تجديد وتنوير

نقد التراث الدينيَّ من شروط تجديد الإيمان وتوسعته (2)

إذا كانت مهمة المثقف الدينيَّ هي معرفة التراث ومقولاته وأدوات الاجتهاد فيه وألا يخدش الروح الإيمانية ويتعامل معها باحتقار ودونية ويقفز عليها بأسلوب متسرع وفج، فإن المهمة المقابلة التي تقع على عاتق المؤسسة الدينيّة ورجالها أنَّ يبرهنوا على إيمانهم ببراهين توازي متانة الالتزام المطلوب من المكلفين، ومعززًا بالانفتاح على مكتسبات العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة التي تكشف مناطق مهملة ومهمة في الاجتهاد، وتدخل التساؤلات الضرورية بخصوص الإنسان والمجتمع والتاريخ والمعنى.

ان القبول بالتراث الدينيّ من دون فحص وتفتيش وتحقيب تاريخي قبول مذموم، لأن هذا التراث ببيانه وعرفانه وبرهانه- بتعبير محمد عابد الجابري- نشأ بتموضعات زمنية لها ظروفها وثقافتها، بعبارة أخرى: نشأ تراثنا الدينيّ في التاريخ ولبس لباس اللغة التي تحمل هوية تاريخية، ومن ثَّم، فإن على الباحث والمفكر ان يلقي عن هذا التراث لباس التاريخ، ليكشف روح المعنى اللاتاريخي فيه، وهذا ما يمكن تسميته بالإيمان الجديد.

كمثال لذلك العقائد الإسلاميَّة هل نشأت جملة واحدة ناجزة وكاملة ونهائية أم صيغة على التدريج والترقي؟ ومن المسؤول عن هندسة العقائد الإسلاميَّة؟ وما أثر الجدل المذهبيّ والدينيّ مع الآخر في نشأتها وتطورها إلى القرن السابع الهجري؟.

وما علاقة العقائد باجتماع الناس؟ وكيف آلت العقائد إلى الجمود والتوقف عن النمو؟ وكيف تحول علم الكلام من أداة للحوار والسجال مع الآخر الدينيّ إلى علم معبأ بسجالات مذهبية ومدرسية شكلتها الأطر الثقافية والسياسية للجماعة الإسلامية الأولى، وعبرت بها عن نفسها واشتغلت على بسطها ونقلها إلى البلدان، وخلفتها ميراثا للأمم. وثمة عدد غير قليل من الأسئلة المهمة في نشأت العقائد وتطورها.

عندما تأتي وتكتشف ان عدد من الأمور الإيمانية فرضيات لم تنشأ بصيغة تأبيدية وفعل ناجز من لحظته، وإنما تبلورت واتخذت شكلها المحدد بفعل الواقع ودلالاته ماذا نصنع هل نرجع عقولنا إلى الله (بگريزها) ؟

ولذا ينبغي أن نعيد تراثنا الديني إلى معترك الحياة الاجتماعية ونخلع عنه جلباب التقليد والتقادم ونختبره بأسئلة العصر وقضاياه من غير حرج. فما الضير ان يتطور إيمان الناس كما جاز ذلك لأسلافهم؟

يقول السيد المرتضى (ت436هجري ): " ونقسم بالله تعالى على من تأمله ان لا يقلدنا في شيء من مذهبه أو أدلته ويحسن الظن بنا، فيلقي النظر والتصفح والتأمل تعويلًا على أنا قد كفيناه ذلك وأرحناه بما تكلفناه من تعبه ونصبه، بل ينظر في كل شيء نظر المستفتح المبتدئ1 ."

ونصّ السيد المرتضى يمكن أن نبني عليه فكرة التراكم والترميم في تحقيبات الفكر الدينيّ المفضي إلى التعويض. فالانتقال من زمن الاجتهادات القديمة وأدواتها المدرسية التي لبت متطلبات وجود الإنسان في تلك العصور إلى مرحلة المناهج الحديثة القائمة على إعادة النظر في مضامين الأدلة الدينية من الأساس ونقدها وتحليلها بعمق وامتحانها بالتساؤلات الضرورية التي تشتغل على تكشيف الانحرافات الأيديولوجية التي رافقت صناعة المعرفة الدينية وهندستها، يعدّ مرحلة مستمرة تقوم على القطيعة والاتصال. قطيعة مع الميت والمتيبس منها أو القاتل، واتصال مع النشط والمنشط فيها. وبذلك هي مرحلة امتدادية للاجتهادات القديمة المستنيرة وإنضاج لها، وليس قطيعة تامة معها كما سعت بعض الدراسات الحديثة التي لم تدخل معترك التراث بأحداثه وتفاصيله ومذاقاته بدقة، ولم تجوس في تجربته التي امتدت منذ الدعوة في عهودها الأولى وانتهاء بسقوط الخلافة العثمانية 1923م.

