قراءات نقدية

صندوق الذاكرة السوداء يوقظ الخلود في رواية (قاموس الخلاص)

صدرت عن دار ميزر للنشر رواية (قاموس الخلاص) للروائي العراقي المغترب كريم عباس حسن، من الحجم الوسط وبواقع (159) صفحة مزودة بصورة بطل الرواية مقداد كاظم محمد الغنام، أما غلاف الرواية فكان للفنان المبدع بشير مهدي التي تمثل قبو التعذيب في مقرات أمن نظام البعث الحاكم في العراق، ومساهمة خطوط الغلاف للخطاط هاتف العذاري ابن مدينة محافظة الديوانية.

الرواية تحاكي واقع حال أعضاء الحزب الشيوعي العراقي ومنظماته في محافظة الديوانية سبعينيات القرن الماضي أبان التحالف الجبهوي مع سلطة النظام المتمثلة بحزب البعث العربي الاشتركي، والحزب الشيوعي العراقي وأحد الأحزاب الكردستانية العراقية للفترة بين (1973-1979م). والرواية تشكل صندوقاً للذاكرة السوداء التي تعيدنا بذكريات الشباب والنضال حقبة التحالف الجبهوي؛ وقد ساهمت أنا شخصياً فيها كأحد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي في محلية الديوانية، وقد واكبت الأحداث خطوة بخطوة من خلال عملي في التنظيم من خلال منظماته (اتحاد الطلبة العام واتحاد الشبيبة الديمقراطي)، وكان بطل الرواية الشهيد مقداد أحد الأصدقاء الذي تربطني به علاقة الجيرة الطيبة في محلة حي الجزائر في محافظة الديوانية، فكان الراحل رياضياً وفناناً فطرياً، إذ كان يساهم في رسم الأعمال لنا لمادة العلوم من الرسوم التوضيحية التي كان يطلبها منا معلم مادة العلوم الأستاذ نعمان جاسم، فضلاً عن علاقاتنا العائلية مع أخوته وأخواته واطلاعنا على تفاصيل حياتهم من خلال هذه العلاقة الطيبة.

وقد دوّن الروائي والصديق  كريم عباس حسن أدق التفاصيل لأبطال الرواية، فهو كان القريب والصديق[N1] [N2] [N3]  لهم، وهو الدقيق في توثيق تقلبات الماضي بالحاضر ومؤثرات حياة عائلة بطل الرواية، وما حصل من اضطراب مفهوم الزمن وعلاقاته بالموجودات في الوطن. وقد سرد الروائي الوقائع بدقائقها وأكثر الأسماء الصريحة المشاركين في الرواية عدا خال بطل الرواية المدعو (محمد حسين نصر الله) وعمته (كنطارة) التي رمز لها باسم (سهام).

والروائي من خلال روايته هذه كان واصفاً لحركة شخوص ابطال الرواية وعلاقاتهم الحميمية في عالمهم الخارجي، ولا يكتفي برصد صراعاتهم وانفعالاتهم في عالمهم هذا مع عالم سلطة البعث الحاكم في العراق، بل طرح من خلالها تواريخ لحقائق لا يمكن نسيانها. مما جعل الروائي أن يكشف أمامنا معاناة بطل روايته المريرة كمناضل مختلف عن بقية الناس ولو قليلاً، وقد وثق الروائي بعض تاريخ منظمة الحزب الشيوعي في محافظة الديوانية بالأسماء الصريحة من خلال هذه الرواية.

وقد سلط الروائي الضوء على دقائق الأمور بحياة بطل الرواية، فينقل لنا حالة البطل بعد خروجه من السجن بتهمة التنظيم الشيوعي في وحدته العسكرية، ومصيره  كان الإعدام وقد تم تنفيذ ذلك برفاقه، إلا أن مقداد بطل الرواية قد حالفه الحظ ليحكم خمس سنوات وبعد مضي ثلاث سنوات على فترة السجن يطلق سبيله من خلال قرار العفو الصادر عن رأس السلطة. كان لخروج مقداد من السجن من المعتقل يغلف حياته الحزن والأسى ويخنقه، ويركبه مزيجاً من القلق والعدوانية والخوف من المجهول، وهو لا يعلم ما الذي سيأتي به الغد، وماذا ينتظره في المكان الجديد، وكلما يأتي الغد يمكن أن يستوعبه ويحويه من خلال شبكة علاقاته وشعوره بالاطمئنان، والحياة الفرحة للأملٍ جديد، وحياة مقداد تلج من خلال عدم الأمان والاستقرار، ويتساءل مقداد من خلال الراوي  كم من العمل والجهد يستطيع القلب أن يتحمل.

