دراسات وبحوث

عبد الوهاب البراهمي: الاستخلاف ورهان التآنس

أو "مقوّمات العيش المشترك" من خلال النص القرآني

يمثل النص القرآني بالتأكيد نصّا كونيا يتجه إلى الإنسانية جمعاء ويخاطب الإنسان في كل أحواله، وحتى إن قصد في بعض آياته فئة المؤمنين، فإنّه يقصدهم كبشر لا يميزهم عن غيرهم سوى الموقف " الإيماني"(وإن كان أصلا لأفضلية قيمية في منطوق النص) ولا يختلفون في البشرية عن غيرهم في شيء. من هنا فإنّ المطلب الأسمى للنص القرآني هو مستمع كوني، هو الإنسان في كليته. يخترق النصَّ القرآني إذن تصور للإنسان أو رؤية " إنسانوية" تتحدّد معالمها في النص ككلّ. ويمكن أن نتقصّى هذه الرؤية من خلال فكرة ناظمة هي " الاستخلاف. يتحدّث النص القرآني عن الإنسان بوصفه " خليفة في الأرض" (" إني جاعل في الأرض خليفة" الآية 30- البقرة) ويقرن "الاستخلاف " بالإنسان في جميع مستويات وجوده. محدّدا شروط هذا الوجود وغاياته ومسار تحقّقه .

ماذا يعني الاستخلاف؟

الاستخلاف لغة " الوكالة والنيابة " أي " إقامة الغير مقامه ليقوم بعمله نيابة عنه.". أما اصطلاحا فهو:" إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى في الأرض بالعبودية والعبادة، يقول الماتريدي في تأويلات أهل السنة ج1 "ّوجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه". (صبري محمد خليل" الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف).

مقومات الاستخلاف وشروطه:

لا يستقيم الاستخلاف في الأرض إلا وفق شروط. وهو ما يعني أنه ليس مجرّد " الوجود" أو حدثا أنطولوجيا فحسب، بل هو" تكليف" أو " مسؤولية" تلقى على عاتق الإنسان، أو كما جاء في القرآن " أمانة " تودع لدى الإنسان أو يُحمّلها الإنسان، ليضطلع بها بوصفه كائنا ليس قادرا على ذلك فحسب، بل جديرا به. من هنا كان الاستخلاف " مهمّة" أو " مشروعا " أعدّ الإنسان " لأجله، ويفترض مسلمات ويقتضي بحكم كونه " مبنيا منشأ لا " معطى" شروط إمكان وأسبابا كي يتحقّق وهي:

- كمال القدرة و المعرفة للمُستخلِف:

" إنّي جاعل في الأرض خليفة.." الآية): إرادة المُستخلِف المطلقة في " إيجاد " الإنسان خليفة في الأرض. وتمام معرفته بالاستخلاف (كنها ومعنى وغاية) و بحقيقة الإنسان المستخلَف (ماهية وقدرة). جاءت الآية " إني جاعل في الأرض خليفة" بصيغة تقريرية. لتثبت حقيقة الاستخلاف كأمر إلهي نابع من إرادته اللامتناهية ومن معرفته التامّة. فالاستخلاف قول إلهي مطلق وقول إنجازيّ كينوني " كن". ولذا ورد القول الإلهي للملائكة("وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل ..") في صيغة الإخبار بـ"القرار" الإلهي المطلق. تنبيها إلى لزوم الامتثال للأمر وترجمته بالسجود " فخروّا له ساجدين"، اعترافا بالربوبية، وتكريما للخلق الإلهي، "الإنسان" بعضا من روح الإله " ونفخت فيه من روحي "..(الآية 29 سورة " الحجر: ").

- جدارة الإنسان المستخلَف بالخلافة (الإنسان كقيمة):

الاستخلاف أمر إلهي نابع من أصل مقدّس للتشريع أو التأسيس، لتأسيس الوجود والقيمة، وجود المستخلف ولجدارته بالاستخلاف. وهذا يعني أن الإنسان/ الخليفة جدير بالخلافة في معرفة الله التامة . فهو أعلم بمن خلق.("ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض." الآية 33 البقرة) ولا يصدر عن كامل إلاّ ما تجدر نسبته إليه. ولا يكون المستخلَفُ إلاّ قيمة من صنع المستخلِفِ. الإنسان بوصفه خليفة، قيمة في حد ذاته وهو بالتالي غاية قصوى للاستخلاف. يستتبع هذا سموّ المنزلة الإنسانية عن سائر الموجودات. واعتبار الاستخلاف تشريفا و تكليفا للإنسان في آن واحد. بموجب كونه وسيلة وغاية في ذات الوقت.

- امتلاك المستخلَف مؤهلات الاستخلاف أو شروطه: العقل (الوعي) والحرية:

