قراءات نقدية

مزهر جبر الساعدي: قراءة في رواية عالم صوفي..

العلاقة الجدلية بين حس العدالة وتطور العقل البشري

رواية عالم صوفي، روايتان في رواية واحدة. الرواية قدمت جردا او فهما كاملا ومبسطا لسفر البشرية في الحقل الفلسفي وتطور الفلسفة عبر حقب عديدة منذ اقدم رؤية فلسفية للكون والحياة والانسان، ومن جميع الجوانب. الفلسفة الاغريقية والفلسفة اليونانية، والقرون الوسطى، وعصر النهضة، وعصر التنوير، الى الوقت الحاضر، الحقبة المعاصرة؛ من ديموقريطس وارسطو وسقراط وافلاطون واخرون، مرورا بالفلاسفة الاوروبيين، ديكارت، وسبينوزا، ولوك، وهيوم، وبيركلي وكانت، وكيركغراد وداروين وفرويد وهيجل وماركس. لا حاجة الى التطرق الى ما اورده الكاتب، او الراوي لملخص فلسفة كل من هؤلاء الفلاسفة؛ لأنها اولا معروفة لدى القاريء النوعي وثانيا، لأني لا اريد ان احرم القاريء من متعة القراءة؛ لآراء هؤلاء الفلاسفة في الكون والحياة والأنسان. لكن في المقابل من الاهمية هنا؛ التركيز على ملخص ما اوردته هذه الرواية لرؤى هؤلاء الفلاسفة، وسفر البشرية في هذا المجال وفي الذي له صلة بها، من الأدب والاقتصاد، وما هو ذوو علاقة عضوية بهما، بالأدب والاقتصاد؛ من مراحل تطورها؛ من دراسة الظواهر الطبيعية، لتكون الاساس الذي يتم فيها البناء الفلسفي عليها او على قرأتها في تكوين الرؤية هذه، الى، في مراحل لاحقة استخدام العقل، واعتباره هو الوحيد الذي بإمكان الانسان من خلال دراسة الظواهر المادية تكوين فكرة عن الكون وعن الانسان وعن كل الحياة وتداعياتها على البشرية كلها وعلى الأنسان، الى المدارس الفلسفية، وفي كل حقول المعرفة في الوقت الحاضر. تبدأ الرواية بوجود بطاقتين برديتين في صندوق البريد الخاص بصوفي أمندسن، كل منها فيها كلمة واحدة او جملة قصيرة واحدة؛ من انت؟ من اين جاء العالم؟ معنونه الى هيلدا مولار كناج وليس الى صوفي. مما يثير استغرابها، وتساؤلاتها، التي اخذت تدور في ذهنها، من هي هيلدا؟ ثم لماذا ارسلت هاتين البطاقتين ألي. لم يطل بها الوقت حتى تعرف لاحقا؛ ان البطاقتين كان قد ارسلها والد هيلدا، البرت المياجور العامل في قوات حفظ السلام في لبنان. في اليوم التالي تتلقى رزمة من اوراق فيها دروس فلسفية، ارسلها لها الفيلسوف، البرتو كنوكس. لتبدأ بعدها مقابلته بصورة مستمرة. العالم الفلسفي، البرتو كنوكس، يبلغ من العمر خمسة وخمسين عاما، وهي الصبية اليافعة او الشابة اليافعة، ذات الخمسة عشر عاما. كان في كل رسالة منه، تحتوي على شرح فلسفي لعلاقة الانسان بالكون وبكل الوجود، لكنه كان شرحا بسيطا اولا وثانيا كان شرحا مختصرا جدا، لايتجاوز صفحة واحدة. تتكرر الرسائل لعدة ايام، ايام قليلة، لكنها في الاخير الذي لم يطل بها انتظاره، تتلقى مع الرسالة؛ دعوى لها بالتواجد عل حافة بحيرة قريبة، تحيط بها غابة كثيفة، في كوخ منعزل تماما. تذهب وتلتقي بالفيلسوف، من ثم اخذت تاليا تلتقي به، باستمرار، يشرح لها مضمون تلك الرسائل، واشراكها في الحوار الفلسفي او مناقشتها معه. تحدث هذه الرسائل، وشروحها والحوارات بينهما حولها او حول ما بها من رؤى، او ما هو موجود فيها من طروحات فلسفلية مبسطة جدا، تحولا كبيرا في حياتها. بدأت تتغير في كل