دراسات وبحوث

مشروعية قبول الدول الإسلامية بقرارات الأمم المتحدة

قاسم خضير عباس والمحكمة الجنائية الدولية وأحكام القضاء والتحكيم الدولي

يثار في موضوع التحكيم الدولي، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة، والأخذ بتوصيات المحكمة الجنائية الدولية تساؤل حول شرعية قبول المسلمين بأحكام القضاة الدوليين غير المسلمين، أو الالتجاء إلى القضاء الدولي في محكمة العدل الدولية و المحكمة الجنائية الدولية لحل النزاعات بين دول إسلامية وغيرها من الدول، أو الالتزام بمعاهدات دولية طويلة مع غير المسلمين، خصوصاُ أنَّ الشريعة الإسلامية لا تجيز تحكيم غير المسلمين في فض النزاعات وفقاً لقاعدة نفي السبيل الفقهية المستندة للآية الكريمة (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً). وعليه لا ولاية لغير المسلم على المسلم، وكل (ما يؤدي إلى مهانة المسلم، أو جماعة المسلمين، أو الأمة الإسلامية، أو يدخل وهناً على الإسلام، بأي وجه من الوجوه، فإنَّ ارتكابه في حال الاختيار، من أعظم المحرمات الدينية، وأشد المنكرات الشرعية).

لقد واجهتني هذه الاشكالية وأنا أعد لرسالة الماجستير المعنونة (الرؤية الإسلامية للقانون الدولي العام)، ولذا أرسلت عدة رسائل للمراجع الدينية ومنهم سماحة شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم حول هذا الموضوع، وأجابني برسالة وصلتني يوم 6 تموز 2002 وللاهميتها العلمية والفقهية ارتأيت أن أعرضها كاملة حيث قال سماحته مشكوراً :

(الأستاذ الفاضل قاسم عباس دام عزّه بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أشكر لكم عواطفكم، وقد تسلمت مؤلفاتكم القيمة في حينه، ولكن لم أعرف كيف أرد جميلكم، إذ لم تكن مرفقة بعنوان أو شرح أو رسالة، وأسأل الله تعالى لكم التوفيق والسداد، وقد تصفحتها بعد أن طلبت من الأخوة في مكتبنا كتابة مطالعة عامة حولها، وقد وجدتها محاولة جيدة في تناول موضوعات عامة من وجهة نظر إسلامية، تقبل الله عملكم. وأما ما ذكرتم من الإشكالية في عدة أمور: أحدها التحكيم، والآخر الالتزام بمعاهدات الأمم المتحدة، والثالث عقد الاتفاقات التي تتجاوز عشر سنوات. أما بالنسبة إلى الإشكالية الأولى، فلا يوجد مانع من تحكيم غير المسلمين، فإنّ التحكيم غير التمكين والهيمنة، وإنّما هو نوع من الاتفاق، وهو يشبه في مضمونه الصلح، ولذا نجد الإسلام لا يشترط في (الحكمين) في الصلح بين الزوجين في موارد الخلاف ما يشترط في القاضي. وأما الالتزام بمقررات الأمم المتحدة، فهو يدخل في موضوع المعاهدات الدولية التي منح ولي الأمر فيها صلاحيات واسعة محددة بالمصلحة الإسلامية العليا والمحافظة على النظام الإسلامي والحدود الشرعية الثابتة، وهذه المعاهدات ـ بصورة عامة ـ لا تتجاوز واحداً من هذه الخطوط الثلاثة، وإذا تجاوزتها يمكن للدول أن لا تلتزم بها كما نص على ذلك قانون الأمم المتحدة، لأنّ السيادة الوطنية أحد الحدود العامة للمعاهدات ما لم تؤد إلى تهديد السلم والأمن العالمي، وهو أمر يرتبط بموضوع حفظ النظام الإسلامي. وأما مدة الصلح والهدنة، فهناك من يذهب من العلماء إلى تحديدها بمدة معينة من أربعة أشهر إلى عشر سنوات، ولكن الصحيح عدم وجود دليل على هذا التحديد، بل هو متروك لولي الأمر، وقد أكد ذلك الشيخ النجفي صاحب الجواهر في كتابه (جواهر الكلام/ج21 ص299) وكذلك السيد الخوئي في رسالته (منهاج الصالحين /الجزء الأول ـ كتاب الجهاد / المسألة 90) حيث يذكر بأنّ عقد الهدنة لا يشترط فيه مدة معينة بل هو متروك لولي الأمر. تقبل الله عملكم، ونفع بكم الإسلام وأهله، وبارك لكم في عملكم، ودمتم موفقين.