استحقاق الخلافة تقوم على امتلاك الإنسان العقل كقدرة على الاستكشاف وإرادة امتلاك الحقيقة والمعرفة. امتلاك العقل، تحمّل الإنسان مسؤولية " المعرفة" بوصفها أصلا للقدرة على الفعل والإنجاز وبالتالي على " تحقّق "الاستخلاف واستكماله. لا يكون الاستخلاف إلا لعاقل قادر على المعرفة والفعل والقول حتى يستطيع إعمار واستعمار الكون والتصرف فيما استخلف فيه، وهو قادر على السيطرة على " الموجودات"، لأنّه بامتلاكه العقل يقدر على " التسمية"، أي تمثّل الأشياء وكل الموجودات بالاستعاضة عن وجودها الحسي المباشر بـ"أسماء"، هي علامات ورموز، وحده الإنسان قادر على ابتكارها لامتلاكه " القدرة على التخيّل " وهي إحدى ملكات " العقل" (" وعلم آدم الأسماء كلها " الآية 31 البقرة). غير أنه لا يمكن أن يكون العاقل قادرا على الفعل والإنجاز إلاّ إذا سلمنا بحريته بوصفها امتلاك الإنسان إرادة الفعل أو عدمه والقدرة على إنجازه أو الامتناع عنه. فالمستخلَف بالضرورة واع وحرّ. ويشكّل الوعي (أو العقل) والحرية مقوّمَا "إنسانيته الاستخلافية" والأصل الإنساني في استحقاقه الخلافة في الكون. يفترض الاستخلاف استئمان الإنسان على العقل والحرية وبالتالي على ماهية" الإنساني" فيه كإنسان. فالإنسان أمانة نفسه وهو مسؤوليته التامّة التي قَبِل تحمّلها وبها تميّز عن سائر الخلق " إنا عرضنا الأمانة على الأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان .." (الآية 72 الأحزاب.).من هنا فإنّ ماهية الإنسان أو الإنساني في الإنسان يتمثّل في " استخلافيته". إن تحقق الإنسانيّ واستكماله إذن، يطابق تحقّق و استكمال خلافته في الأرض. يعني الاستخلاف بهذا، مسؤولية العمل و " السعي " والكدح" (" أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " الآية 6 الانشقاق)، و" أن ليس للإنسان إلا ما سعى " الآية 39 النجم)، وأنّ تاريخ الإنسان على " الأرض" ليس سوى مسار استخلافه فيها. مسارا تتحدّد بدايته ونهايته من جهة " الاستخلاف"، بوصفهما بداية تجسد الاستخلاف و استكماله (نهاية التاريخ الإنساني). يبني الإنسان إذن بالعقل والحرية مسار استخلافه أي مسار تاريخه ككائن إلهي الأصل أو ككلمة إلهية نافذة لإرادته المطلقة. " إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" (الآية.40 النحل). ولا ينفي الاستخلاف للإنسان مسؤوليته التاريخية في " الوجود في العالم" ككائن قادر على الفعل والتغيير فيه على الوجه الذي يجعله مستكملا لإنسانيته كخليفة جديرا بما حمل من أمانة العقل والحرية. فضلا عن أنّ استئمان الإنسان على نفسه والعالم إذ يفترض وعيا وحرية، فإنّه يحتمل إمكان " خيانة المؤتمن" بقدر ما يحتمل أداءه لحقها." قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " (الآية 30 البقرة). ومن هنا كانت مسؤولية الاستخلاف ومشروعية " الحساب"، أي تقدير نتيجة المسار التاريخي للإنسان كخليفة في الأرض ممّن كان الأصل في الاستخلاف للإنسان و" استحقاقه" لذلك، وممن يمتلك بالتالي جدارة " المحاسبة" أي المستخلِفُ. جاء في القرآن قوله تعالى:" ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون" (الآية 129 من الأعراف) وهو ما يفيد أن الاستخلاف امتحان للإنسان، " هبة " وفرصة " رهانها إثبات جدارة الإنسان "بالخلافة " على الأرض.

- مجال استخلاف: "الأرض" بوصفها فضاء الاستخلاف وشرط إمكانه " المادّي" " إني جاعل في الأرض خليفة" (الآية).

وتتحدّد الأرض هنا بوصفها " العالم الكوسمولوجي الفيزيائي" الذي اختاره المستخلِف عالم حضور للإنسان ومجال تجسيد " الخلافة" . إنّ اختيار " الأرض" تعيين للمقوّم المادّي للفعل، الفعل في الأرض " وإذا ضربتم في الأرض.."(الآية 101 النساء)، أي سافرتم أو انشغلتم بما يفيد تعمير الأرض وتغييرها على نحو يجسد فيه الإنسان قدرته كذات وبالتالي جدارته كخليفة، ويجعل " الأرض" عالما ملائما" للعيش" والبقاء ضمن حدّي المكان والزمان بوصفهما شرطين فيزيائيين للوجود الحسّي. وكون " الأرض" فضاء للاستخلاف، يفترض أنها " مهيأة " بخلق إلهي مسبق لاحتوائها أو لاستقبالها حضور هذا "الخليفة". مهيأة في معنى كونها تتضمن الشروط الحيوية للبقاء المادّي للإنسان وقابليتها لاحتواء الفعل والتغيير والخلق والابتكار بوصفها موضوع "تسخير"، موضوع "ائتمان" لدى كائن مريد وواع يملك القدرة على التصرّف فيها وفق ما لديه من ملكات ذهنية وجسدية ووجدانية. جاء في القرآن: " وهو الذي أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها " (الآية 61 هود)،" هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها" (الآية 15 الملك) ينتج عن هذا ضرورة أن تكون "الأرض" بمعنيين: " الأرض" بوصفها العالم الكوسمولوجي، شرطا ماديا للاستخلاف، و" الأرض" بوصفها " العالم الإنساني " أي " عالم تحقّق الاستخلاف" (" الأرض" كفضاء لصنع الإنسان وابتكاراته من " الأشكال الرمزية" المتعدّدة والمتنوّعة، والتي " يعيش ضمنها وبها، بوصفه " إنسانا" ويحضر من خلالها حضورا متميّزا عن سائر " الموجودات "(من حيوان ونبات الخ) التي تشاركه الوجود في العالم ولكن لا " تسكنه"، أي لا تحضر فيه حضورا رمزيا ذي دلالة. تشير الأرض" إلى العالم في ازدواجيته: عالما نوجد فيه وعالما " نعيش فيه"، عالما حسيّا نحسّه ونفعل فيه وننفعل به وعالما رمزيا نتذهّنه ونقيم فيه (عالم الثقافة والحضارة). إنّ " الأرض" هي (العالم) محل إقامة الإنسان " الخليفة"، فيها يجسّد " إنسانيته" في أبعادها " الوجودية والمعرفية والعملية والنفسية الخ وفيها يحقّق رمزيا حضور " المستخلِفِ" ويتحقّق معنى الاستخلاف عبر ما يصنعه هذا الإنسان بوصفه " إلهيّ" الأصل و إلهي المنتهى " أيها الإنسان إنك كادح إلى رب كدحا فملاقيه" . (الآية). يستتبع هذا، أي اعتبار الأرض مستقرّا للمُستخلف:

- عرضية الاستخلاف أي كونه منته، ينتهي بانتهاء موجباته ويزول بزوال شروط تحقّه:

حلول الساعة، حيث تطوى الأرض طيا، ويصير عاليها سافلها، أي حينما تبدل الأرض غير الأرض وينتهي التاريخ ويحلّ موعد " الحساب" أي التقييم لمسار الاستخلاف ومسؤولية الإنسان فيه.

- فسح المجال للأبدية:

الوجود المطلق والمقام الأبدي (جنة الخلد أو الجحيم الأبدي) وهو ما يعني العود إلى " الله"، الوكيل صاحب قرار الاستخلاف.

- مضمون رسالة الاستخلاف:

 الاستخلاف مهمّة الإنسان في العالم ورسالة عليه أداءها بتجسيد مضمونها أي مقاصدها بما هي:

- إعمار الأرض، إقامة " العمران البشري" وصناعة التاريخ الإنساني: إثباتا لاستحقاقية الإنسان للاستخلاف ونفاذ الإرادة الإلهية في الوجود بتجسيدها عبر الفعل البشري في العالم .أي تغيير وجه الأرض إلى الأفضل، أي على نحو يجعلها " مقاما حسنا للإنسان ولسائر الخلق" وذلك بالتصّرف فيما تهيّأ فيها من خلق وفق سنن الكون وعلى أساس ما استكشفه الإنسان منها وما حصّله من معارف عنها وعن نفسه.