سلوكها، تشعر بالاغتراب عن امها التي تعيش معها في منزل واحد على مقربة من الغابة والبحيرة، لأن الأب يعمل قبطان على ناقلة نفط، لا يظهر في الكتاب او في الرواية. امها هي الأخرى ايضا تشعر او تحس بان ابنتها قد تغيرت واخذت عندها تشعر بالخوف عليها، وبالذات حين تعلق على اي عمل او اي مادة تطرح بينهما للنقاش، اي انها بدأت تطرح طروحات هي اكبر من عمرها كثيرا، ولا تبدي الاهتمام كما هي ديندنها او عادتها قبل ان تلتقي بالفيلسوف، بالهموم اليومية، اي انها تخلصت تماما من الهم اليومي ومن انشغالاتها به، لتصبح حرة او هكذا كانت بعد عدة لقاءات مع استاذ الفلسفة. مواد الدراسة اخذت تفهمها بسرعة، فأبدعت بها وحصلت على اعلى الدرجات في صفها، وايضا اخذت على غير ما كانت عليه؛ تحس احساسا عميقا بالجمال، تتفاعل معه تفاعلا مفعما بالحياة، وكأن روحها جزءا من مكونات هذا الجمال. هنا تطرح الرواية معضلة مهمة جدا، او هي ام المعاضل، ألا وهي؛ ان يكون الأنسان فريسة الهم اليومي، وكل انشغالات الكائن الانساني، التي تنتج عنه، بما يقيد نشاط وحركة العقل الانساني تقيدا في احيان كثيرة؛ يكون تقيدا كاملا حتى انه يصير كما السجن والانسان فيه هو السجين من غير سجان ولا جدران وابواب سجون. هذه الاوضاع تجعل من الانسان آلة يتحرك بميكانيكية على حساب إرادته في الفعل الذي هو يرغب فيه، او يريده. حتى يتراجع الشعور، او الاحساس بالجمال من حوله، حتى لو كان على مقربة بوصة من وجوده، في المكان المحاط بالجمال والروعة او روعة الوجود والحياة. هذه الرؤية الفلسفية ان جاز لي وصفها بهذا الوصف؛ لم تكن هذه الرواية او كاتبها هو اول من طرحها فقد سبقه إليها، قبل عدة عقود الكاتب الانكليزي كولن ويلسن؛ في رويتين له هما الحالم وضياع في سوهو، وفي كتاب السيرة الذاتية له؛ رحلة نحو البداية. الرواية هي ليست رواية واحدة، بل هي رواية في متنها رواية أخرى وهذه الأخرى الثانية؛ هي لب او متن السرد كله. الى جانب هذا المتن او السرد؛ هناك سرد أخر موازي لكلا الروايتين، او السردين؛ استثمر الكاتب فيه الباراسايكولوجي، بتقنية حرفية عالية وبمهارة متفردة بما انعكس ايجابيا على سلاسته، رغم ما فيه من تعقيد. انها حقا رواية معقدة على الرغم من انها رواية كلاسيكية، لاتخلو من تقنيات التجريب، أذ تتداخل فيها عوالم السرد في الزمان والمكان والثيمات والشخوص. الشخوص الرئيسية في الرواية هي؛ هيلدا ابنة ضابط نرويجي يعمل مع قوات حفظ السلام في جنوب لبنان، وصوفي الابنة الوحيدة لامرأة تعيش مع ابنتها، وحيدتان في بيت يضمهما، والاستاذ الفلسفي، اضافة الى شخصيات أخرى ثانوية. نكتشف بعد ما يقارب ربع الرواية، انها رواية كان قد بعث بها والد هيلدا، كي تقرأها قبل مجيئه التي وعدها بانه سوف يجيء في يوم عيد ميلادها الخامس العشر، والذي هو ذات عيد ميلاد صوفي، في مفارقة محسوبة سرديا. نقرأ هنا الرواية كما كتبها والد هيلدا. اثناء قرأتنا لها يتبن لنا او هكذا كان الروي؛ ان كلا من صوفي والفيلسوف يعلمان بان هيلدا، تقرا الآن في الرواية التي كان قد ارسلها لها والدها من لبنان. انها عملية تخاطر، لكن هذا يبدوا وكأنه حقيقة تجري على ارض الواقع. تندمج كل لوحات الروي سواء الرواية التي