قضايا

العرف العام وبناء العقلاء

ثمة مفاهيمُ تبدو للوهلة الأولى في غاية البساطة. لكنَّها تنكشف عن تعقيد غير متوقع، حين توضع أمام نقائضها ونظائرها. تحدثت في الأسبوع الماضي عن «العقل الجمعي» محاولاً تمييزه عن مفهوم الحشد، أو ذهنية القطيع/ سلوك القطيع.

وكان الداعي لهذا التمييز هو الخلط المتكرر بين المفهومين، حتى من جانب كُتاب وخطباء، يفترض فيهم تجنب الخلط بين المفاهيم؛ لا سيما حين يؤدي إلى تعقيد ثقافي أو أخلاقي غير مستحب.

من ذلك -مثلاً- ظن بعض الناس أن «العقل الجمعي» مساوٍ لتلاشي شخصية الفرد وضياع العقلانية. وهذا ظنٌّ لا يخلو من مبالغة. لكن ما يهمني في هذا المقام هو مراجعة أصل الفكرة، أي مفهوم الجماعة؛ حيث بدا لي أنه يستعمل على وجهين متعارضين: في بعض الأحيان تذكر الجماعة باعتبارها موضع الحق والوحدة والطريق الوسط، أي أنها معاكسة لحالة الخروج عن الجادة (الباطل) والتنازع والتطرف. وفي أحيان أخرى تذكر الجماعة كقرين للجمود والتأخر والارتهان للماضي (أي ما يجب التمرد عليه).

بعبارة أخرى، فإن الثقافة العربية الحديثة تنطوي على التباس في مفهوم الجماعة وعلاقة الفرد بها، وكذا الدور الحياتي والوظيفة المفهومية التي يشغلها كل منهما في النظام الاجتماعي.

بيان ذلك: أن ثقافتنا الموروثة –مثل سائر الثقافات القديمة– تميل لإعلاء مكانة الجماعة. وهو ميل عززه تأكيد الفكر الديني على الوحدة والانسجام، وتصوير الجماعة كنظام عضوي، له دور محوري في التجربة الدينية.

إن تحليل السياقات التي استُعمل فيها مفهوم الجماعة في النصوص التراثية، يحمل على الاعتقاد بأن المفهوم يشير في غالب الأحوال إلى ما نسميه الآن «التيار العام»، أي الأكثرية العددية المعلنة (أود التأكيد على وصف المعلنة، لتمييزها عن الأكثرية العددية الحقيقية؛ حيث إنها غير متحققة، لكونها صامتة أو مهملة أو مقهورة، كما هو حال المسلمين الجدد، والنساء اللاتي لم يكن رأيهن معتبراً ضمن حساب الأكثرية والأقلية).

أخذاً بعين الاعتبار هذا التمهيد، أود الإشارة أيضاً إلى أن المقارنة بين الأكثرية والأقلية ليست أصيلة في ثقافة المسلمين. لم يكن ثمة ما يطلق عليها أقلية. ولذا لم يكن ثمة أكثرية أيضاً. لقد جرى التعبير عن الكثرة والقلة بوصفين: الجماعة، والخارج عن الجماعة الذي يطلق عليه أحياناً الشاذ، بمعنى المتمرد. وفي هذا السياق اشتهر الحديث المنسوب للنبي: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة». وزاد عليها بعض الرواة: «ومن شذ شذ في النار». والظاهر أنها ليست جزءاً من الحديث.

هذا التحليل يضع رأي الجماعة في موقع «العرف العام». إني أحاول هنا تقريب العرف العام/ رأي الجماعة إلى ما يسميه الفقهاء «بناء العقلاء/ عرف العقلاء»، أي أحكام العقل، أو القيم التي تلقى على الأفعال من جانب عقلاء العالم، أياً كانت أديانهم وأزمانهم.

أرى هذا التقريب/ التعريف ضرورياً لجعل الثقافة العربية والإسلامية تتقبَّل المشترك الإنساني، أي ما توافق عليه عقلاء البشر، وتضيفه إلى نسيجها الخاص كي يمسي جزءاً منها، حتى لو كان في الأصل منسوباً إلى ثقافات الأمم الأخرى.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن حديثنا كله يتعلق بإطار العمل والقيم الاجتماعية التي تنظم العلاقة بين الناس. أما مجال العلم فبعيد عن هذا كله.

إن الرأي العلمي للفرد والجماعة سواء، لا يعلو أحدهما الآخر ولا يلغيه. وقد أشرت في مقالات أخرى إلى أن مفهوم الإجماع وتقديم رأي الجماعة، يستهدف وضع قاعدة لعلاج الاختلاف في الرأي المتعلق بقيمة عمل ما، ولا يستهدف الموازنة بين الأدلة العلمية.

***

د. توفيق السيف

كاتب ومفكر سعودي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5903 المصادف: 2022-11-03 02:00:23


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5989 المصادف: السبت 28 - 01 - 2023م