- العبادة: في مستوى علاقة المستخلِف بالمستخلَفِ (الإنسان بالإله):عبادة الإله " وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين" (الآية 5 البيّنة) " وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون" (الآية 56 الذاريات) . وتعني العبادة هنا اعتراف المخلوق للإله الخالق بكمال قدرته ومعرفته وتكريمه الإنسان وتشريفه وتكليفه بمهمّة الاستخلاف. وترجمة هذا الاعتراف بطاعته.(بعبادته).

- التعارف: بما هو مقصد الاستخلاف في مستوى علاقة الإنسان بالإنسان: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" (الآية 13 الحجرات). ويعني التعارف " لقاء الإنسان بالإنسان " على صعيد المشترك وهو " الإنسانيّ" بوصفه ماهية أو كليةّ أو كونية جامعة تصل الإنسان بالإنسان بغضّ النظر عن اختلافه وتنوّعه. يعني التعارف بهذا المعنى تواصلا إنسانيا على جميع الأصعدة " الأنطولوجية والثقافية والنفسية والمعرفية الخ، أي على جميع أصعدة الإنساني . يقتضي التعارف اعترافا أي قبول الإنسان لشبيهه في الإنسانية وقبوله " اختلافه عنه" وربما غرابته أو بالأحرى " غيريّته" . ومعنى القبول هنا (التعارف) هو " التسامح" مع الآخر المختلف والمغاير.

- الارتقاء بالإنساني قيميا وروحيا: " إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم" (الآية 13 الحجرات) وهو ما يعني تحقيق " الكرامة الإنسانية " كقيمة على أساس " التقوى" أي " خشية الله" والتقرب إليه بـ"العبادة" ووجه التقرب هنا لا ينحصر في أداء " الفرائض" (من صلاة وغيرها..)، بل يتعدّاه إلى " الإحسان" لخلق الله (من سائر الموجودات) أو " الاستقامة"، "إن الذين قالوا رّبنا الله ثمّ استقاموا.." (الآية30 فصلت). وتعني الاستقامة التصرّف (مع الذات وسائر الخلق) وفق ما تقتضيه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، أي وفق " مستطاع" البشر وما يحفظ "كرامتهم" كبشر، أي وفق " قيم" إنسانية، هي على وجه العموم " الحقّ والعدل والخير " (أسس الكرامة الإنسانية) وما يتفرّع عنها أو يدور في فلكها من قيم جامعة هي غايات قصوى للفعل البشري(من قبيل المساواة و الإحسان والإخاء الخ)، يرتقي بها الإنسان إلى " الإلهي" ويحصّل بمقتضاها " جدارته كخليفة في الأرض" وكمخلوق إلهي.

-  الحفاظ على " النوع البشري"، بل الحفاظ على سائر " المخلوقات" (" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين" (الآية 83 القصص) " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (الآية 85 الأعراف) ..وهذا يعني " احترام" " الموجودات، " الكائن الحيّ" (نباتا وحيوانا) وتقديس " الحياة" على الأرض على أساس " اعتبار الوجود أو الخلق أو الكون " فضلا إلهيا أو " نعمة" على الإنسان خاصّة، تستوجب " الشكر" على وجه " التمتّع" بها بقدرٍ لا يلحق فيه أذى للذات والآخرين، بل يحفظ البقاء ويحسّنه ("وأما بنعمة ربك فحدّث " الآية 11 الضحى)، والحفاظ عليها ورعايتها، (على وجه الأمانة) اعترافا بعلوّ مانحها وقدسيته والخشية من " نقمته" على العابث بها (كفرا بالنعمة وظلما لصاحبها) .

الاستخلاف والاختلاف:

لا يستقيم القول بالاستخلاف دون التسليم بالاختلاف مقوّما رئيسيا له. فالاختلاف خاصية الخلق " يا أيها الناس إنا خلقناكم ..." الآية " وقوله:" ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم". (الآية 118- 119 هود) . ولما كان الاستخلاف يفترض وجود المستخلَف، مخلوقا مؤهّلا بخلقه بالذات على هيئة مخصوصة، وفق ما شاء خالقه، لاستخلافه على الأرض، كانت العلاقة بين الاستخلاف والاختلاف علاقة " تأسيسيّة"، علاقة الشرط بالنتيجة. فلأنّ الإنسان كائن متكثّر، مختلف " في اللون واللسان" (واختلاف ألسنتكم وألوانكم.. الآية)، اختلافا فيزيولوجيا وثقافيا أو طبيعيا وثقافيا، كان بالإمكان أن يُستخلف على الأرض التي يفترض ضرورة أن تكون هي الأخرى مناسبة لهذه المهمّة باختلاف وتنوع خلقها ... أي فضاء أو مجالا يتميّز بالتنوّع الكوسمولوجي والفيزيائي أو الطبيعي مهيئا على نحو يمكنه من أن يستقبل الاختلاف والتنوّع البشري فيتحقّق شرط إمكان الاستخلاف. تحكم العلاقة بين الاستخلاف والاختلاف إذن معقولية أو منطق خاص، منطق توافق الغاية والوسيلة أو منطق تطابق الوجود والمعنى. فالاختلاف بوصفه خاصية الخلق أو سمة الموجود الأرضي وغيره الحامل للمعنى. " ربنا ما خلقت هذا عبثا" (الآية 191 آل عمران). وهذا يعني أن الاختلاف ليس غاية في ذاته، من جهة الوجود، بل هو شرط للاستخلاف. والمشاركة لغويا، للاختلاف والاستخلاف " في جذر " خَلَفَ"، دليل على وحدة الانتماء المفهومي (للاستخلاف والاختلاف) إلى حقل مشترك ضمن مفاهيم أخرى مجاورة كالتنوع والخصوصية والكثرة الخ ومفاهيم أخرى نقيض كالوحدة والتماثل والتطابق والتماهي الخ. وقد جاء في القرآن استخدام اشتقاقات الجذر " خَلَفَ " في صيغ عديدة بحسب السياقات: بصيغة الفعل " خلف" واسم الفاعل والمفعول، فردا وجمعا الخ (خَلَف واستخلف ومستخلف وخليفة وخلْف خلائف ومستخلفين الخ). بدلالات مختلفة حسب السياق.غير أن جميعها يعني الإنسان بوصفه الكائن الوحيد (الواعي والحرّ) و" المكلّف" الذي ينطبق عليه " معنى الاستخلاف" بما هو "تكليف".