ارسلها والد هيلدا او الروي التي يروي لنا، او يقدم لنا علاقة صوفي مع الفيلسوف، في سرد مركب ومتداخل في الزمان وفي المكان، في زمنين مختلفين وفي مكانيين مختلفين تماما. الرواية، او الروايتان هنا محملتان، بكل الرموز والاشارات والعلامات التي تشير الى منحى فكري، او مسارات فكرية تتحدد بموجبها ما وصلت إليه البشرية من رقي وتعاون وتألف في حفظ السلام والأمن وحيرة الانسان في كل بقاع واصقاع الارض او اماكن كوكبا الارضي، في تناقض صارخ مع واقع المعمورة، ومآساة الأنسان على ظهرها. ان قوات الامم المتحدة او كل ما هو ذو صلة بذلك او انه نتاج الهيئة الاممية؛ تعكس كما اوضحت الرواية تطور العقل البشري حتى صارت البشرية متضامنة مع بعضها البعض في حفظ حياة البشر وفي حريتهم وفي تحقيق إرادة الانسان في الحرية والحياة والكرامة وفي الحفاظ على السلام والامن والاستقرار في كل انحاء المعمورة. ان هذه اللوحة ما كان للإنسان ان يبلغها؛ لو لم يصل تطوره الى ما اصبح عليه من تطور وتعميق الحس بالعدالة. إنما الرواية ومن الجهة الثانية، ضمنيا تشير الى واقع أخر لا علاقة له بتطور العقل البشري، حسا وموقفا، وإرادة بشرية الى السلام والأمن والحرية والكرامة، وحق الشعوب في التطور، إنما علاقته بالأخر الذي يدير دفة الحروب والصراعات والغزوات في العالم بالضد من إرادة الشعوب. في نهاية الرواية يصل الاب، من لبنان، بإجازة من قوات حفظ السلام الاممية العاملة في لبنان، والد هيلدا الى بيته. يحضر الحفل الذي تم اعداده، والمفارقة هنا في الرواية ان حفلة عيد ميلاد ابنته، لم يتم الاعداد لها وتحضيرها، ليس من ابنته التي هي ايضا كانت قد بلغت الخامسة عشر من عمرها، بل من قبل صوفي وامها والفيلسوف، استاذ صوفي، وهم شخصيات روائية في الرواية التي كان الاب قد ارسلها الى ابنته قبل ايام التي هي كلها، هذه الايام؛ هي الزمن الروائي التي انتهت، قبل ساعات ابنته من اكمال قراءتها. في ذات الوقت هم ليسوا شخصيات روائية، بل شخصيات واقعية، تحيا في الواقع المعيش، لكنهم يعلمون ان هناك رواية يكتبها والد هيلدا عنهم. صوفي وامها واستاذ الفلسفة؛ يتوقون الى الحفلة هذه، اعدادا وتحضيرا بدعوة كل الاصدقاء والمعارف لحضورها. وهم ينتظرون فيها رؤية والد هيلدا في الحفل ورؤية هيلدا ذاتها؛ كي تتعرف صوفي عليها وعلى ابيها، الذي كتب رواية عنها وعن امها وعن الفيلسوف. الحفلة حضرتها صديقة صوفي، جورون( شخصية روائية ثانوية، وفي عين الوقت شخصية حقيقية) وهي من عائلة ارستقراطية والدها من رجال الاعمال وصاحب شركات كبيرة جدا، اضافة الى عوائل أخرى. الحوارات والنقاشات سواء ما كان قد حصل بين الفيلسوف وصوفي، او بين صوفي وابنتها او بين ام صوفي والفيلسوف التي يثير اعجاب والدة صوفي؛ تؤكد بالرمز والاشارات والعلامات ذات الدلالة العميقة؛ ان الاوضاع والاحداث وتصرفات الكائن الانساني على ارض الواقع، لا تعكس حقيقة هذا الكائن ورؤيته لها، بل انها توافقية مع الواقع المفروض عليه. هي هنا رمز او اشارة او علامة على ان البشرية لا تعيش على وفق ما تريد وتطمح، بل انها تعيش وفقا، أو تماشيا مع واقع مفروض عليها. احدى صديقات صوفي، والدها رأسمالي معروف، مع صديق اخر لها، يتبادلان الاعجاب