ترجمات أدبية

روج غلاس: حياة الحرية في عطلة الأسبوع

بقلم: روج غلاس

ترجمة: د. صالح الرزوق

في هذا الوقت من العام الماضي كنت أذوب. وبصعوبة أقنعت نفسي أن أنهض للعمل في صبيحة كل يوم. زواجي لم يكن صحيحا بكل المقاييس. وكل ما أردته هو توفير ثياب رسمية جيدة دون أن أخاف من التسعيرة المعلنة. ولكن في الوقت الراهن، كان المرتب الدسم الذي كاد أن يودي بحياة والدي، يختفي بطريقة ما ولا يصلني شيء منه. جزء يذهب لسداد أقساط السكن، وجزء آخر للفواتير، وخمس بوليصات مختلفة وضرورية للتأمين، والضرائب، وسيارتين، وإعانة:  وما تبقى يضيع على نبيذ مرتفع السعر مع أنني لا أحبه. وعلى وجبات في مطاعم لائحة الطعام فيها كلها باللغة الفرنسية.

قالت هيثر: لست نفسي منذ فترة - حتى أن هوايتي الوحيدة ليست من هواياتي السابقة. بحثت عن تذكار عسكري قديم، يعود للحربين الأولى والثانية على وجه الخصوص، وهي عادة ورثتها عن والدي. فقد كانت لديه مجموعة مقتنيات. كان يقول: إنها أفضل مخزن للذاكرة. ومع أنها ليست دائما مريحة للنفس، لكن كل الأشياء الثمينة نادرا ما تكون مدعاة للطمأنينة. إحداها كانت علبة سجائر عسكرية وعليها نقوش تؤكد أنها هدية لجندي قدمها صندوق تبرعات عيد الميلاد التابع للأميرة ماري في عام 1914. كنت أحتفظ بها في خزانة زجاجية خاصة ومغلقة. وكثيرا ما كانت هيثر تسأل: ماذا جرى للرجل الذي عشقته.  لا بأس. أنتم لا تنظرون لما يدور حولكم. الحياة أصبحت خانقة، تدريجيا. ننظر لشعاع واحد من الشمس على أنه يوم استوائي. وزخة مطر واحدة على أنها عاصفة.

ثم جرى أمران اثنان في أسبوع واحد: الأول أصبحت عاطلا عن العمل. نتيجة لسياسة الاقتصاد في الميزانية لمواجهة تحدي الظروف. وفي غضون شهر فقدت عملي. قالوا: لا يوجد أسباب شخصية، ولكن حينما زف رب العمل هذا النبأ كان صوته ينم عن العكس. الأمر الثاني أن غريني حصل من دبي على عقد عمل في مجال البناء  ومدته خمس سنوات. ولم يكن قادرا على الرفض. فلا أحد يأمل بعقد يصل لخمس سنوات في هذه الأيام الضيقة، أليس كذلك؟. والله يعلم لماذا كانوا بحاجة له، غير أنه ليس شخصا عالي المقام ليناقش. قال: الجو هناك  متوحش. أضاف: وبجدية تامة. شيوخ دبي الملاعين يتبرزون النقود.

وعلى ما يبدو أن خطة السفر للاستجمام كانت مطروحة أمام الجميع. حتى غريني، هذا الأير الغبي، كان قد صمم أن يخلد للسبات، بينما أنا محجوز هنا في مدينة باردة. وأخبرني أن سفره سيكون بصحبة شباب أيام زمان. سألته: إلى أين بالضبط؟. رد: غير مهم. ما الفرق؟. إلى أي حفرة في أوروبا الشرقية. سيكون برفقتنا سميث وفين أيضا. وحتى تومي. أذكر أنهم كانوا معا كل الوقت. وقد غابوا عن نظري منذ سنتين أو ربما ثلاثة، ربما أكثر. ولم يكن عندي أي سبب لعدم المشاركة، لذلك قلت: ومتى يمكننا السفر؟. نحن في تشرين الثاني وللتو تحررت من الارتباطات. رد غريني بلهجة سريعة:  سيكون مناسبا جدا أن نجتمع معا من جديد. وسبق لفين أن كان هناك، ويمكنه أن يدلنا على أفضل المنتجعات. وهو متأكد أن العصفورات هناك مغريات جدا- غير بدينات. وجائعات. ومستعدات لتقديم أي خدمة لقاء يورو واحد. وتوقعت أن هيثر ستشتكي من سفري بمفردي، ولكنها لم تفعل. قالت: اذهب واستمتع بوقتك. ولمعت على وجهها ابتسامة نادرا ما أراها. أضافت: لكن اجلب لي شيئا جميلا معك. ليكن صغيرا، وجذابا، من النوع المتوفر في تلك الأسواق..