فكانت عزيمته على الانتحار لغرض الخلاص والمحافظة على اسرار حزبه، وتعتبر هذه الخطوة برأي مقداد مأساة نهاية المصير، ونهايتها الموت، وتجرد الموت من خاصيته الإنسانية، لكن حزنه اليومي قدد له هذا الطريق، ليصبح موقف الواقعية في نص الروائي كريم عباس حسن، فقد وضع السبب والمسبب والفعل والنتيجة في ترتيب منطقي، بحيث تؤدي في النهاية إلى مقاومة أزلام سلطة البعث، من خلال حرق نفسه ومقاومة منحهم ما يطلبون من الانتماء لحزب السلطة والتوقيع على المادة 200، التي تمنع العمل السياسي في أي جهة حزبية سوى حزب البعث، وهي مادة تحكم اوتوماتيكياً على الموقع عليها بالإعدام في حال العمل في السياسة المعادية للنظام. وكان موقف البطل الامتناع عن الانتماء لحزب البعث والتوقيع على المادة 200 بعد خروجه من المعتقل، وكان البطل يتعذب يومياً بفقدان الأصحاب والرفاق الأحبة ممن هاجر أو اختفى أو اعتقل وغُيّب أو تخاذل ووقع على المادة 200، فكان العلاج لهذا الصراع الدائم واليومي عام 1978م علاجاً بلاغياً لمصاب صاحب المأساة وأخوته فريد وصائب ورائد.

ومن خلال اتخاذ خطوة الإقدام على احراق نفسه هو الرفض للقمع، والرفض لما تمارسه السلطة ومؤسساته الأمنية والحزبية من اعتقال وتعذيب وتغييب لأعضاء الحزب الشيوعي العراقي، وهو موقف بطولي ومشّرف لمواجهة السلطة وأزلامها، مما اصابهم حالة الرعب والرهبة وهم يحاولون اعتقاله، لكن موقف مقداد ساعة الاعتقال في داره قد خروج لهم بذلك الجبل الناري المتحرك، الذي قضى في تصوير الهول الذي ينتظر الأعداء وضغوطاتهم عليه، مما اتخذوا قرار الفرار لحماية أنفسهم من الاحتراق.

أما السرد الروائي للكاتب فقد أصبح وثيقة مهمة توثق انفعالات مقداد وأفعاله، في المواجهة والانتقام من النظام، ولتثبيت لرفاقه وأهله وأصدقائه؛ موقفه البطولي كموقف أبو عزيز التونسي في رفضه لسياسة النظام وجبروته. فالروائي كريم عباس حسن وظف ثيمة الاحتراق لجسد مقداد كوصف لعلة الأكثر انتقاماً من سلوكيات النظام وأزلامه مع أعضاء حليفهم الحزب الشيوعي العراقي. فكان كابوس التنازل عن المبادئ يشبه كابوساً دموياً تركت عليه صورة الاحتراق لتهضم الألم الذي واكب ساعات قبل الرحيل، فكان موقفه الثأر وقوة التطهير التي حققت حينها تمازج طرفي المأساة: رفاق مقداد وأهله وصاحب المأساة نفسه. لذا بقيّ الروائي يتنقل بينهما في توجيه خطابه وضمير المخاطب، فيتحول بين الفرد والجماعة والأصدقاء ومقداد بيسر، حيث سهلَّ مهمة الرواية في إلغاء الحدود.

ومعظم روايات الصديق كريم عباس حسن هي روايات مأساة لما حصل لأبناء هذا البلد في الأصل، إذ حوّل الروائي في روايته (قاموس الخلاص) مناسبة رحيل مقداد إلى حماس سياسي يؤكد طقسه المؤلم كمأساة عصباً اساسياً في الحياة الاجتماعية والسياسية. كما وضف الروائي في رحيل البطل منطويات الفصاحة من حيث القيمة الأدبية وحمَّل طقس المأساة احتراق البطل الذي استقبل فيها الموت بفرح من قيّم البطولة، فقال كلمة الحق من خلال موقفه الرافض للنظام. غير أن احتفاء الروائي والقارئ بالموت في هذه الرواية هو احتفاءً بالدور البطولي للروائي والراحل مقداد، ومن هنا يكتسي الروائي المغزى لقداسة المواقف البطولية الرافضة للخنوع والمساومة.