يبدو الاختلاف إذن شرط إمكان الاستخلاف. من حيث هو خاصية " الخلق". فالمخلوق متكثّر مختلف بالضرورة قبالة " الخالق" واحدا أحدا. فمن " الواحد" يصدر المتعدّد المختلف. والإنسان مخلوق كسائر المخلوقات متكثر متعدّد بحكم أنه خلق إلهي، خلق الواحد". وإذا كان الإنسان قد بدأ " فردا"، "وحدة"(آدم)، فقد كان " وحدة متكثّرة"، يحمل في ذاته تعدّده "وهو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها (أي النفس) زوجها (التعدّد)"(الآية 89 الأعراف). " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا" (الآية 19 يونس). من هنا فالأصل في الإنسان كونه وحدة " متفرّدة" تتعدّد وتختلف تتماثل وتتشابه (الزوج: آدم وحواء ثم البشرية أزواجا متكثرة، متنوعة متشابهة متفردة الخ). هي الوحدة والتماثل إذن و التعدّد والاختلاف.. في علاقة جدلية، "مركّبة" تجعل الوحدة متكثرة والمتكثّر وحدة. ولأنّ الأصل في الخلق البشري الاختلاف والتنوّع كان " التوحيد " مطلب الإنسان. لكن، لا توحيدا بمعنى " تجميعا" بل بمعنى " مشاركة" على أساس " التجانس" في الخلق (الانتماء إلى الجنس الواحد، الجنس البشري)، والتجانس الثقافي (الانتماء إلى خصوصية ثقافية، إلى ثقافة مشتركة: لغة ودين ومعرفة ...). يقوم " التوحيد" على معنى " الاختلاف"، توحيد " المختلف، المتعدّد والمتكثّر، ويشرط " الاختلاف إذن فعل " المشاركة" و" التقاسم"، تقاسم " المشترك" الذي لن يكون ممكنا إلا بما هو فعل كائن مختلف بالضرورة. وإلاّ كانت الوحدة المطلقة والثبات المطلق وهي صفة " الواحد"، مطلق الوحدة وهو " الإله"، الذي لا يُشارك ولا يشترك ولا يقبل أن يشرك به. أمّا الإنسان، مخلوقا يتسم بالاختلاف والتنوّع والتعدّد، فلن يكون إنسانا، ومن باب أولى لن يكون " إلهي النسبة"، إلا " بالمشاركة"، مشاركة " الإنسانيّ أي ما يميّزه كإنسان. ذلك أنّه يحمل في ذاته كفرد، "كوحدة" أو هوّية، وحدة بيولوجية (نظام عضوي") ووحدة نفسية (بنية نفسية) ووحدة " أنطولجية (موجودا وكيانا ومنزلة خاصّة) ووحدة اجتماعية (فردا، عنصرا ضمن جماعة) ووحدة ثقافية (هوية ثقافية فردية)الخ ...، فردا يحمل في ذاته موجب " المشاركة" أو " الحاجة" إليها وهو " النقصان": متمثّلا في " الرغبة" والحاجة وفي " الميل إلى " والنزوع إلى " أو الهوى ...أي عناصر غريزية " طبيعية"، تعبّر عن " الجسد "، جسد الفرد " الواعي"، يعقل ويتعقّل ويتحكّم بعقله وإرادته في هذه " العناصر"، التي " تقاوم " بدورها، جهده" هذا بفعاليتها الذاتية التي تستمدّها من نظامها الغريزي الخاص. بهذا المعنى ينكشف الإنسان كائنا يتّسم " بالقصور" والمحدودية، بالنقصان". ولأجل هذا يسعى " لكماله"، أو بالأحرى " لاكتماله "، على صعيد " منزلته الإنسانية " من جهة الفكر والقول والفعل والوجود والقيمة. غير أنّه لن ينال هذا " الاكتمال " بمفرده، مهما كانت قدرته واستعداداته، بحكم عدم التناسب مبدئيا بين " النقصان والكمال"، وبحكم كون " الفردية " هي مسار " تفرّد " لا محدود هو " دوما في حاجة إلى ..الآخر، فلئن كانت  الفردية "وحدة" كما أسلفنا، فهي تحمل في ذاتها " ميلا" إلى الانقسام والتكثّر وبالتالي، ميلا " إلى " آخر غيرها، إلى الآخرين. في هذا المعنى قيل عن الإنسان " بأنه مدني بالطبع" (أرسطو). يميل إلى الاجتماع بغيره، إلى الأنس والتآنس والعيش مع الآخرين وبالتالي إلى " المشاركة "، سعيا إلى تحقيق، لا " حاجته" المادية فحسب بل اكتماله " الأخلاقي "، أي " إنسانيته " بأبعادها المادية والروحية . من هنا، كانت العلاقة بين " الاختلاف" و" المشاركة" وبالتالي بين " بين " الاستخلاف " و" المشاركة": فلا يستقيم " الاستخلاف" دون " مشاركة " المستخلفين فيما استخلفوا "عليه" و" فيه "، أي دون " تقاسم" المشترك بينهم جميعا وهو " الأرض" أو الفضاء أو المُقام آو " الكون" بما فيه من "موجودات "، ثم " المشترك" الإنساني" ممّا يملكه الإنسان بوصفه " موجودا" ذي خصوصية يختلف بموجبها " ذاتياّ " ويتنوع في" ذاته"(ويتعدّد كفردية ..) ويختلف عمّا دونه من سائر المخلوقات. تتحدّد المشاركة بوصفها مقصدَ" الاستخلاف" أو غايته، أي بوصفها شرط تحقّق الدلالة الإنسانية للاستخلاف، من حيث هي " الجهد في العيش معا" أو في " التعايش" (التعارف في الآية)، أي في السعي إلى جعل " الاختلاف" "رحمة" كما جاء في القرآن والسنة " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك" (هود. الآية 118 -119) (" اختلاف أمتي رحمة" – حديث) . وتتجسّد "الرحمة" هنا أوّلا في حفظ " النوع الإنساني" على الأرض بتحريم " قتل النفس" والدعوة إلى " الفعل والسعي والجهد والحركة .." أي الجهد في حفظ الكائن لوجوده "، إلى " الحياة " التي لن تكون ممكنة إلاّ بما هي " اختلاف" يجهد في أن يدرك " التوحيد" بفعل " المشاركة " و" التقاسم" الخ. كما تتجسّد " الرحمة " ثانيا في "خلق شروط تحقق " الإنساني" والحفاظ عليها ورعايتها وهي " التعارف" و" التقوى": - التعارف بين البشر ("يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" الآية) . والتعارف كما أسلفنا يعني التقاء الإنسان بالإنسان في اختلافه الثقافي والحضاري؛ التقاء لن يكون ممكنا إلاّ بالاعتراف " بالاختلاف" واقعا وحقّا وحاجة إنسانية بالذات. وانتفاء هذا الاعتراف الذي يعني تحوّل " الاختلاف " إلى " خلاف"، إلى نزاع، إلى علاقة عنف تقصي " الحق" وتحل محلّه " القوّة" أو بالأحرى العنف كعلاقة بين البشر وخاصّة " كمعيار " أو أساس " للحق"، ليصبح " الحقّ للأقوى". حينها تنتفي أسباب " التعايش " و " التعارف" واللقاء عبر " الحوار " والتعاطف الخ. أي تنتفي شروط إمكان تحقّق " الاستخلاف" بوصفه " مقوّما " لتحقّق الإنساني الكوني، أي انتهاج سبيل" الفساد" أو الإفساد في الأرض الذي أشارت إليه الملائكة (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .." الآية) – أما التقوى: فتعني " الوقاية" والتوقّي " مما يسلب الإنسان إنسانيته " فيحوّله إلى ما دونه " أي شيئا" أو " حيوانا"..(إنهم كالأنعام..."الآية44 الفرقان) . وذلك بتجسيد " الاعتراف " أو بالأحرى " الشهادة" ّ بوحدانية الخالق وربوبيته عبر " العبادة" سلوكا أو فعلا (أي " الإيمان والعمل ") دون التأكيد على شكل" الطقوس" كممارسة تجسّد هذا " الاعتراف"، مادام يعني " إقامة علاقة بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان وسائر المخلوقات على أساس هذا الاعتراف والشهادة؛ علاقة ترد " الاختلاف" إلى " الواحد "، إلى " الخالق" (أيها الناس إنّا خلقناكم... الآية)، إلى أصل واحد للوجود و " للشرعية " والجدارة والحكم بمعنى التقييم ..(فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول..." الآية 59 النساء). هذا المعنى الجامع "للتقوى" لا يجعلها بالضرورة مقتصرة " على العبادة في دلالتها الدينية " فحسب، (فهذا معنى جزئي) بل يتعدى إلى دلالة كونية كلية تعني " الإحسان" في كلّ شيء، أو إن شئنا " فعل الخير" الذي لا يقدر عليه سوى الإنسان ولن يكون إنسانا بدونه . من هنا كان شرطا " لكرامته"، لحرمته الذاتية كإنسان (إن "أكرمكم عند الله أتقاكم" الآية). فالتقوى معيار الكرامة، أي لا يكون الإنسان كائنا جديرا بالانتماء إلى الإنسانية كقيمة إلاّ بقدر جهده في حفظ " الخلق" والحفاظ على " ما استخلف فيه وعليه " أو بجهده في إثراءه وتنميته وحسن بقاءه لا مجرد بقاءه فحسب.أي في النهاية في " الامتثال " للإلهي والاعتراف به لا من جهة ما استقر في القلب أو الإيمان فحسب بل من جهة ما يصدقه الفعل، أي من جهة تجسيد الاعتراف عبر " الإحسان للخلق" ومن باب أولى " للإنسان" الذي تميّز وتفاضل في الخلق والمشقة في ذلك(" لقد خلقنا الإنسان في كبد " الآية 4 البلد) وكان بالتالي الأجدر " بالخير " والإحسان . وهذا هو جوهر " التقوى".