قلت لها: لا علم لي بذلك، لكن سمعت أن هذا المكان الذي سنسافر إليه مليء بالمفاجآت. وتابعت حزم قمصاني الجيدة. كان فين بعرف النادي العجيب الذي لا يتقبل غير الأعضاء (إلا إذا كنت تبدو محملا بالنقود كالبغال)، وكان يقدم عرضا حيا فاضحا للسحاقيات في أجهزة تلفزيون معلقة في دورات المياه. وأخبرني في المطار قبل أن نغادر: ويمكن أن تفعل ما تشاء في الغرفة المجاورة وأنت تتغوط. وكان يتكلم كما لو أنه شيء عادي ولا يدعو للخجل. وعلمت أنه خطط مع تومي لهذه الرحلة منذ فترة.

وصلنا في صبيحة يوم الجمعة. وحجز لنا تومي في فندق رخيص (حسنا، رخيص بالنسبة لنا لكنه مرتفع التكلفة جدا بالنسبة للسكان المحليين). وشغلنا جناحا خاصا في بناء خلفي منفصل. لم يكن مذهلا، لكنه مثالي ويفي باحتياجاتنا. ألقينا أمتعتنا فيه، وهرعنا إلى البار مباشرة. ثم شربنا نخب حياة غريني الجديدة قبل حلول الظهيرة. شربنا كثيرا طيلة اليوم وتناولنا وجبة طعام واحدة، تتكون من شريحة لحم، وأخبرنا  الندل أن يتكلموا بالإنكليزية، ووقفنا على الكراسي خلال تقديم الأطباق المنوعة، وأنشدنا أهازيج عن كرة القدم بصوت يشبه ثغاء الماعز، وضبطنا الإيقاع وفق موسيقا شعبية تقليدية كان يعزفها بالغيتار فنان في المطعم. وشعرت أنني في الثامنة عشرة مجددا. ومحط الاهتمام. حتى نسيت نفسي. نسيت كل شيء. وأنشدت إلى أن اخشوشن وبح صوتي، وتجاهلت أرقام الأسعار المدونة في لائحة الطلبات، واشتريت المشروب لكل الحاضرين. ثم استلقيت على قارعة الطريق بعد الوجبة، وكانت نجمة الشمال تدور فوقي، وفكرت بمغازلة فتاة محلية، وعدم العودة إلى البيت. ولسوء الحظ أوشكت سيارة أن تمر من فوقي، فشتمنا السائق ونحن نهرب، ونعدو كالأطفال إلى الشارع التالي، وهكذا نسيت الفكرة الأخيرة. وعدت إلى صوابي. وفي هذا التوقيت جرنا فين إلى أحد النوادي القريبة.

