لاكنر إلى عدم قدرة اليمنيين أو المجتمع الدولي -وفي الواقع عدم بذل الجهود- على إخضاع الوحدات العسكرية الأكثر قوة لسيطرة الدولة. وبدلًا من ذلك، استمر نفوذ صالح في التضخم. كما أن المشاركة المكثفة في الحوار الوطني من قبل العناصر التي كانت جزءًا من نظام صالح، بما في ذلك الإسلاميون من حزب الإصلاح، وإقصاء النساء والشباب والمجتمع المدني، لعبت دورًا في هذا الفشل أيضًا. وشاركت الأمم المتحدة في هذا الفشل أيضًا، من خلال تدخلها في مؤتمر الحوار الوطني، والذي ما كان لها أن تتدخل فيه، والإخفاق في بذل جهودٍ منسقة في المجالات التي كان من الممكن أن تكون فيها مفيدة، مثل وضع الأجندة لذلك الوقتِ الشحيحِ، بحيث يمكن استخدامُه بحكمة لحل القضايا المُلحّة.

والأمر الذي لا يقلّ أهميةً عن كل هذه العوامل، الذي دمر مؤتمر الحوار الوطني والعملية الانتقالية بالكامل، هو انقلاب الحوثيين الذي وقع على ثلاث مراحل: تخزين الأسلحة، واجتياح المناطق النائية في الشمال، والاستيلاء على العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، الذي لم يتحقق إلا بتعاون صالح مع الحوثيين، والإطاحة رسميًّا بالحكومة في يناير 2015، وبعد ذلك فرار هادي والعديد من رفاقه إلى عدن.

وتعترف لاكنر بسلسلةِ الأحداث هذه، وحقيقة أن الحوثيين تحركوا بقوة للاستيلاء على عدن في مارس 2015، مما دفع التحالف الذي تقوده السعودية إلى التدخل لمحاولة إعادة حكومة هادي المعترف بها دوليا. وتعليقًا على هذا، تقول لاكنر: “بدون تدخل التحالف الذي تقوده السعودية، ليس هناك شكّ في أن قوات الحوثيين-صالح كانت ستسيطر على البلاد بأسرها في وقت قصير”، مما يُفجّر “تمردًا طويل الأمد”، واضطراباتٍ في جميع أرجاء اليمن.

ومن جهة أخري فإنه لمعرفته بالتركيبة المجتمعية في اليمن، وأسباب مخاوف الحوثيين من إحلال السلام، أشار المبعوث الأميركي لليمن ليندركينغ، في جلسة استماع في مجلس النواب مع لجنة العلاقات الخارجية، إلى الحوثيين بقوله إن «هناك قبولاً أكبر بأن الحوثيين سيكون لهم دور مهم في حكومة ما بعد الصراع في اليمن". وبذلك، وجّه رسالة طمأنة للحوثيين بأنهم مع إحلال السلام لن يتم تهميشهم، كما كان وضعهم في الماضي، وسيكون لهم دور مهم في الحكومة، مضيفاً: «باستثناء استمرار تركيزهم على استمرار هجومهم العسكري على مدينة مأرب، لأن هذا الهجوم هو أكبر تهديد لجهود السلام، وكانت له أيضاً تبعات إنسانية مدمرة على مدى السنوات الست الماضية".

وخلال إحاطته، وفق ما نشر في هذه الصحيفة، تحدث المبعوث الأميركي عن الوضع الإنساني اليمني، قائلاً: «في بداية الحرب صرح قادة المنظمات الإنسانية أنه بعد 5 أشهر سيبدو اليمن مثل سوريا بعد 5 سنوات، لأن الوضع في اليمن كان بالفعل غير مستقر قبل بدء الحرب، والآن ينهار الاقتصاد تاركاً العائلات غير قادرة على شراء السلع الأساسية»، مؤكداً أن المساعدات الإنسانية المختصة بالغذاء والطعام لا تواجه قيوداً من قبل التحالف العربي الذي تقوده السعودية، إذ إن المساعدات الإنسانية تعتبر شريان حياة حاسماً للملايين، وتساعد على منع المجاعة، لكنها لن تكون كافية أبداً.

والغريب ما جاء في إفادة ليندركينغ قوله: «إن الحوثي يستجيب للضغط الدولي، ولا بد على جميع الأطراف المساهمة في الدفع بذلك»، مستدركاً ما ذكره بأن «ما يراه في الميدان هو أن الحوثيين يناقضون ما يقولون، وذلك من خلال عرقلة إيصال المساعدات، وزيادة الاعتداءات على السعودية واليمنيين وخطف المدنيين وتسليح الأطفال والانتهاكات لحقوق الإنسان"؛ والجدير بالإشارة إليه اتهام ليندركينغ الإيرانيين بدعم الحوثي، وأنهم الطرف الوحيد الذي يقف مع الحوثيين ويمدّهم بالسلاح، والتدريب، والاستمرار في الدور السلبي لزعزعة استقرار اليمن.

***

ا. د. محمود محمد علي

......................

المراجع:

1- سيد جبيل: لماذا يظل السلام بعد 8 سنوت من الحرب أملا بعيدا فى اليمن؟، يوتيوب.

2- أنظر يلين لاكنر: اليمن في أزمة: الطريق إلى الحرب، ضمن قراءة في كتاب «اليمن في أزمة: الطريق إلى الحرب، منشور في 19 مايو 2019.

3- عبد الرحمن الراشد: هل هي نهاية حرب اليمن؟، الشرق الأوسط.

4- د. محمد علي السقاف: نهاية حرب اليمن... هل من بوادر انفراج؟، الثلاثاء - 16 شهر رمضان 1442 هـ - 27 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15491] 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5710 المصادف: 2022-04-24 03:03:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م