وقد شخص محمد أركون أن من كبوات العقل الإسلامي ولاهوته القروسطي أنه عاش قطيعتين ولا زال يعاني منهما حتى اليوم. القطيعة الأولى: داخلية، والثانية خارجية. لقد انقطع الفكر الإسلامي في المرحلة العثمانية عن أفضل ما أنتجه الفكر الإسلامي ذاته في القرون الهجرية الستة الأولى من تاريخ الإسلام (حتى وفاة ابن رشد). ومن المعلوم أن هذه المرحلة قد تميّزت- بالجملة- بالتعددية العقائدية، والنزعة الإنسانية الحرة، والكوسمبوليتية العرقية- الثقافية.. وكلها أشياء ساهمت في خصوبة الفترة الكلاسيكية وازدهارها، وكلها أشياء أُهملت، أو نُسيت تمامًا بعد دخول المرحلة السلجوقية أولًا ثم العثمانية ثانيًا.

وأما القطيعة الثانية فكانت مع الخارج، أي مع أوربا. فقد نام الفكر العربي- الإسلامي وجمد ولم يعد يعرف ماذا يحصل حوله من اكتشافات علمية وتطورات فلسفية. وهكذا تشكلت الحداثة المادية والفكرية بمنأى عنه2 .

وهذه الانتقالة (من الاجتهادات القديمة إلى المناهج الحديثة) شرطية في المعرفة الحديثة، وأعني أن المعرفة الحديثة لا تتم إلَّا بالنظر وإعادة النظر، والتحليل ونقد النقد، والانفصال والاتصال مرة أخرى. وهي حق مشروع لكل شخص بعد أن يتقن أدوات المعرفة.

والنظر والنقد ينبغي أن يدخل في عمق المباني والأصول والقبليات وتحقيبها ومواجهتها، لا كما يحاول أن يصور بعضهم أن النقد متوفر في الأوساط الدينيّة من خلال ما يتجاذبه الفقهاء أو طلاب المؤسسات الدينية في مباحثاتهم للفروع ونقاشهم لها، مع أنهم يشتركون ويجمعون على آلاف الفرضيات الإيمانية وتقديسها، من دون مراجعة لتموضعاتها التي لعبت دورًا فيها.

ومسيرة التحديث الديني لا ترى سلطة لأحد في تقرير العقائد والإيمان والهداية، فهذا الإمام محمد عبده (ت1905م) في معرض حديثه عن نفي القتال لأجل الاعتقاد يقول: " يقولون: ان لم يكن للخليفة ذلك السلطان الدينيّ أفلا يكون للقاضي أو المفتي أو شيخ الإسلام ؟ وأقول: ان الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنيَّة قررها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره3 ."

يقرَّ الفقهاء ان اجتهاداتهم قد يصيبها الخطأ والتقصير، ولا سيَّما في مسائل السياسة وقضايا المجتمع المعقدة، ولكن الدور الذي لعبته المقولات الكلامية وعلم أصول الفقه في تأصيل دور الفقيه ومساحة تداخلاته قد اضطلع بمهمة صناعة مخيال فعال ومحرك للعقل الديني وتاريخه دفع بتنحية هذا الإقرار، وتحويل نصوصهم وقناعاتهم إلى نصوص قانونية، وكل ما يقع خارجها جهالة وضلالًا.

نكمل تحليل ذلك- إن شاء الله- في الحلقة الثالثة.

***

أ. م. د. حيدر شوكان

جامعة بابل/ كلية العلوم الإسلاميَّة

.....................

الذخيرة في علم الكلام، تحقيق: أحمد الحسيني، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي، 1411هـ ، 607.

قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة،195- 196.

الإسلام والنصرانية، الطبعة الثالثة، القاهرة - ١٩٢٢م، ٥٩.

 

في المثقف اليوم