ولم أدرك طبيعة النادي الا بعد أن طلبت المشروبات. فقد انتبهت لبنت عارية ترقص وهي متمسكة بعمود فوق منصة، وكعبا حذائها العاليان بمستوى نظري، وكانا يحتلان كل مجال رؤيتي وأنا أدفع النقود. انفجرت بالضحك. وبعد ذلك أصبح كل شيء مسليا ومدعاة للاسترخاء والمرح. وضحكت البنت التي على المنصة من شيء ما. قرعنا كؤوسنا بعضها ببعض، وبدأنا عطلة أسبوع مفتوحة وحرة، وسخرنا من تومي وهو يستمتع برقصة حضن فيما كان يغوص في كرسيه، وبيده كأس البيرة.  دفع فين وغريني لقاء رقصة أيضا، تؤديها نفس الراقصة، وكانت بحوالي الثامنة عشرة على ما أظن، ربما في التاسعة عشرة، ولكن كانت سيماؤها توحي أنها محترفة وولدت لترقص. ومن الواضح أنها كانت تفكر بشيء ما، ولم تشتكي إلا حينما تلمس فين مؤخرتها حينما كانت تهزها قرب أنفه، حتى أنها كادت أن تسمح بها وجهه. وبعد أن طردنا الحراس الساهرون على سلامة الراقصات، اتفقنا أنها هي المسؤولة عن تجرؤ فين عليها. فقد كانت خليعة بشكل فاضح. ولذلك تابعنا دون أي شعور بالندم. ولم نهتم بما حصل وجرينا وراء مشروب آخر. لماذا أنفقت سنوات طويلة من عمري مقيدا بالرزانة والاحترام الكاذب؟. ولماذا لم أبذر عطلاتي الأسبوعية بهذه الطريقة؟. تقدمنا غريني بخطوات منتظمة، وتبعه عن مسافة قريبة كل من تومي وفين، وفي المؤخرة كنت أجر خطواتي مع سميث. ولزم سميث الصمت معظم الوقت، ولم ينطق بكلمة واحدة إلا فيما ندر. ولكن حالما بدأنا نتخبط في ظلام الشارع الرئيسي همس يقول: هل تعرف ماذا أفضل؟ المداعبة الحقيقية. لا يوجد ما هو أجمل من مراقبة عيونهن وهي تلمع حينما تلاحظن أنك وضعت في سراويلهن مرتبا جنيته في أسبوع. ومهما حاولن التستر على ذلك لا تفلحن. في تلك الليلة سهرنا أكثر من سوانا، ندخن وندردش. قال سميث: أنا أشقى بعملي. وأعيش في ضاحية مضجرة. وأبحث عن أي لقمة لأعيش - حينما كنت ولدا أردت أن أكون سوبرمان، هل تفهمني؟ والآن لا يمكنني مشاهدة أبنائي دون إذن خطي. ولذلك إن أردت اللهو والمتعة، لن أندم على ذلك لاحقا. فأنا لا ألحق الضرر بأحد. ثم يا صاحبي البنات هنا.. داعرات. وتطلبن منك أردأ وأقذر الطلبات. وما يردن سماعه منك وأنت تفعل ذلك.. يدل أنهن تكرهن أنفسهن.

كشر. وأضاف: ولكن لتحل علي اللعنة.. كم يسرني هذا الاستهتار المكشوف.