الاستخلاف والتآنس والحاجة إلى العيش المشترك:

لقد أشرنا إلى كون " التعايش " غاية " الاستخلاف" في معنى أن" التعارف" بين البشر هو ما من أجله " استخلفوا " في الأرض (" ...وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" الآية). وهذا يفضي بالضرورة إلى تناسب وتلاؤم بين شروط أو مقوّمات الاستخلاف كما عددنا وبين شروط التعايش. فما يجعل الاستخلاف ممكنا هو ما يمكن البشر من التعايش. ذلك أن " قبول " الاختلاف" بين الناس والاعتراف في ذات الوقت بوحدة وكونية " المشترك الإنساني"، هو ما سيفضي إلى تجسيد إمكان " التعايش " بينهم . إنّ قبول " الاختلاف"، اختلاف" الرحمة لا " النقمة " أي الاختلاف لا " الخلاف"، أي الحوار لا النزاع، الحوار الذي لا ينفي " التفاعل " و" التدافع" بل والصراع " بوصفه احتكاك القوى "الإنسانية" المتضادة و المختلفة أصلا، بل يؤكّده بما هو عنصر حركيتها ونموّها وتقدّمها وبالتالي شرط إدراكها مبتغاها في أقصى وجوهه، وهو " تجسيد الاستخلاف واكتماله" على الوجه الذي " أراده المستخلِف وفي حدود مستطاع " المستخلَفِ" (" لا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها" الآية 286 البقرة). إن قبول الاختلاف يعني " التسامح" ويعني " العفو " والصفح" (في مستوى علاقة المستخلفين ببعضهم بعضا، أي على صعيد " إيتيقي") عمّا يمكن أن يحدثه هذا التدافع والصراع، في مسار التحقق التاريخي لرهانات الاستخلاف، من ضررٍ و تأذية الإنسان للإنسان عن قصد وعن سوء استخدام لآليات " الصراع" الإيجابي من فكر وقول وفعل الخ ... ولا يستقيم التسامح طبعا دون اعتراف بكرامة الإنسان وعلوّ مقامه بين الموجودات، بوصفه غاية الغايات وبالتالي مراعاة " العدل " في معاملته، بضمان " حقوقه" كإنسان (من حرية ومساواة وعمل الخ...)، في ذات الوقت الذي يلتزم فيه الجميع بمراعاة " الحدود" والمقتضيات أو الإلزامات أو " القوانين " والقواعد التي تضعها " الجماعة " على صعيد حياتها " المدنية " السياسية والاجتماعية و الاقتصادية والأخلاقية... بغرض ضمان " العيش المشترك " وتنمية جهد الإنسان من أجل اكتمال وجوده الاجتماعي والأخلاقي. تعبّر الفلسفة (الفلسفة التعاقدية بالذات) عن هذا الذي أسميناه هنا بالاعتراف وقبول الآخر، المغاير، بفكرة " التعاقد" وهي فكرة لم تغب عن النص القرآني الذي عبّر عنها فيما أرى بـ" الكلمة السواء". فقد جاء في القرآن قوله تعالى:" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضا أربابا من دون الله." (آل عمران الآية 64). وبين هنا أن الدعوة إلى " الكلمة السواء" هي دعوة إلى " الحوار" (تعالوا إلى ...)، حوارا يقوم على " المشترك بين البشر " وحدة الأصل" البشري (سواء بيننا وبينكم) وهو " الكلمة" وتعني هنا فيما أرى " كلمة الله" وهي " الكتاب" بوصفه لا نصّا جامعا بحكم وحدة " منزّله" (بعبارة القرآن) فحسب، بل بوصفه " رسالة " جامعة تشترك برغم تنوّعها (كتب وألواح ومزامير الخ .." قل يا أهل الكتاب.." (الآية) وتعدد الرسل المكلفين بتبليغها، في كونها " كلمة الله (" وكلمة الله هي العليا " الآية 40 التوبة) أي فوق " الاختلاف"، أي " المتعالي" الذي يتجه صوبه الجميع) . هذه الكلمة التي تلزم " الجميع والمعبّر عنها " بـشهادة " و" اعتراف " بالوحدانية " (" ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا.." الآية). هذه الشهادة المعبّر عنها في " كوجيتو" كوني، وقول جامع يشهد بوحدانية الربّ: " أشهد أن لا إله إلاّ الله"، مقترنة بشهادة بوحدة " الرسالة " والرسل (على تعددهم وتنوع رسالاتهم): وأن محمّد رسول الله" (رسولا خاتما مكمّلا (" اليوم أكملت لكم دينكم..." الآية) . هذه " الكلمة السواء " هي مضمون " التعاقد" في صيغته " الكونية " بين البشر على اختلافهم، تعاقدا من أجل " وحدة الإنسان بالإنسان وبالتالي بالألوهي " وإذن " وحدة الإنساني " في " الألوهي". تعاقدا يمكّن البشر من " الإنصات "(كمستمع كوني) لمتكلّم جامع واحد والامتثال لأوامره ونواهيه وتجنّب " الخلاف والجدال و النزاع والخصومة والحرب..." حول ما هو " مشترك"، الأصل فيه أن " يجمع "لا أن يفرّق وأن يوحّد لا أن يشتّت، ولكن شريطة أن يقع تقاسمه، فيكون " سواء" بين الجميع. يبدو أن "شهادة الإيمان" بوصفها " اعترافا" بوحدانية الخالق، الربّ "سيدا" مطلقا ("أن لا يجعل بعضنا بعضا أربابا من دون الله" (الآية)، أي رفض تعدد الإلهي وتشظّي " السيادة " (أربابا ..) واستبدالها بربوبية بشرية متعددة، هو مقوم " التعاقد " بين البشر، بما هو " الاتفاق على " العودة إلى المشترك في كل حال والاحتكام إليه عند الخلاف أو التنازع.(فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول " الآية) وفي حال رفض هذا "التعاقد " الكوني الإنساني، فإن " اختيار " النزاع والفرقة .." هو المصير لا محالة . وهو مصير يتحمّل الإنسان مسؤوليته كاملة بحكم " قرار " الاختيار الذي يفترض " الحرية " طبعا(" فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون .." الآية 64 آل عمران.) " وسابقية " الإنذار"،وبالتالي مسؤولية المعرفة (.."قد تبين الرشد من الغيّ " الآية256 البقرة)، وقوله تعالي: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء"... (الآية). مسؤولية يتحمّلها الإنسان في كل حال، منذ بدء الخلق (مسؤولية آدم في عصيان كلمة الرب (" فعصى آدم ربّه وغوى ..." الآية.121 طه) و(" ناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكم الشجرة .." الآية 22 الأعراف) ثم مسؤولية البشر جميعا وقد حمّلوا " أمانة العقل" ومسؤولية "الاستخلاف " في الأرض ولم يتركوا لشأنهم بل حمّلوا العقل قدرة على التمييز، وحمّل بعضهم مسؤولية " المنذر " و"المعلّم"، والمرشد" الخ، وهم الرسل والأنبياء والشخصيات الممتازة حتى من العلماء والعارفين الخ، كي يرشدوا البشر بما أوتوا من المعرفة والحكمة .. إلى سبيل الحق البيّن في أصله لمن حكّم عقله (" إنّا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" الآية 3 الإنسان). وإذا كان هذا التعاقد الذي أشرنا إليه كوني المعنى(تعاقد بين ملل ونحل)، فإنه نموذج لكلّ " تعاقد " بشري، اجتماعي وسياسي الخ . وهو ما يعني أن " التعاقد" مبدأ " للتعايش بين البشر". يمكننا إذن أن نقيم الصلة دون وجل بين " فكرة الاستخلاف" والاختلاف من جهة وبين فكرة الاستخلاف والتعاقد، وبالتالي بين الاستخلاف والتعايش أو"التآنس" أو إرادة العيش المشترك ومبدأ التعاقد من حيث أن " التعاقد" هو شرط إمكان "التعايش" وانه بالتالي آلية لتجسيد " الاستخلاف". وهو ما يعني أنّ النص القرآني يتضمّن الدعوة إلى التعايش" وقبول " الاختلاف " ويقترح " التعاقد" آلية لذلك، ويجعل "الاستخلاف " مبدأ جامعا لكل ذلك. إذ لا معنى للتعايش و"الاتفاق" (التعاقد) بين البشر على قبول بعضهم بعضا إلاّ من حيث هم " خلفاء " في الأرض، أي بشرا "مكلفين " بمهمّة تحقيق إنسانيتهم بوصفها " خلقا " إلهيا ومسؤولية إنسانية، وهو " المشترك بينهم" .

غير أنّ الدعوة إلى " قبول الاختلاف" وإرادة التعايش" بين البشر لا تكفي لوحدها لضمان تحققه فعلا كأساس للحقّ والمشروعية. إذ لابدّ من معاضدته بعنصر " القوّة" المادية التي لم يغفل النص القرآني عن الإشارة إليها بل وتفصيل القول فيها في مواضع كثيرة وعلى عدة أصعدة:

أ - الصعيد السياسي:

قوّة " السلطة" ممثلة في كيان سياسي هو " الدولة" أو السيادة العليا التي تحتكم إلى " قوة القانون" (الحكم) ("وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .. الآية"58 النساء). يؤكّد النص القرآني على معنى " العدل" غاية " للحكم ومعيارا لجدارته. ولتحقيق هذا نبه إلى معنى " المشاركة" التي يقتضيها " الاستخلاف"، أي المشاركة في " الحكم" ("وأمرهم شورى بينهم " الآية 38 الشورى) و" شاورهم في الأمر" الآية 159 آل عمران). وترك للناس ابتكار أشكال تحقيق هذا المبدأ الجوهري للفعل السياسي. وهنا قد تطرح فكرة " التعاقد" (الكلمة السواء") أحد أشكال تجسيد هذا المقصد (التعاقد الاجتماعي بالدلالة التي فصلها فلاسفة التعاقد" " كفكرة"،مثلا). وللتأكيد على خطورة غائية الفعل السياسي بما هي العدل والحقّ والحرية، نبّه إلى ضرورة تجنب ما يحول دون تحقيقها أعني " الظلم والاستبداد أو الطغيان.." أي التعدّي على الحقّ، على المشترك أو " المتعاقد عليه " والتفرد به دون " الآخرين" والتصرف فيما استخلف فيه الإنسان عموما على وجه " الاستئثار"، وهو معنى " الاستبداد والظلم.

