قراءات نقدية

جمعة عبد الله: أوجاع الوطن والغربة في المجموعة الشعرية "أبعاد اللامسافة" للشاعرة فينوس فائق

تجربتها الشعرية راسخة بالعطاء الشعري الغني بالرصد الرصين الهادئ بروحه الشفافية المتدفقة بالوجع الانساني. قصائد تملك الحضور في الشعور الحسي العميق، تطلقها كأحلام الاطفال البريئة. رغم أنها تقتحم قضايا ساخنة وحيوية، بما تخص الناس والوطن، بالشعور النابض من اعماق الذات. في قصائد واضحة المعنى والمراد المرام والسيميائية (الدلالة والإشارة). تتناول بما يفرزه القهر والمعاناة للانسان في الوطن وغربة المنافي، في أحلامها التي تتهشم كالزجاج على ارصفة محطات الغربة، رغم أن أحلامها البسيطة تدعو للسلام والامان للارض والانسان، لكنها تنزوي في زوايا الخيبة والإحباط. لانها تصطدم بجبال شاهق بالعقبات والزمن القاهر بالظروف القاسية. تصطدم بسوط أنظمة الطاغية في الارهاب والقمع. مما تجعل حياة الناس كأنهم يحملون صخرة سيزيف على اكتافهم. في الوطن الكبير الذي يقاس بحجم الدماء، تحول الى الوطن الصغير يحمله المهاجر في حقيبة اليد في أرصفة المنافي، وفي الارصفة البعيدة في المسافات اللامحدودة. لكن يبقى الوطن رغم اوجاعه ومعاناته القاهرة سكين القلب لا يرحل. في نبضات الانسان في غربة المنافي. هذا الإحساس الشعوري الجمالي، تتجسد في قصائد المجموعة الشعرية (أبعاد اللامسافة) للشاعرة فينوس فائق، التي تميزت بنشاطات متعددة في الإعلام والنشاط المدني، و تكتب الشعر باللغة العربية والكوردية، بوخزة الجراح الموجعة في هموم الانسان، وهي تتوخى المصارحة الصريحة المتدفقة من الإحساس الداخلي بكل وضوح في تعرجات الواقع والوجود. من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج، أو ما بعد الطفولة فيما يخص العائلة. المجتمع. الوطن. وتكشف عورات المجتمع الشرقي في العنف الأسري للمرأة، كأنها كائن ضعيف يرزخ تحت سطوة الرجل، لا تملك الصوت والحق في المجتمع. وليس أنها انسانة كاملة القوام في المشاركة في تقويم المجتمع. أن يكون عشبة خضراء وفاكهة لذيذة في الحب والعشق بعطر الحكمة... بأختصار هذه قصائد المجموعة الشعرية، هي حكايات الوطن والناس التي لبست ثوب الحزن والاسى.

× شغاف واحلام الطفولة البريئة تجسدها في حالة ناصية التذكر سيميائية الوطن، في الوداعة والحلم النقي، مثل زرقة السماء، وبياض الورقة، وخرير الماء المتدفق. لكن تدهلمت شمس الوطن بالظلام، وعصرت رونقه وجماله. لكن تظل تنشد وتكتب للوطن الف قصيدة ليخرج من الظلام الى النور.

أتذكر أنني نزعت عني صخرة

وارتديت نهراً

ووضعت على شعري

وشاحا من تغاريد البلابل

فتذكرت أني

في كل مرة،

أنسى أن أتذكر كل هذا

أنسى أن أتذكر

أني كنت زرقة السماء

وبياض الورقة

وخرير الماء

حين كان يسقي

بُستاناً على جبينك

**

يا وطن  / من قصيدة: أتذكر

 × تقف على ناصية الوجع للوطن البعيد في المسافات اللامحدودة، والقريب من وريد القلب، وتفجر الأسئلة اللاهبة في الواقع والوجود وصيروته، في الانسان وأرض الوطن، بالحكمة التي تعلمتها من محيطها العائلي (الاب والام والجدة) في عتبات التراث ورمزيته، بأن مياه الوطن لا تجف ولا تنقطع، مهما كان ثقل الزمن النحس. هذا الإحساس الجمالي بالشعور. 

أقف في الباب

قبالةَ الحديقة

على حافة اخضرارٍ أبديّ

أبحث عن تسميةٍ أخرى للطيران

ولونٍ آخرَ يوحي بالزرقة

أبحث عن اسمٍ آخرَ للغياب

تصورٍ آخرَ عن الوجود

وتعريفٍ مختلفٍ للصيرورة

أعود لأعطي تعريفا آخر للوقت

فيؤزمني اللاوقت

بين جناحين و قفزةٍ نحو الهاوية

يؤمكنني اللامكان

بين خطوتين وعودةٍ باتجاهِ الغياب

فأتوه بين أبعاد اللامسافة

**

 من قصيدة: أبعاد اللامسافة

 × ولا يعني السلام ان تضع البندقية على كتفك وترمي الرصاصات المتبقية لديك، في انتظار الموت المؤجل. 

أن تعيش بسلام

لا يعني أن تضَعَ البندقية عن كتفك

وترمي الرصاصاتِ المتبقيةَ لديك

في قاع البحر

إنما أن تتعايش

مع فكرة الوجود المقيت

أن تتصالح مع الصيرورة من حولك

وأن تغنّي بأعلى صوتك

لموتك المؤجَّل

**

 من قصيدة: أبعاد اللامسافات.

 × حينما كانت طفلة صغيرة معلقة بالاحلام والاسئلة العابقة، وأدركت فيما بعد أن الوطن يقاس بحجم الدماء، وتحول فيما بعد الى حقيبة يد تحملها على ارصفة الغربة وازقة الشوارع. منذ ألف عام والوطن ينزف بالدماء والقهر الحياتي، والحلم يتسكع في دهاليز الغربة. كأن الوطن أصبح كلمة تكتبها وترحل، أو قصيدة ترتجلها وتترك المنصة.

الآن صار الوطن

أصغر من أن أحمله

في حقيبة يدي

أرق من أن أضعه

بين أوراق دفتر

صار الوطن كلمة أكتبها وأرحل

قصيدة أرتجلها

وأترك المنصة

**

 من قصيدة: حين كان الوطن كبيراً.

× يا لهذا الوطن المصاب بالوجع، المسموم بالزيف المقزز، والعاري عن الحكمة، تخنقه الحكايات السمجة في ديباجة مقرفة، مطعوناً بالطائفية المقززة، التي تنبعث منها الصراخ والنحيب. يا لهذا الوطن المشطور ألف قطعة بين حزب ٍ وحزب، ولكل حزب يلوح في عصاه الغليظة، بأنه هو الوطن وغيره أن يصمت. 

يا وطن الوجع و

الصوت المبحوح في صدورنا

"الجوع" فن تعلمناه

"النكران" صفة اكتسبناها

"الكذب" هبة منك استوحيناها

"الخيانة" عار، جمّلناه

"الخيبة" درس لم ننسه

**

من قصيدة: يا هذا الوطن

***

   جمعة عبدالله

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5683 المصادف: 2022-03-28 05:48:25


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5933 المصادف: السبت 03 - 12 - 2022م