استيقظنا في يوم السبت متأخرين، تناولنا طعامنا، وعدنا إلى البار والنادي. وفي المساء قادنا فين إلى ذلك النادي الفيتيشي - أقسم، لم أشاهد في حياتي مثله. وانتابني الشعور كأننا نزور كوكبا آخر. كوكبا بفرص حياة أفضل، يستحق أن تمضي وقتك فيه، حيث أن الشباب الذين على شاكلتنا يعيشون عيشة الملوك. ونعم قبل أن نغادر ذهبت إلى دورة المياه لأنعم بما فيها. ثم عدنا إلى الجناح وربطنا غريني على كرسي. عزفنا الموسيقا، وعرضنا المزيد من أفلام التعري على شاشة التلفزيون حريصين على كتم صوت العروض، وسكبنا في حلقه الكحول الرخيص والرديء. كانت بداية يوم السبت لا تختلف عن يوم الجمعة، ولكن كنا جميعا مخمورين من الليلة السابقة، التي تحولت إلى مصيبة عاجلة. ولم يتقدم أحد في الفندق بشكوى ضدنا. ولم نصدق هذا التسامح إلا بصعوبة. فقد ألقينا زجاجات البيرة من النافذة، وتبولنا على الرصيف، واشترينا الكوكائين من سائق سيارة أجرة تصادف وجوده في بهو الاستقبال، وكان يدعو نفسه باسم دايف (ولكن اسمه الحقيقي كان مختلفا - رادكو أو ما يشبه هذا اللفظ). كانت يشم رائحة النقود، وأخبرنا برقم هاتفه، وقطع على نفسه وعدا أنه سيحضر لنا كل شيء نريده، وفي الوقت الذي يلائمنا. ومن الواضح أن السكان المحليين بتوقعون هذه التصرفات من الزوار الأجانب. وقال تومي إن هذه المنطقة هي البقعة المثالية لعطلة أسبوع ماجنة، والحكومة لا تعترض بل تشجع، حتى أن موظفي الاستقبال مستعدون لتلبية رغبات الزوار ما دمت تدفع البقشيش. أضاف: يمكن أن تجربوهم. أنا لا أمزح. وتشكل عندي انطباع أنه لا يوجد هنا حدود للأخلاق، فهي مرنة تماما. في وقت لاحق تحدى غريني فين أن يسأل المسكينة التي تعمل في الاستعلامات كم تطلب لقاء خدمة جنسية دون نكاح، وأقسم بربي إنها فكرت بالموضوع وهي تقيس فين بنظراتها، صامتة، كأنها تحسب حساباتها الأخلاقية، وهل ستسامح نفسها لو وافقت. في وقت لاحق عدت أدراجي لأتحرش بها. قلت لها بلسان معوج: هو تحت تأثير المشروبات الروحية. لا شيء آخر. وآسف على ما بدر منه. فين يعمل في المحاماة. على وجه العموم هو مطلق. لكنه طيب. يمكنني أن أقدم لك بطاقته. إن كنت بحاجة له. وآخر شيء بقي في ذهني أنني خابرت دايف وسألته ماذا يقصد بأنه مستعد لتلبية كل طلباتنا. رد: ما قولك بزرافة؟ أو مهرج؟ أو جثة؟.  وفي النهاية أغلق الخط.

استيقظنا يوم الأحد متأخرين ورؤوسنا تترنح، ودفعنا الحساب، ثم تركنا الحقائب في الأمانات، واستلقينا خامدين على الكنبات في ردهة الاستقبال. بعد فترة، دخلنا في حوار حول أفضل السبل لقتل الوقت حتى موعد رحلة العودة في ساعة مبكرة من هذا المساء. قال سميث ساخرا: ماذا لو استمتعنا بقليل من الثقافة المحلية؟. وتذكرت أنه اختفى في الليلة السابقة في أحد نوادي الستربتيز، ولم يظهر إلا منذ حوالي ساعة خلت، وعلى وجهه  نظارة شمسية سوداء. قاطعه غريني قائلا: ألم تثقف نفسك بما فيه الكفاية؟. وانفجرت ضحكة داعرة نسفت رؤوسنا جميعا. ولم يكن لدى أحد منا أفكار أفضل، ولا كنا قادرين على تحمل المزيد من السم. وانتهى بنا الأمر إلى التسكع في المدينة، وكان تومي في المقدمة وبيده خريطة. ومن المؤكد كانت هناك كنيسة قديمة. وسوق. وقد أخبرتنا موظفة الاستقبال أنه "ممتاز". قال غريني: هذا موضع يمكن فيه لأي عبد فقير ومذنب أن يشتري هدايا لصديقته. وسمعنا تومي يسعل. ثم قال: كما لو أنه فيغاس... هل تفهمون يا شباب ماذا أقصد؟. هذه الخرابة لا تشبه العاهرة فيغاس...  ولحق بنا الضجر إلا غريني. وقال: هيا، قد نجد فيه كنزا. ولم يسعني أن أقرر إن كان يسخر. إنما لا بد أنه سيسرني أن أجد نفسي في مدينة أوروبية غريبة وفي نهاية إسبوع ما، ولدي عدة ساعات إضافية تكفي لاكتشاف محاسنها، ولذلك قلت له: حسنا، لتحل على هذا السوق اللعنة. هيا بنا..