وأجد رواية (قاموس الخلاص) تنتمي إلى الأدب الواقعي الذي يكتسب جمهوراً من القراء، فالروائي يقترب من المفهوم المعاصر بما يتوفر عليه هيكل الرواية من سبك العناصر في وحدات لا تتجزأ، وبما تحققه وحدة الرواية بمجموعها من تراكيب متداخلة لمواقف أصدقاء وأهل مقداد المختلفة. وقد استخدم الروائي اللغة التراثية ووثقها في روايته، فضلاً عن مصطلحات الوطن والانتماء والمنظمة والحزب والقائد والتعذيب والسجن والاعتقال والمنظمات السياسية. وليقدم لنا الروائي الأنا في الاحتراق لا في انكسارها بل في شموخها وتحريرها، فهي الآن في لحظة الاعراب عن السيرة الشخصية التي أصبحت الرواية تتمحور حولها وهي تنقل احاسيس الروائي الرهيفة المنفعلة بهدوء، والعودة لصوت بطل الرواية المجروح.

ولعل حركة ابطال الرواية تمثل تتابعاً زمنياً لأحوال الروائي، وقد حقق الروائي نمواً ديناميكياً لروايته بطرحه مواضيع هي انعكاس للروائي، التي تحويها تحول الذات إلى البوح الصعب على الجهر به إلى الآخرين، لأنه ينطوي في تلك اللحظة على القبول بالهزيمة كانتصار، ولأزلام النظام الأكثر وجعاً، فأقدم البطل في الرواية على انهاء حياته من العذاب والصراع النفسي بين الواقع وما يحمله من مبادئ التي عاشها قبل الحادث، فضلاً خيبة الأمل في انقاذ تاريخه السياسي وتاريخ عائلته.

وقد أصبحت هذه الرواية فاصلة في تاريخ الروائي وهي تكمل إلى سابقاتها من أعمال روائية، بيد أنها تختلف عنها من حيث تعامل الروائي مع البنية اللغوية كتراث ومنطق تنتظم حوله أفكاره. وإن شئنا أن نحسب هذه الرواية محطّة في حداثة الروائي كريم عباس حسن لما قدمه لاستعادة المواقف البطولية وتاريخ مدينة الديوانية وأهلها الطيبين من اليسار بمدركات حسيّة تصل بين الماضي والحاضر، أي بما يمكن تسميته إحياء تاريخ النضال لأبناء اليسار والحزب الشيوعي العراقي، وقد نجح الروائي في تصوير شخصية البطل الثائر مقداد بنضوج معتقده ومواقفه واعتناقه لمبدأ عشق الوطن والشيوعية والحرية، مطمئناً لموقفه واختياراته، كما نجح الروائي في تصوير الأحداث بدقتها وبحيادية. وأنا قد عايشت تلك الظروف وتابعت مجريات الأمور فيها وقد زرت الراحل مقداد في مشفى الجمهوري العام في الديوانية أثناء سماعي الخبر دون اكتراث لوجود عناصر قوى الأمن في المشفى.

وقد نجح الروائي في توزيع الأحداث، وتسليط الضوء على تلك الأحداث المظلمة التي حاصرت مقداد ورفاقه، وقد وظف الروائي قصيدة الشاعر مظفر النواب (براءة) في مجرى الأحداث، ولا ننسى كيف وظف الروائي دور أصدقاء مقداد ممن في الانضمام المقاومة الفلسطينية أمثال فلاح حسن وحمزة مرتضى وسعد خليل.

وأخيراً اشد على يد الروائي وعلى قلمه الرائع في تصوير الأحداث والمواقف التي مرَّ بها أغلب الحاملين للفكر اليساري والشيوعي في الوطن.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5898 المصادف: 2022-10-29 01:24:41


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5996 المصادف: السبت 04 - 02 - 2023م