قضايا

الحسين بوخرطة: تسريع النهضة المغربية!

التاريخانية تكتيك فكري في مشروع الدكتور عبد الله العروي

عاش عبد الله العروي تفاعلات علمية وفكرية منذ صباه. استفاد في البداية من والده الذي نعته في أحد خرجاته الإعلامية بنصف المثقف. لقد كان يعيد كل رمضان قراءة المقدمة لابن خلدون، الشيء الذي مكن عبد الله العروي من تكوين فكرة عن القضايا الدينية مبكرا. بهذا الرصيد المعرفي المتواضع، تابع دراسته بعد الحرب العالمية الأولى بمراكش. التحق بالرباط إلى جانب جيل الوطنيين، بحيث كان حدث الاصطدام مع المستعمر مناسبة بداية تأثره بالسياسة (1950). عمق أبحاثه كمؤرخ في تاريخ المغرب (ما قبل الحماية-الاستعمار-وصراعات ما بعد الاستقلال). تابع كيف تشكل التياران التقليدي والحداثي على أسس معرفية سطحية، وكيف تحول هذا التقابل المتنافر إلى عائق تنموي.

بفضل عطاء المفكرين المغاربة الكبار، وعلى رأسهم العروي والجابري، مر المغرب من عدة مراحل تاريخية برزت من خلالها خصوصية مؤشرات تطوره وانفتاحه. ثقافته التقليدية ما قبل القرن العشرين كانت قابلة للاستعمار. عاش بعد ذلك ازدواجية ثقافية أججت الصراع داخل المجتمع. التأم من جديد رواد الفكر التقليدي مستثمرين في التعصب التراثي لتقوية حدة الاصطدام مع المستعمر. هذا الأخير اعتمد بدوره ازدواجية في التربية والتعليم. إلى جانب خلق المدرسة الفرنسية بمراكش والرباط للفرنسيين وبعض المغاربة، أحدثت مدارس مزدوجة خاصة بالمغاربة سميت بأسماء الملوك. حتى التحسينات التي أدخلتها فرنسا على المدارس المغربية العتيقة (القرويين بفاس كنموذج)، بقيت أنفاس التحديث الفكري في برامجها التعليمية والتكوينية ضعيفة.

موازاة مع استمرار سيطرة الثقافة التقليدية مغربيا، عاشت الشعوب الأوروبية مزايا الفكر الثوري (فرنسا، بريطانيا وأمريكا). امتدت الثورات في القرن العشرين إلى كل من روسيا (البولشيفية) والصين (الثورة الثقافية الماوية) مشكلة بذلك قطب الشرق المعاكس إيديولوجيا للغرب.

استحضر العروي ألمانيا بأوضاعها المتردية المتشابهة بالأوضاع العربية. الهيجيليون الشباب أغرقوا الوعي الألماني في الخيالات والأوهام والأفكار المجردة. جعلوا من الفكرة التأملية آلية محركة للتاريخ، فتحول هذا الأخير معهم إلى مسرح للأرواح والأشباح. لقد أبرز العروي بالبراهين الدامغة كيف لعب ماركس وفريديريك الأدوار الريادية لخلق التحول الثقافي في حياة الشعب الألماني. لقد ورد في كتاب "الإيديولوجيا الألمانية" فقرة غاية في الأهمية: "فبينما كانت البرجوازية الفرنسية، بواسطة أضخم ثورة عرفها التاريخ ترتفع إلى السلطة وتغزوا القارة الأوروبية، وبينما كانت البورجوازية الإنجليزية التي سبق أن تحررت سياسيا تُطَور الصناعة وتُخْضع الهند سياسيا وبقية العالم تجاريا، لم يذهب البورجوازيون الألمان في عجزهم إلى أبعد من "الإرادة الطيبة" ... إن إرادة كانط الطيبة هي الانعكاس التام للعجز والجمود والمسكنة لدى البورجوازيين الألمان".

أمام هذه التحولات، انتقد العروي الفكر الغربي الاستشراقي بأبعاده الاستعمارية. لقد تشبع بالفكر الثوري النقدي مبكرا. انتقد في نفس الآن الحضارة التقليدية المغربية التي كانت أساس الاستعمار والفكر الغربي الامبريالي/الاستعماري. ناصر التاريخانية كمنهج تكتيكي واستثمر فيه لنقد أسس الأنظمة الاجتماعية والثقافية التقليدية. التراكمات الغربية في القرنين 18 و19 شكلت بالنسبة له مرجعا زاخرا بمقومات الفكر الثوري النهضوي الديمقراطي. إنه يدعو إلى الارتماء في أحضان الليبرالية من هذا المنظور. النهضة المغربية تتطلب كأولوية استيعاب وقبول وفهم وتطبيق الأسس التي تشكلت عليها الحضارة الغربية بمظهريها الرأسمالي والاشتراكي (الأسس الليبرالية). المجتمع المغربي لا يمكن أن يكون عصريا إلا إذا استوعب وتشبع بأسس المجتمع الغربي عصر الأنوار.