بعد جولتين بائستين والكثير من التنقل بين الشوارع، وصلنا إلى الكنيسة، وكانت بالفعل مذهلة. قرأنا تحت مدخل قوطي عريض رسالة مترجمة إلى الإنكليزية ومنقوشة على لافتة معلقة بمحاذاة الباب. مع ذلك معظم الكلمات كانت ناقصة ويتخللها حروف مفقودة، ولكن بمقدورك أن تخمن المعنى. وهو: هذه الأبنية موصولة بعضها ببعض، بفضل الإنفاق بسخاء، وبفضل الإخلاص بالعمل الذي تطوع به أشخاص من كافة أرجاء العالم، وذلك للاحتفال بتحرير هذه الأمة العريقة من الإمبراطورية العثمانية، في نهاية القرن التاسع عشر. ولم يفكر العمال وهم يضعون، طوبة فوق طوبة، وحجرة على حجرة، أن هذا المكان سيحكمه أجنبي. ولم يخالجهم الشك أنهم مسؤولون أمام الأجيال القادمة عن الأخطاء وبالمثل عن الأمجاد والإنجازات. وكان البناء يحدوه أمل عميق بالقرن القادم والاحتمالات المرافقة له. تراجعت خطوة إلى الخلف لهضم صورة المبنى كله، لكن كان دماغي يترنح تحت مفعول كوكتيل كحول الليلة الماضية. البيرة التي بدأنا بها. والجرعات القوية التي ختمنا بها ليلتنا. وبالنهاية التقطت صورة بهاتفي لتراها هيثر بعد العودة إلى الديار.

وقررنا أن ندخل و نأخذ نظرة. وفي الظلمات الكثيفة للبناء القديم كانت الأصداء تتردد. وتملكنا الإحساس الملائكي أننا في أحد بيوت العبادة التي تنتشر في أوروبا الشرقية - بيت مر بسلام رغم الجرائم الدموية التي لم تتوفر الفرصة لأحد ليذيعها ويتكلم عنها. على يميننا شاهدنا قسا بملامح باكية وله لحية سوداء طويلة ويرتدي ثوبا أسود، وكان يبدو كأنه ضل طريقه هنا، وانضم لقافلة من الضائعين، القادمين من قرن آخر. ثم تأرجح أمام شموع رفيعة وطويلة، وهو يتلو شيئا بصوت خافت، وكان دليل سياحي يروي تاريخ المدينة لمجموعة من السائحين الذين اهتموا بالتقاط صور سريعة لزجاج النوافذ الملون خلال ثرثرته. وقفت في وسط الصالة، ونظرت إلى الأعلى نحو النور الساطع، وتصورت كيف كان حال البنائين، وهم يضيفون بجد ورأس مرفوع اللمسات الأخيرة للسقف. وشعرت بالرغبة للحصول على إجازة من العمل والإقامة هنا لبعض الوقت. ولربما ترافقني هيثر. هل ستكون متفهمة لأسبابي إن أخبرتها بهذه الخطة عن أيامي المقبلة؟. وعن أحاسيسي وأنا أقف في وسط الصالة ونظري معلق بالأعالي؟ ولكن فجأة داهمني الدوار المترافق مع الغثيان والتعب.