- الاحتكام إلى " المشترك" أو الجامع في حال " الخلاف" أو النزاع:

" وإذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول ..." الآية). والتأكيد على أهمية " القضاء " والحاجة إلى التقاضي في حال " النزاع " على الحقّ ضمانا للعدالة:(" فاحكم بيننا بالحق ولا ُتْشِطْط"..الآية 22 سورة "ص")،(" .. فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " الآية 35 النساء).، ("وليشهد بينهما حاكم بالعدل " الآية 282 البقرة) .

- التأكيد على مبدأ الحقّ " الإنساني " وبالأساس حق الحرية في الاعتقاد والتفكير والممارسة:

(" أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" الآية 99 يونس) "، (" لا إكراه في الدين .." الآية 256 البقرة)،(" لكم دينكم ولي دين " الآية 6 الكافرون)، (" لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " الآية 55 القصص)، "وان ليس للإنسان إلاّ ما سعى " الآية 39 النجم" الآية) . .

- التأكيد على مبدأ " الواجب"، واجب " الطاعة "والالتزام والامتثال للقانون"

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم" الآية 59 النساء)، إذا ما كان " القانون" تجسيدا لمبدأ " التعاقد" ولم يخالف " الحق" و" الفطرة" و" الإرادة العامة" ...

- ب- الصعيد الاقتصادي: - قوّة الثروة أو المال: الدعوة إلى التصرّف في الثروة (حتى وإن كانت إنتاجا بشريا) على معنى أنّها " أمانة" أو" وديعة " أو " رزق" أو " موضوع استخلاف أو وكالة"، أو " هبة إلهية" للبشر خاصّتها التنوّع التفاوت والتقدير " والله فّضل بعضكم على بعض في الرزق" (الآية 71 النحل) واعتبار هذا التفاوت معطى يردّ إلى " خاصية الاختلاف والتنوّع " كميزة للواقع البشري. ثم الدعوة إلى استغلال القوّة " الذاتية" للثروة والمال كأداة لا كغاية في تحسين " العيش" الفردي والجماعي، الخاص والعام، أي الدعوة إلى الإنفاق مبدئيا وعدم احتكار الثروة أو تكنيزها أو مَرْكزتها لدى فئة دون أخرى " وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" الآية 7 . الحديد)، و(" وأنفقوا مما رزقناكم" الآية 10 المنافقون) ثم تثمين الجهد في كسب الثروة وتنميتها وحسن التصرّف فيها على أساس" إيتيقي":

- تثمين الجهد والمجاهدة والكدح في العمل والكسب واعتباره قيمة:

(وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى " الآية، " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم" الآية 141 البقرة) .وبالتالي جعل الجزاء من جنس العمل وبقدره. أي التلازم بين العمل والثروة، بين العمل وملكية الثروة. اعتبار العمل قيمة ومنتجا للقيم.

- إحكام التصرف في الثروة بالاحتكام أوّلا إلى " ترشيد عقلاني" للتدبير:

(" ولا تأتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" الآية 5 النساء)، " وأحسنوا إن الله يحبّ المحسنين" الآية 195 البقرة)، (" إنّ الله لا يحبّ المسرفين" الآية 31 الأعراف)، والاستئناس بالخبرة في هذا الباب كحاصل للعلم والمعرفة وتداول الثروة. وبالاحتكام ثانيا إلى حسّ أخلاقي قيمي:" الأمانة " وحفظ الثروة، و" الخوف" من العقاب أو التقوى عموما... ("قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " الآية 55 يوسف).

- ترشيد أخلاقي للتصرف في الثروة في اكتسابها وإنفاقها

على أساس اعتبارها وسيلة، غايتها " الإنسان" كقيمة، أو غاية قصوى. والتنبيه إلى خطورة الانقياد إلى الأهواء والميولات والرغبات في العلاقة بالمال والثروة عموما (" والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها.." الخ الآية 34 التوبة ")، و(" ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " الآية 1و2 التكاثر)،)"وتحبون المال حبا جمّا " الآية 20 الفجر) والدعوة في المقابل إلى الإحسان في الإنفاق (" وأنفقوا من طيبات ما رزقناكم" الآية 267 البقرة)، و(" وأما بنعمة ربّك فحدّث" الآية 11 الضحى) والدعوة إلى القناعة والرضا والقبول بما قدّر من رزق:(" لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله" (الآية 7 الطلاق) وهو ما يعني التنبيه إلى تجنب التبذير(الإنفاق بمقدار) والسرقة والفساد المالي وغيره بحكم الحاجة أو الفقر...

- تنويع وجوه الإنفاق وتوجيهه عموما إلى تحسين اٌلإقامة في العالم أو الاستخلاف"

 لا على صعيد بناء " الحياة المشتركة " بالإعمار وتنمية العمران على جميع الأصعدة فحسب، بل بتقليص الفوارق بين البشر وتجنيب الإنسان " البؤس وذلّ الحاجة . وذلك بالحثّ على " الصدقة وإنفاق المال في وجوه كثيرة من الإحسان، كتأدية الدين عن المدين وإطعام أبناء السبيل والفقير والمسكين ومساعدة ذوي الحاجات الخ ..(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها .."الآية103 التوبة)

- جعل " الزكاة" كباب من أبواب الإنفاق للمال والثروة واجبا أو ركنا من أركان الإيمان لا يستقيم بدونه

وهو ما يعني جوهرية العلاقة مع المال(كقيمة تداولية) وأهميتها في تحقيق مشروع الاستخلاف . فالثروة أو المال شرط مادّي لتحقيق " خلافة " الإنسان في الأرض . وهو " قيمة " على المستخلف " تقديرها" وحسن " تداولها " على أساس قيمة " العدل " وتجنب " الظلم في التعامل المالي أو الاقتصادي (" لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم .." الآية 188 البقرة)،(" لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم "(الآية 29 النساء). من هنا نفهم تفصيل القول في القرآن في المعاملات المالية والتجارية وغيرها باعتباره جانبا من جوانب علاقة الإنسان بالإنسان، نصطلح عليها بالعلاقة الاقتصادية التي يستقيم بها وجود البشر وينمو ويحسن ويرتقي.

