قضايا

آمال طرزان: دستور العلاقات الزوجية لجدتي "أمامة بنت حارث"

خطوات عملية لمواجهة "ظاهرة الطلاق"

استيقظت في الصباح الباكر يوم إجازتي على صوت رنات مكالمة على الماسنجر، اعتقدت أنها من أختي الوسطى تبلغني بالاعتذار عن المجيء هي وأبنائها لقضاء العطلة معنا في منزل العائلة، إلا أن المكالمة من حساب جدتي "أمامة بنت حارث" لا أصدق نفسي -إحدى فصيحات العرب في الجاهلية، وزوجة "عوف بن محلم الشيباني"، أحد أشراف العرب- تتواصل معي. وبمجرد أن فتحت المكالمة إذ بها تقول لي: صباح الخير يا ابنة الشرق أما زلتِ نائمة ؟ -

 صباح الخير جدتي يسعدني تواصلك معي..

- جدتي أمامة: اتصلت في الصباح الباكر بعد أن غاب عني النوم وأشتد عليا القلق؛ بسبب ما توارد في وسائل التواصل الاجتماعي من الحديث عن زيادة نسبة الطلاق بين الشباب في الآونة الأخيرة بمجتمعاتنا العربية.

- نعم، جدتي فقد تفاقمت المشكلة في عديد من الدول العربية، وأصبحت مصر في صدارة دول العالم من حيث ارتفاع عدد حالات الطلاق.

. -جدتي أمامة: من أجل ذلك يا فتاة الشرق ستصل إليك هديتي بعد ساعة من الآن.

- قبل أن تمر ساعة دق جرس الباب واستلمت علبة داخلها مطوية، وقد كتبت جدتي يا فتيات الشرق جئت لأذكركن بما أوصيت به ابنتي "أم إياس" قبل زفافها إلى عمرو بن حجر. فقد حدثتها أن تحفظ عني خصالا عشرا في تعاملها مع زوجها، ولتكون دستورًا للعلاقات الزوجية وهي: أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب وفي حسن السمع والطاعة رأفة الرب. وأما الثالثة والرابعة: فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه إلا أطيب ريح، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود. وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله، والرعاية على حشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك أن أفشيت سره لم تأمني غدره، وان عصيت أمره أوغرت صدره، واتقي الفرح لديه إن كان ترحا، والاكتئاب إذا كان فرحا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك فيما أحببت أو كرهت، والله يخير لك بخبرته، ويصنع لك برحمته.(1)

- وبعد قراءتي لنصائحها شرد ذهني عن المطوية المفتوحة أمامي لدقائق معدودة، ثم أرسلت لجدتي "أمامة" عبر حسابها على "الفيس بوك" أننا في حاجة ماسة لاسترجاع نصائحك لابنتك، حينما تزوجت ب"عمرو بن حجر" أمير كندة، والتي تعد من واجبات الزوجة الصالحة. لا أنكر جدتي أن تزايد نسبة الطلاق كانت من أكثر المعضلات التي شغلت بالي، وأخذ التساؤل عن سبب ارتفاع معدل الطلاق في مجتمعاتنا الشرقية يراودني دوما؟ ولقد رأيت أن الإجابة تكمن -فيما أرى- بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة بوصفهما شريكين تنقسم إلى مرحلتين: المرحلة الأولى "مرحلة ما قبل الزواج"، وهى ما تسبق نصائحك هى مرحلة اختيار شريك الحياة، حيث يتغيب على كلا الطرفين معرفة معايير اختيار شريك الحياة والتي منها وأهمها فيما أرى: الصراحة والوضوح بين الشريكين وضرورة التعامل بشخصيتهما الحقيقية على ما فيها من إيجابيات وسلبيات حتى لا يحدث صدام ما بعد الزواج، فليس هناك أجمل من الصدق والعفوية؛ الذي سيترتب عليه الاستعداد لقبول كل منهما للآخر بكل ما فيه من اختلافات، مع السعي لمعالجة الصدامات والتحديات بنوع من الحكمة بين الشريكين. كما نجد أمثلة كثيرة من الخاطبين يكون شغلهم الشاغل الإعداد لمنزل الزوجية وحفل الزفاف دون التأني بالتعرف على شخصية شريك الحياة أو التغافل عن الاختلافات، والتي تعد مؤشراً لانهيار علاقتهما واعتقاد كل منهما بتغير شريكه بعد الزواج. أما المرحلة الثانية "جدتي أمامة" : هى مرحلة الزواج وهنا أؤكد على كافة نصائحك حول أسرار نجاح العلاقة الزوجية. وأود أن أشير إلى ما يجب أن يلتزم به الشريكان لاستقرار الأسرة.

