قضايا

هادي العلوي.. رائد المزاوجة بين الماركسية والتراث

3585 هادي العلويمع صعود بعض تيارات التكفير والاغتيالات التي قامت بها أجهزة الأمن العربية وراح ضحيتها الكثيرين في عمليات الاغتيال والتشهير لم يكن أول شهدائها الدكتور "حسين مروه" ولم تقتصر الملاحقة على "مارسيل خليفة" أو "نصر حامد أبوزيد"، ومن قبل " فرج فوده"، وهنا يستجضرنا نفس السيناريو مع المفكر العراقي السيّد "هادي نوري سلمان العلوي" (1932 - 27 سبتمبر 1998) والذي قال "أجوع مع الجائعين، فذلك هو شرط المعرفة. وألتحف في المنافي، فذلك هو شرط الحرية. وإذا رضي عني الحسين بن منصور فليغضب عليَ كل سلاطين العالم".

وعندما نتصفح ما صدر من كتب ودراسات وأبحاث للمفكر العراقي هادي العلوي، نجد أنفسنا أمام موسوعة علمية تراثية زاوجت بين الماركسية والتراث الإسلامي والتصوف، رجل زهد في الحياة وتفرغ للبحث والدراسة خدمة للبشرية جمعاء ولإظهار الحقيقة ليس إلا، فهو شخصية فكرية مهمة في القرن العشرين "قدم للمكتبة العراقية والعربية والعالمية أكثـر من 20 كتابا تناولت التصوف وقضايا التراث الإسلامي.. تميزت بتحليل ونكهة ماركسية".

قال عنه أستاذنا شاكر فريد حسن هادي العلوي بأنه مثقف عضوي ونقدي عراقي، وباحث شفاف وعميق، ينتمى للفكر التحرري والديمقراطي والثقافة الماركسية والانسانية المقاتلة والمدافعة عن الحق والحرية والمساواة والديمقراطية والعدل الاجتماعي. تميز باتساع المعرفة والمصداقية والبحث الدائم عن الحقيقة، والارتكاز الى العمق الفكري والارث الأخلاقي الانساني والابحار في التنوّر والتراث العربي والتبصر بالقضايا الثقافية والفكرية، وموقفه النقدي نابع من منظور انساني.

ويستطرد فريد حسن هادي فيقول: امتاز هادي العلوي بلغته التي تستند الى التراث والمعاصرة والجرأة في ولوج عالم الممنوعات والمحرمات وطرح ما هو جديد وطريف في ميادين دراسة وتقويم التراث العربي الاسلامي الانساني . وتنم قدرته الفائقة في توظيف علمه الموسوعي والفلسفي وتمهيد الطريق أمام المثقفين لقيادة المعارك الثقافية والايديولوجية الحضارية الساعية لبناء الديمقراطية وفتح آفاق التقدم الاجتماعي . وقد أسهم بفعالية في انبعاث المشروع النهضوي والتنويري والخطاب العلماني العربي وطرح رؤية جديدة للمستقبل، وناضل بالكلمة والممارسة والموقف من اجل ترسيخ هذه الرؤية في الثقافة العربية المعاصرة . وغني عن القول أن الوطن العربي يحتاج في هذه الأيام العاصفة الى فكر وأبحاث هادي العلوي، وللعقول المتنورة للدفاع عن حرية الفكر والابداع ومواجهة الثقافة المتعولمة.

وقال عنه الصديق المرحوم ميثم الجنابي:" إنه "جمع في أعماقه وشخصيته هموم الثقافة العربية وتاريخها الحر وروحها النقدية. من هنا تنوعت أبحاثه ومواقفه بحيث نعثر فيها على أشكال ومستويات وتنويعات عديدة، إلا أنها تعكس أساسًا ما أسميته بوحدة همومه الفكرية والروحية. ولا يقلل من قيمتها الطابع الجزئي والعرضي والأيديولوجي الصرف أحيانًا الذي نعثر عليه في بعض كتاباته. فقد كانت على سبيل المثال كتاباته اللغوية اجتهادات جزئية. وينطبق هذا على مؤلفاته التاريخية. وقد يكون من الأدق القول بأنها دراسات وأبحاث ومواقف في قضايا التراث العربي الإسلامي. وينطبق هذا على كتبه السياسية. أما التصوّف فإنه لم يكتب فيه شيئًا. واقترابه منه كان في نهاية العمر، ومحصورًا في قضايا تتعلق بالقيم فقط. وأقصد بذلك قيم التصوف الأخلاقية ونمط الحياة الشخصي والفردانيّة الحرّة وفكرة المثقف القطباني أو الكوني".