بالنظرات المتبادلة، والتي تقود في اقل من دقائق معدودة الى الاختلاء بين الاثنين وراء اشجار الحديقة الكثيفة. يترك الاثنين من دون اية اثار او احتجاج او تعليق. في خاتمة الختام تختفي كل من صوفي والفيلسوف وراء النهر الى الغابة خلف البحيرة. الام، ام صوفي لا تحتج ابدا، بل ان الامر يعجبها وثير في روحها كل الفرح؛ من ان ابنتها اختارت ما تريد، على الرغم من فارق العمر بين الاثنين، اضافة الى ان الابنة لم تبلغ بعد سن الرشد، عمر التحرر من إرادة الأبوين. هنا تنتهي الرواية او تنتهي الروايتين في نهاية مفتوحة. أذ، لم يقدم لنا السارد اي شيء عن مصير والد هيلدا او مصير ابنته هيلدا. وانا انتهي من قراءة هذه الرواية؛ حضرت امامي كل ما جاري الآن في جميع بقاع الارض، من حروب وغزوات ومن انتهاك لحق الأنسان في الحياة والكرامة والحرية. ففي هذا الوقت، وقت انتهاء قراءتي لها اي لهذه الرواية؛ كان الخراب والدمار يعم كل قطاع غزة على مرأى ومسمع كل العالم الحر، او على مسامع ورؤية كل البشرية من اقصى المعمورة الى اقصاها. اضافة الى ما يجري وقد جرى في جنوب لبنان، وفي كل الاراضي العربية من غزو واحتلال، وطمس لكل حقوق الشعوب العربية واوطانها في عملية ألغاء لجهة الواقع على الارض لكل او لجميع ما طرحته الرواية من تطور للفكر البشري، إما من الناحية النظرية فهو اي هذا الطرح صحيحا من حيث تطور الفكري الانساني، وهو تطورا حقيقيا تماما، لكنه، لا يمتلك الادوات ليكون واقعا على ارض الواقع، بل ان ما يكون واقعا على الارض؛ هو الإرادة الاستعمارية للقوى الامبريالية في الدول العظمى والكبرى، والتي هي في طور الأعداد لتشكيل نظام دولي جديد على هدي مقاساتها.. هنا، ومن وجهة نظري المتواضعة؛ يكون حتما ذات يوم ليس ببعيد، وجود لإرادة الشعوب في الحرية والكرامة؛ تقلب بفعل مفاعيلها كراسي المستبد المحلي او الاقليمي او العربي على رؤوس من جلس عليها طويلا من الزمن، ان لم يكون هو موجود فعلا على ارض الواقع ولو مختفي بفعل قوة وجبروت وهيمنة ودموية؛ قوى الاستبداد محليا وعربيا واقليميا ودوليا. كاتب الرواية، جوستاين غاردر، كاتب نرويجي، فليسوف وصحفي وروائي. كان قد كتب في نهاية الثمانيات من القرن السابق، مقالا هاجم فيه جرائم الكيان الاسرائيلي في لبنان. الرواية تقع في 510صفحة من القطع المتوسط، من اصدارات دار المنى.
شخصية صوفي الفتاة اليافعة، وهي تتابع دورس الفلسفة على يد استاذها؛ يشغلها امر اخر، ان هناك فتاة اخرى في الجانب الثاني من المكان. تروم ان تلتقي بها ذات يوم ما. لكنها تصبح في حيرة من امرها؛ أذ، ان البعض من الرسائل التي بدأت تأتيها، معنونة الى شابة اخرى من نفس عمرها، بعد عدة ايام من تواصلها مع استاذ الفلسفة. الذي كان بمثابة صديق لها، اضافة الى كونه استاذها مع ان الفارق العمري بينهما كبيرا؛ فهي شابة يافعة لم تتجاوز بعد الخامسة عشر من عمرها، عيد ميلادها الخامس عشر سوف يكون بعد ايام، بينما هو في الاربعين من عمره، غير انها متعلقة به اشد ما يكون عليه علاقة من هذا النوع. هذه الرسائل كان يبعثها لها او الى الفتاة الأخرى، والتي هي ابنته، هيلدا، ألا انها كانت توضع في بريدها.
***
مزهر جبر الساعدي

 

في المثقف اليوم