بعد الانضمام إلى جماعة الأصدقاء خارج الكنيسة لاحظت وجود سوق أمامنا. كان متواضعا، وقوامه مجرد عشرين أو ثلاثين طاولة صغيرة مصفوفة على طرفي ممر في الوسط. ولكنه كان يشبه الجنة. ناداني فين الواقف عند أول طاولة، لأرى تحفة رغب بشرائها. ورفع بيده ساعة جيب رقيقة وممتازة ومربوطة بسلسلة. قلت له: رائعة. هل أنت متأكد أنها ليست مزيفة؟ رد فين يقول: إنها كما تراها يا رجل. وأنت أعلم بطبيعة هذا السوق. وشعرت أنني فهمت قصده. وبعد القليل من المراوغة حول السعر، اشترى الساعة، وتبادل الكلام مع البائع لبعض الوقت. كان قد غلبه الفضول. وأراد أن يعرف عمر هذا السوق. وهل كان مزدحما في صبيحة يومنا هذا. وكم مضى عليه بالحياة هنا. وبدا على فين ملامح سائح مهتم ومحترم. مع أنه كان خليعا ومستهترا خلال تناول الغداء في يوم الجمعة. فقد أعلن لنا أنه لن يغادر هذه الحفرة القذرة قبل أن يلمس صدر امرأة محلية ويستمتع بها. وفي الطاولة المجاورة رأينا مجموعة من السكاكين المعروضة بصفوف متتالية، وتتراوح نصالها من طول سبابتي إلى طول ذراعي. ومعظمها كانت مثلومة، وبينها سكينة واحدة براقة بحالة جيدة. حين رآني سميث أنظر لها قال: ماذا يعجبك بها؟ ويبدو لي أنها لم تستعمل. وكانت محفوظة في خزانة زجاجية للعرض فقط. وبجانب هذه السكينة أخرى أصغر منها، ولكن يبدو أنها غير قادرة على قطع حبة بندورة. أضاف سميث: انظر هناك. سكين عسكرية. أتساءل كم عدد الأشخاص الذين ماتوا بها. واقتربت لفحص السلاح الصغير. ووجدت صعوبة في الإيمان أنه خطير. ومن جهة القبضة، في الوسط تماما، بقعة داكنة بالمقارنة مع بقية الأجزاء الرمادية الباهتة التي أحاطت بها. وتبادر لذهني: يمكنني أن أرى رمزا هنا. ولكن محاه توالي السنين. وربما يد الرجل الذي كان يحملها.

أما الطاولة الثالثة فقد كانت نسخة أفضل من أول اثنتين. فقد عرضت السكاكين ولكن مع غيرها من التحف أيضا. وكومة من الصور المكدسة على الطاولة، دون تنظيم. قال البائع وهو يشير لها: إنها جيدة. جيدة. انظر. حملت بيدي رزمة، وفتشت بين سلسلة صور بالأبيض والأسود. وكانت بشكل أساسي لعائلات أرستقراطية، ومنها بطاقات بريدية عليها كتابات، وبعض الصور الرسمية لمسؤولين في الدولة، تعود إلى الثلاثينات، ومن بينها صورة لأدولف هتلر. وكان هذا مدعاة للغرابة. وقد وقف فيها أمام خلفية سوداء، كما لو أنه في استوديو أعد خصيصا لالتقاط هذه الصورة. شاهدت من قبل صورا قبيحة وجنونية وشريرة لهذا الرجل - لكنه في هذه المرة كان أشبه بفائز بهي الطلعة. تركت اللفافة. وفي مؤخرة الطاولة مجموعة من الثياب العسكرية المعلقة على قضيب معدني، ومنشؤها عدة بلدان في أوروبا، وتعود لعدة عصور. وبعض هذه الملابس كانت كاملة، وبعضها مجرد سراويل مهترئة، أو خوذات قذرة. وبدأت أفكر: لن أجد تذكارا لأجل هيثر في هذه النفايات.

وفي مقدمة هذه الطاولة، وبين مجموعتين متواضعتين من الشموع، لفت انتباهي دورق فضي براق، كان أجمل من أي دورق في المجموعة التي أمتلكها. كانت الحلقات الأولمبية الخمسة منقوشة على جانبها، وتحتها عبارة تقول: برلين 1936. وفي الأسفل دائرة  رمادية داكنة وضمنها صليب هتلر. لم أشاهد مثيلا له قبل الآن، وكان بحالة ممتازة. هل يمكنني شراؤه؟ وهل بمقدوري إخراجه من هذا البلد؟ وماذا لو لاحظه أمن المطار؟ هل سيقتنع أنني جامع للتحف؟ وماذا لو أودعوني السجن؟ قال البائع: هذا للبيع وبسعر معقول. لك فقط. فقد لاحظ اهتمامي به. سألته: من أين حصلت على هذه الأشياء؟ قال: أستراليا. رأيتها في السوق. هل تريدها للذكرى، أليس كذلك؟ لكنها نازية بالأصل. عمرها سبعون عاما!. وتابع كلامه، ولكن لم أصرف عيني عن الدورق، متسائلا عن مالكه الأصلي، وكم احتفظ به، وكيف تصادف وصوله إلى هنا، والآن، هو بانتظار أن أقتنيه أنا. وربما لم يكن مستعملا. ولعله كان مجرد قطعة للديكور، مثل السكينة. أو لعله أهم مقتنيات عسكري كان بحاجة لبعض التشجيع، قبل أن يشارك بالمعركة. اقتربت من البائع وتأملته، واقتنعت أنه دون أي فكرة عن قيمته.  