ولد الراحل في بغداد، كرّادة مريم، في عام 1933، ضمن عائلة فقيرة، لم تورث شيئًا سوى مكتبة ضخمة، غنية بكتب التراث والفقه واللغة والتاريخ والتي تعود إلى جده السيد سلمان فقيه الكرادة وإمامها.

وقد حفظ القرآن ونهج البلاغة والكثير من دواوين الشعر العربي، وأنهى دراسته الثانوية سنة 1950 وتخرج في كلية التجارة والاقتصاد. ومنذ ذلك الحين تفتح وعيه النضالي، وشهد الكثير من الأحداث السياسية المضطربة.

كان العلوي مفكرًا وكاتبًا غزيرًا ألّف الكثير من الكتب التي تدور حول مختلف حقول المعرفة: المشاعية - كما يؤثر تسميتها-، التراث، الحضارة العربية والإسلامية، والصينية، وغيرها الكثير من المؤلفات القيمة. و كانت أطروحاته مثيرة للجدل بين الأوساط الثقافية، فمن الصعب للغاية تصنيف العلوي وتنسيبه لحقل من حقول المعرفة، إنها إشكالية منهجية ليست بالهيّنة حينما يراد تصنيفه كما يقول رفيق دربه الباحث العراقي علاء اللامي.

ومن مؤلفاته "شخصيات غير قلقة في الإسلام، ومن تاريخ التعذيب في الإسلام، والاغتيال السياسي في الإسلام، وديوان الهجاء، والمرئي واللامرئي في الأدب والسياسة، وفصول عن المرأة، والمعجم العربي الجديد، وكتاب التاو، خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الإسلام، وفصول من تاريخ الإسلام السياسي، المعجم العربي المعاصر: قاموس الإنسان والمجتمع، وديوان الوجد، ومدارات صوفية.. الخ.

كما أن العلوي تفرد بين المثقفين المعاصرين له من العراقيين والعرب بأفكاره حول الشرق ومعرفته المتصلة بالحضارة الإسلامية والصينية، واطلاعه على اللغات اللاتينية والعبرية والآرامية والصينية. وقد سعى إلى التجرد الكامل واللاتشخص واللامحدودية عند المثقف حتى أطلق عليه المثقف الكوني. عرف بأنه كان صوفيّ النزعة والسلوك وله إسهاماته في تراث الصوفية الشرقية. «وهو في هذا السياق لا يُمجّد الشرق ولا يحافظ على تابوهاته الدينية والأسطورية، بل يؤولها ويبحث فيها عن مصائر الإنسان من خلال منظوماته العلائقية وبيئاته المختلفة.»

ومن ناحية أخرى فقد شكلت كتبه وآراؤه صدمة للمثقفين ولقرائه لما فيها من اشكالية في طرح قضايا تعتبر من "المحرمات التي لا يستطيع المثقف العربي طرحها أو مجرد ذكرها. وقدم أعمالا فكرية وأبحاثا غاصت في عمق التراث العربي والإسلامي، الذي وجد فيه أولا وقبل كل شيء فكرا معارضا لسلطة الدولة الغاشمة والمال في العصور الغابرة.

إن قارئ كتابات هادي العلوي يصاب بالدهشة للوهلة الأولى عند قراءة كتبه.إذ يقف أمام أحد العقول الموسوعية التي حاولت المزاوجة بين الماركسية والتراث وهو جوهر مشروعه فيذكر العلوي أن التجارب الشيوعية فشلت عندنا بسبب أحاديتها المرجعية، إذ اعتمدت حصراً على المصادر المترجمة وأن المصادر الماركسية وحدها لا تكفي وقد أهمل الشيوعيون مصدر التأصل للفكر الشيوعي والنضال الشيوعي، وحاول العلوي أقلمة الماركسية وكان جزءا من مراميه الأخيرة أن أقترب إلى التصوف في أواخر حياته. الماركسي المتصوف، سليل الحضارتين،اليساري الملتزم، الولي، المثقف المتمرد، هذه التسميات وغيرها أطلقت على الباحث العراقي الشهير هادي العلوي.

ولهذ فقد قدم هادي العلوي البغدادي للمكتبة العراقية والعربية والعالمية كما قلنا أكثر من 20 كتاباً تناولت قضايا التراث العربي والإسلامي وقضايا التصوف وقضايا المرأة، والعديد من المقالات التي تميزت بتحليل ونكهة ماركسية. لكنه وقف في الوقت نفسه ضد فكرة التقديس. فلا شيء مقدس، انطلاقا من كل شيء قابل للنقد والتحليل الموضوعي. وكان نقده واضحا وصريحا لأصحاب العقيدة الشيوعية من السياسيين والمثقفين الذين اخذوا بالانحراف، من وجهة نظره، عن أصولهم الفكرية.