وأولها وأهمها الخصوصية: فعلمتني الحياة جدتي أن شريكي الحياة لا يمكن أن ينسيا ما بينما من مودة وحب وسكينة بين عشية وضحاها ما دامت حياتهما خاصة ولا ثالث بينهما، سواء في أوقات الود أو الخلاف، وأؤكد خاصة في وقت الخلافات ينبغي عدم تدخل طرف ثالث من الأهل أو الأصدقاء؛ لما سيترتب عليه من تأثير سلبي على العلاقة الزوجية. وليعلم الزوجان أنه لا توجد حياة زوجية دون خلافات لذلك لابد من تجنب اتخاذ قرارات أثناء الغضب والانفعال وضرورة التحلي بالصبر.

ثانيا- تقبل وجود فروق ثقافية واجتماعية بين الزوجين، والتي تعد ناتجة عن اختلاف التنشئة الاجتماعية وطبيعة التفكير والتعليم، وقد تتسبب في صعوبة التفاهم بين الشريكين.

ثالثا- وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت وهى مشكلة مستحدثة في زماننا "جدتي" تسببت في إحداث حالة من الخرس الزوجي بين شريكي الحياة داخل المنزل؛ بسبب الاهتمام بشكل مرضي بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي طوال اليوم، وكذلك التعرف على الأشخاص الافتراضيين ومتابعة أحداثهم والاستغناء بهم عن الأنس برفيق دربه. بل وتصور الحياة الزوجية في العالم الافتراضي بشكل نموذجي الأمر الذي يجعل شريك الحياة ينظر إلى الآخر باعتباره شخصاً غير مناسب له. وقد تتسبب لدي بعض الحالات في الخيانة الزوجية لغياب الوازع الديني.

رابعًا- العنف الأسري والذي يعد سبب انهيار الأسرة وتزايد معدل الطلاق، حيث يسيطر على أذهان الذكور استخدام الضرب باعتباره في معتقداتهم أنه الوسيلة الفعالة لفرض الهيمنة على الزوجة وإلزامها بالطاعة العمياء، ولعل انتشار ظاهرة الضرب أدى لقتل المودة والسكينة في قلب شريكة الحياة، وتحول حياتهما إلى معركة اندلعت فيها نيران الكراهية وانعدام الثقة.

- من أجل ذلك جدتي يجب على الدول العربية ومؤسسات المجتمع المدني أن تسعى إلى الحفاظ على كيان الأسرة في القرن الحادي والعشرين، والحد من تفاقم مشكلة الطلاق بين الشباب بشكل عملي وفعال على النحو الآتي:

 - لابد من التركيز على دور الآباء والأمهات في ترسيخ مفاهيم تحمل المسئولية، والاحترام بين الفتيان والفتيات من خلال معرفة كل منهما واجباته وحقوقه داخل الأسرة لإعدادهما للمستقبل.

- لابد من تكاتف الأزهر الشريف والكنيسة ووزارة الشباب والرياضة ووزارة الثقافة والإعلام في الدولة في عقد دورات لتدريب المقبلين على الزواج، للتعرف على أسرار الحياة الزوجية الناجحة التي يعلو فيها دستور العلاقات الزوجية لجدتي "أمامة بنت الحارث" فيما يخص بنات الشرق، وكذلك تحمل الرجال لمسئولية الحياة الزوجية واحترام واحتواء الزوجة رفيقة دربة وتوأم روحه. وقد ساهمت الدولة المصرية بتدشين عديد من المبادرات تهدف إلى توعية الشباب على كيفية تكوين حياة أسرية يسودها الود والرحمة.

- توجيه وسائل الإعلام كافة بعرض بعض من النماذج المشرقة من الأسر المترابطة، كنماذج يُحتذي بها للشباب

-استثمار التكنولوجيا الحديثة من خلال إعداد دورات ومنصات تعليمية من قبل خبراء الطب النفسي والمتخصصين في الإرشاد الأسرى؛ لتأهيل الشباب المقبل على الزواج، وذلك بتعليم المرأة كيفية التعامل مع سيكولوجية الرجل وفهمه، وكذلك تعليم الرجل كيفية التعامل مع طبيعة الأنثى، حيث أن فن إدارة الحياة الزوجية يقع على عاتق الزوجين ولابد من إعدادهما لمواجهة المشكلات الزوجية، وكيفية التعامل مع الأبناء وإعدادهم للمستقبل، خاصة وأن معظم الشباب في يومنا يتزوجون وهم غير مؤهلين اجتماعيًا أو نفسيًا لتحمل المسئولية.

وعقب الانتهاء من كتابتي إلى جدتي "أمامة بنت الحارث" دخلت أختي وأبناؤها مع أبي، وكانت بجانبي المطوية فأهديتها إياها، وبدورك أيها القارئ الكريم سارع إلى أهدئها للمقربين إليك من فتيات الشرق. 

***

آمال طرزان

دكتوراه في الحركة النسوية

...............................

(1) محمد صادق عبده عوض: دستور العلاقات الزوجية في ضوء أمامة بنت الحارث،ط1، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض

في المثقف اليوم