على الصعيد الاجتماعي:

- الدعوة عموما إلى حسن معاملة الآخرين:(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" الآية 2 المائدة)، (وافعلوا الخير لعلكم ترحمون " الآية 77 الحج) وتجنبّ الظلم وإساءة للآخر (" من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربّك بظلام للعبيد" الآية 46 فصلت)، و(" ولا تحسبنّ الله غافلا عما يعمل الظالمون .." الآية 42 ابراهيم).

- التضامن والتعاون والتكافل الاجتماعي ("فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فكّ رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة " الآية 10 البلد)

- التنافس في الفعل الخير والتراحم والعيش من أجل الآخرين (" لكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات .." الآية 148 البقرة)، (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا.." الآية 90 الأنبياء)،("أشداء على الكفار رحماء بينهم ".. الآية 29 الفتح) ...

- حفظ النفس والحياة والتآزر والمحافظة على وحد ة الجماعة على أساس مبدأ التآخي والتعاطف والتنافس والمشاركة..: (" لا تقتلوا أوالدكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم " الآية 31 الإسراء) (" ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"الآية 33 الإسراء)،(" ولكم في القصاص حياة " الآية 179 البقرة)، (" ولا نازعوا فتفشل ريحكم " الآية 46 الأنفال)، " إنما المؤمنون إخوة" الآية 10 الحجرات).

- التعامل مع الآخر المغاير في السياق الاجتماعي على أساس المساواة و " الجدارة " القيمية لا على أساس الجنس أو اللون أو المنزلة (" إن أكرمكم عند الله اتقاكم " الآية) (" يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهنّ، ولا تلمزوا نافسكم ولا تنابزوا بالألقاب.." الآية11 الحجرات) ..

- تقدير الحاجة إلى الآخر وتثمين العلاقة الاجتماعية بين البشر(بين الجنسين على وجه الخصوص) على أساس الحاجة والرغبة، علاقة محبّة ورحمة: (" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة " (الآية 21 الروم)، (" وانكحوا ما طاب لكم من النساء.." الآية 3 النساء)، (" فلا تبغون عليهنّ سبيلا ..." الآية 34 النساء)، و(" ولا تخرجوهنّ من بيوتهنّ إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة " الآية 1 الطلاق)،(" وعاشروهن بالمعروف ..." الآية 19 النساء).

- تثمين علاقة القوة وعلاقة " الرهبة" بين البشر(لا العنف بوصفه إفراطا في استخدام القوة) والصراع الإيجابي بينهم:" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.. " الآية40 الحجّ). (" ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوّة ..." الآية95 الكهف) - ("يا يحي خذ الكتاب بقوّة " الآية12 مريم). على أن تفهم " القوّة" هنا وسيلة " إيجابية " للإعمار والإصلاح وحتى للتعلّم .. " وبالتالي " للرحمة".

- الإقرار بمبدأ الرحمة بين البشر والاعتراف بالفضل في مستوى العلاقة بين الآباء والأبناء، في التربية وغيرها: (" وبالوالدين إحسانا." الآية 23 الاسراء)، ("وقال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " الآية 19 النمل)، (" واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا" الآية 24 الاسراء)...

- الإقرار بمبدأ الطاعة والصبر وتقدير الفضل في مستوى علاقة التعلّم بين المعلم والمتعلّم و في تحصيل المعارف والمهارات والكسب عموما: (" هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، قال لا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا " ا؟لآية 66 الكهف)..(".قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69 الكهف)... (" ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا... " الآية 75 الكهف)، (" قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة.".. الآية 95 الكهف ") (" رب اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقه قولي واجعل لي وزيرا من أهلي..." الآية 24 -28 طه).

- الدعوة إلى الصفح والعفو والتسامح مع الآخرين:" وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم..." الآية 14 التغابن) والدعوة إلى السلم ونبذ العنف:(" فإن جنحوا إلى السلم فاجنح لها "(الآية61 الأنفال). لكن مع توخّي مبدأ الشدّة لا التشدّد في التعامل مع كل من يسعى إلى الإفساد في الأرض ويهدّد بالتالي إمكان العيش المشترك باعتراضه أو نكرانه لكمال المعرفة والقدرة الإلهية، ورفضه " المتعالي الإلهي " مبدأ للوحدة بين البشر من جهة الأصل وما ينتج عن ذلك من بسط ونفاذ الإرادة الإلهية في واقع البشر على وجوه عدة: تفاوت في القسمة بينهم، في الرزق، أو في العافية والمال وغير ذلك من" النعم " و الخيرات: (" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ..." الآية 32 الزخرف)، و(" والله فضل بعضكم على بعض في الرزق .." الآية 71 النحل)، (" يهب من يشاء إناثا ويهب من يشاء الذكور ويجعل من يشاء عقيما " الآية 50 الشورى).

لكن لا تأخذ هذه الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية للتعايش وبالتالي لإمكان تحقيق الاستخلاف (بوصفه مسؤولية الإنسان الكليّ) معناها الحقيقيّ وقيمتها، إلاّ في إطار مبدأ " الشهادة" بوصفها " اعترافا بالألوهية " لا إنكارا لها، أي" إيمانا " بالإله لا إلحادا فيه أو إشراكا له في الربوبية وبالتالي "إعلان الطاعة والامتثال والاستعداد لأداء " الأمانة " والاضطلاع بمسؤولية الاستخلاف في الأرض. (" وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا ..." الآية63 الفرقان)، " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من الغاوين " الآية 42 الحجر)، و (" أما من ظلم نفسه فسوف نعذّبه ثم يردّ إلى ربّه فيعذّبه عذابا نكرا" الآية 87 الكهف.). يفترض " الاستخلاف" في القرآن إذن الإقرار بوحدانية الإله على صعيد الاعتقاد والعمل على تجسيد هذا الإقرار بالفعل والعمل والكدح والجهد والمجاهدة وقبول الآخر والسعي إلى " التعايش والتآنس ورفض العنف. كلّ ذلك في حدود " وجود " محدث ومسار معيشي للإنسان له بداية ونهاية نصطلح عليه بالتاريخ.

***

عبد الوهاب البراهمي

في المثقف اليوم