كما حاول هادي العلوي البحث عن زعيم مقتدر يجمع بين الشرف الشخصي والشرف الوطني والطبقي لكي يعمل معه. لكنه لم يعثر عليه إلى أن وافاه الأجل؛ حيث كان العلوي يرى في أبي العلاء المعري نموذج التنوير في الإسلام وفيه يجتمع من مقومات الموقف النموذجي لمفكر حر، ومناضل اجتماعي ما قد نجده متفرقاً في سواه. ففي كتابه المهم "مدارات صوفية" إدانة واضحة للمثقف المرتشي عبر العصور ولمثقف العصر الخاضع والمستلب لسلطة المالوقد دعا العلوي لبناء مرجعية خاصة بعد أن رأى أن المرجعية الحديثة تنحصر في الثقافة الغربية بمطلقيتها وأحاديتها. ولد هادي العلوي في بغداد سنة 1932 ونشأ في (كرادة مريم)، التي كانت آنذاك ضاحية ريفية من ضواحي بغداد. ثم أنهى دراسته الثانوية سنة 1950 وتخرج في كلية التجارة والاقتصاد بتفوق عام 1954. في أوائل الخمسينيات تعرف هادي العلوي على جريدة (الأهالي) التي كان يصدرها كامل الجادرجي فصارت جريدته المفضلة. في نفس الفترة الزمنية تعرف على علي الشوك، احد أبرز المثقفين العراقيين. وتوطدت معه علاقة متأخرة في الزمن لكنها أضافت الكثير إلى مخزونه المعرفي. بدأ العلوي نشر بحوثه بعد أن استكمل أدواته المنهجية الخاصة. وكان أول بحث قد نُشر في مجلة (المثقف) سنة 1960 التي كان يصدرها علي الشوك، وكان البحث عن أبي حيان التوحيدي وكتابه (مثالب الوزيرين). ترك العلوي نتاجاً معرفيا في مجالات الفكر العربي والإسلامي وغيرها. واهتم في أواخر حياته بما اسماه مشروع المشاعية.

ولم تأسره الأيديولوجية بعد أن هجر الأيديولوجيات الحزبية. وقد اعتبره المستشرق الفرنسي جاك بيرك أحد أهم عشرة مفكرين في القرن العشرين. كانت كراهية العلوي بكل أشكالها كرهاً مبدئيا وليس أيديولوجيا. فهو ضد كل أنماط السلطة. ورغم كونه عنيف المزاج في العبارة والفكرة، لكنه كان رقيق القلب متواضعاً كالحقيقة، شامخاً مثلها. لم يدرس فكر هادي العلوي دراسة علمية ومعرفية حتى هذه اللحظة سوى الدكتور ميثم الجنابي رحمه الله في كتابه (فلسفة الثقافة البديلة) الصادر عن دار ميزوبوتاميا في بغداد. وهو الجزء الذي سبق ان نشره الجنابي على 11 حلقة في مختلف الجرائد العراقية. ترك هادي العلوي العديد من المؤلفات، مثل أراء وأصداء " وهو أول كتاب له ويجهله الكثيرون.

وفي 27 أيلول/سبتمبر 1998 توقف قلب المفكّر العراقي هادي العلوي، ذلك القلب الذي يوصف بأنه نصب له سرادقًا واسعًا لمحبة الخلق والسهر على راحتهم، أسوةً بأسلافه أقطاب الصوفية الكبار. وفي هذا القلب المشاعي الكبير، تزدحم أطياف غوته وماركس، والكَيلاني والحلاج، ويوتوبيا الهم المشاعي الذي بقي يطارده طوال حياته، وكان جياع الناس وفقرائهم شهود عيان على زهده وعطاءه الذي لم يتوقف يومًا من جمعيته التي أسسها لدعمهم. وكانت أغلب مردودات كتبه المالية تذهب لبطون المحتاجين، من غير أن يتجرأ يومًا ليشتري بها شيئًا سوى ما يسد به رمقه، بحسب معاصريه.

رحم الله الدكتور هادي العلوي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

المراجع:

1- شاكر فريد حسن: هادي ال رسائل هادي العلوي

2- علوي .. صوت العقل وتوهج الكتابة، مقال منشور في أبريل 2022 00:06 صباحا

3- هادي العلوي: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

4- خليل أحمد خليل (2001)، موسوعة أعلام العرب المبدعين في القرن العشرين (ط. الأولى)، بيروت، لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ج. المجلد الثاني، ص. 872-877. محطات من حياة وفكر هادي العلوي للباحث مازن لطيف

5- نبيل عبد الأمير الربيعي: محطات من حياة وفكر هادي العلوي للباحث مازن لطيف، 2013/08/31 07:48:01 م

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5709 المصادف: 2022-04-23 01:57:12


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م