عكس ما روجه الفكر السلفي في شأن التاريخانية معتبرين إياها توجها مناوئا للدين (التعصب المتفاقم للقداسة في كل شيء رهان خاسر)، قدم العروي ما يكفي من التحليلات والبراهين موضحا بجلاء مزايا مفهوم "القطيعة المنهجية مع التراث". لقد أبرزت التفاعلات الفكرية قبيل عصر الأنوار أن الماركسية الموضوعية كانت الأساس الفكري المرجعي الذي كان وراء الوصول إلى تحقيق السرعة القياسية لعبور مراحل النهضة غربيا. لقد نجحت في تغيير الواقع وتحقيق حياة أفضل للإنسان الغربي. ماركس النافع، يقول العروي، هو المخلص والمؤول والمنظر للفكر الأوروبي العام والممثل للحداثة بكل مظاهرها. وعليه، من أجل ربح الوقت، يدعونا العروي إلى اتخاذ ماركس معلما ومرشدا لسبر أغوار المعارف والعلوم والثقافة الحداثية. بالاقتداء به، ليس كزعيم سياسي، يمكن للمغاربة النجاح في انتقاء الأفكار الهادفة وتحقيق الأغراض القومية التحررية.

عبر كل من الزعيمين علال الفاسي وعبد الله كنون عن تخوفهما من هجرة عبد الله العروي إلى فرنسا لاستكمال دراسته. لقد اعتبرا هذا الخيار بمثابة ارتماء بلا عودة في أحضان الحضارة الغربية. عاد العروي إلى بلاده كمفكر لامع مغربيا وعربيا ودوليا ومنظر نجم في مجال النهضة المغربية والعربية. أحداث تاريخ شخصيته، كما رتبها في كتابه "بين الفلسفة والتاريخ"، توجت في ملخصه بقوله هامة للغاية: "التاريخانية عندي علامة على تواضع. بما أنني أوثر العمل على النظر، فإنني أعتقد أنه لن يكون بإمكاني أن أجد جوابا معقولا عن شاغل فلسفي مشروع إلا انطلاقا مما يوحي به البحث التاريخي، وفي إطاره".

ربح الوقت، بالنسبة للعروي، يستوجب اعتماد منهج تاريخي يؤجل مؤقتا الاهتمام بالأوهام والأساطير والنقاشات العقائدية العقيمة والخرافات ... سرعة اتساع الهوة بيننا وبين الحضارة الغربية تستدعي التركيز على الظروف الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمالية الواقعية المادية. لقد اعتبر العروي قراءة الوقائع التاريخية الكلية بحقائقها المادية ومعطياتها الثقافية وأوهامها وأساطيرها وخيالاتها وخرافاتها ...، التي دعا إليها أركون، لن تفي بالغرض المطلوب. تحتاج الأمة العربية عامة والمغربية خاصة إلى اعتماد منهج تكتيكي يكتفي بتسجيل الوقائع التاريخية المادية وترتبيها في خط زمني متواصل تقرأ من خلاله البدايات والأصول والتأثيرات والأحداث من كل نوع. العروي يرى أنه غير مجدي تشتيت تفكير الفاعل في النهضة بالدفع به للتركيز أيضا على دلالة القوى التي ضغطن تاريخيا على الحقائق التكتيكية كتخيل الحماسات الجماعية والأحلام الممكنة والتطلعات غير المشبعة والمبادرات المجتمعية والأساطير المحركة ... إلخ.

كتابات العروي تجعل القارئ يستنتج مآزق وأزمات الاستثمار المغلوط في التراث. حالة الفشل التي يتعرض لها الإسلام السياسي لا يولد إلا تمظهرات مكرسة لارتباط الإسلام بالعنف، أي الإسلام السياسي الغاضب. الغضب يتحول إلى تطرف عنيف جراء فشل رواد التقليدانية في قيادة مجتمعاتها إلى الإنتاج المادي. وحتى التجارب التقليدية الأكثر تماسكا لم تستطع تملك الآلة السياسية، أي الدولة، لتحقيق مشروعها، وبالتالي جعل النصوص الدينية حركية في الحياة العامة متوخية تغيير الواقع بشكل متعسف في تجاوز صارخ لتاريخانية تفاعل النص القرآني مع الواقع. على عكس تداعيات الفكر التقليدي في عدد من الدول العربية، قطع المغرب أشواطا هامة في تقوية بنية المدينة المغربية، والاستثمار في الإصلاح الديني، وإنجاز البنيات والتجهيزات المهيكلة للتراب الوطني، وخلق فضاءات التعليم العالي مختصة في الصناعة والبحث العلمي والتكنولوجيات الحديثة والطاقات المتجددة (أقطاب لإثمار التميز العلمي).

***

الحسين بوخرطة

مهندس احصائي-اقتصادي ومهيئ معماري

 

في المثقف اليوم