محمد باقر الحكيم 5 ربيع الثاني)

لذا فإنَّ القاعدة العامة هي عدم جواز التحكيم عند غير المسلمين، وعند الضرورة يمكن للفقهاء المسلمين أن يجيزوا التحكيم الدولي غير المسلم بالعناوين الثانوية إذا توقف تحصيل الحق به وفقاً لقاعدة دفع الضرر، فإذا استلزم انفاذ الحق على التقاضي عند غير المسلم وكان في تركه ضرر مهم فالفقهاء يفتون عادة بجوازه دفعا للضرر. وقد ذهب فقهاء المالكية إلى تحكيم غير المسلمين لإنهاء الحرب ، وهذا ما ذكره الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه (العلاقات الدولية في الإسلام ) صفحة 77 نقلاً عن الخرشي في الجزء الثالث صفحة 174 الطبعة الأولى .لكن المالكية قيدوا ذلك بقيد الخوف من الأعداء فقالوا: (يجوز عقد هدنة مع غير المسلمين على أن يحكموا بين مسلم وكافر إذا كان هناك خوف منهم). علماً أنَّ المالكية قد حرموا توكيل المسلم للذمي في خصومة ، لكن احد علمائهم وهو محمد بن يوسف السكافي في كتابه (أحكام الأحكام على تحفة الحكام) صفحة 63 يجعل هذا مكروهاُ لما فيه من الامتهان، فيما ذهب الأحناف والإمام احمد والشافعية إلى جواز توكيل الذمي من المسلم وتوكيل المسلم من الذمي في خصومة.وقد ذهب المحقق الحلي من الشيعة الإمامية في كتابه القيم  (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) الجزء الثاني صفحة 199 إلى عدم جواز توكيل الذمي على المسلم للذمي ولا للمسلم ، على القول المشهور لاستلزامهما إثبات السبيل للكافر على المسلم ، ولكن القول الأظهر عند الشيعة الإمامية هو الجواز، حسب ما ذكره آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي في كتابه (منهاج الصالحين) الجزء الثاني صفحة 201 ، لأن الوكالة هي نيابة واستنابة في التصرف، حيث يعتبر في الوكيل البلوغ وكمال العقل، ولو كان فاسقاً أو كافراً أو مرتداً.

وبناء عليه أفتى الشيخ أحمد هريدي من أبناء السنة بجواز توكيل غير المسلم، أو توكيل المحامي غير المسلم كما في لغة العصر، قائلاً: (إنَّ توكيل المسلم أو الذمي غير المسلم في الخصومة جائز وتطبيقاً على ذلك يجوز توكيل المحامي المدني غير المسلم في الدفاع في القضايا والأحكام الشرعية وقيامه مقام المحامي الشرعي فيما ذكر).

وأرى أنَّ توكيل المحامي غير المسلم في الخصومة يجب أن يكون مقتصراً على ما أُذِن به في الأمور المباحة غير المتنافية مع الشرع الحنيف، وهو جائز حسب القول الأظهر عند الشيعة الإمامية، وفتاوى الأحناف، والإمام أحمد، والشافعية.

ويقسم الأمان لغير المسلم إلى أمان طويل الأجل كما في عقود الذمة، وهو شبيه بعقد الإقامة في لغة القانون الدولي الخاص. وأمان قصير الأجل مؤقت بمدة معينة كما في الهدنة أو أمان المستجير، وهو شبيه بتصريح الدخول المؤقت (الفيزا) أو الإقامة المؤقتة . والهدنة لا تجوز كما يقول بعض الفقهاء إلا لمدة محدودة لا تزيد على عشر سنوات ، لأنها المدة التي صالح بها رسول الله (ص) مشركي قريش في الحديبية، وتكون بعوض أو بدون عوض، ويرى الإمام الشافعي في كتابه ( الأم ) الجزء الرابع صفحة 110: أنَّ مدة الهدنة تكون حسب قوة المسلمين، وتحدد بمدة أربعة أشهر إذا كان المسلمون في حالة قوة واستعداد. ويجوز للإمام أو من نصبه عقد الهدنة لمصلحة المسلمين وهذا ما ذكره صاحب اللمعة الدمشقية الشيخ محمد بن جمال العاملي من الشيعة الإمامية في الجزء الثاني صفحة 399. ولكن الشيخ النجفي من الشيعة الإمامية قد أورد قولاً من غير تقييد الهدنة بمدة معينة في كتابه (جواهر الكلام) الجزء 21 صفحة 298، ولذا يرى السيد آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي في كتابه (منهاج الصالحين) الجزء الأول صفحة 401 بأنَّ: (عقد الهدنة بيد ولي الأمر حسب ما يراه من المصلحة، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون مدته من حيث القلة والكثرة بيده حسب ما تقتضيه المصلحة العامة). وهذا ما استند إليه شهيد المحراب آية الله السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله.

***

الدكتور قاسم خضير عباس

 كاتب سياسي وخبير القانون الجنائي الدولي والوطني

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5715 المصادف: 2022-04-29 00:08:44


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5928 المصادف: الاثنين 28 - 11 - 2022م