ونسيت البقية، وحينما جلت بنظري فيما حولي، شاهدتهم يتفحصون طاولات مختلفة، ويتأملون أشياء غريبة عن مقربة مثلي. كان فين وسميث يتحريان عن مواد تعود للعهد الشيوعي. وكان غريني وتومي بالجوار ينظران لبعض القطع النقدية، وبارودتين أو ثلاثة من النمط القديم، ولوجه أبوي مبتسم آخر - في هذه المرة كان ستالبن، كأنه في بيته، كانت بقايا كل نظام ميت استعمر هذا البلد وجفف ينابيعه موجودة هنا في السوق. الجميع منذ تاريخ بناء هذه الكنيسة. ولكن أيضا توجد علامات على طغاة من أماكن مختلفة. وبين النازيين والشيوعيين حزمة من النقود القديمة التي انتهت من التداول، وتحمل صورة صدام حسين بنظرة ثاقبة إلى أفق بعيد. وكانت السعادة تفيض على البائع وهو يبيع خوذة نازية أو وساما شيوعيا أو ورقة نقود من العراق.  دون أي تمييز بين بلد أو زعيم. الجميع سواء. قاذورات وحسب. طاولة أخرى باعت مزيجا من الدمى الروسية الصغيرة. وبجوارها صور لقادة سياسيين منهم توني بلير وغوردون براون، وكلاهما مطبوع على خلفية علم اتحادي، وهو يكشر ببلادة، مثل هتلر وصدام تماما. كان الجميع بنفس القدر مبتهجين بهذه الرفقة. وفي تلك اللحظة، وأنا أنظر بهذه الزبالة، أصبحت متأكدا من مشاعري. ذهبت إلى الخلف، واقتنيت الدورق، وحرصت أن لا ينتبه الآخرون لي، وأنا أدفع النقود القليلة التي طلبها البائع. ثم أودعت هذا الشيء عميقا في جيب سترتي، ووضعت يدي بحرص عليه من الخارج. وكان ملمسه باردا.

نظرت إلى الكنيسة ونحن الخمسة ننصرف عن السوق ونبتعد. وكانت تبدو كأن أحدا لم ينظفها منذ سنوات. وكانت كل المنطقة تبدو على النحو التالي - مثل شخص هم بتحسينها خلال عقد من الزمان أو أكثر، ولكنه لم يجد الوقت أو الإمكانيات لتمويل مشروعه. وعلى سلالم الكنيسة، وقفت نساء بوجوه تشبه المناديل المطوية، كن يبعن ورودا مفردة نصف ميتة لسائح عجيب يدعو للشفقة. وكلما رفض وردة تكتفي المرأة بطلب هبة مالية وحسب.  وبعد أن ابتعدنا عن المكان وغاب عن أنظارنا، قال تومي لسميث: ما قولك بذلك؟ وأدهشنا سميث، فقد بصق وقال: هذا يدعو للقرف. عليهم أن يخجلوا من أنفسهم.

وجر بقية المساء نفسه. ولحق التعب بنا كلنا، فذهبنا إلى فندق قريب، وشاهدنا مباراة كرة قدم - في كل مكان تجد مباريات إنكليزية، حتى البائس منها. وأنفق تومي دهرا على الهاتف يكلم خطيبته، وذهب سميث ليتقيأ، وقال غريني:إنه جاهز للعودة إلى الديار. وكان سيغادر إلى دبي بغضون خمسة أيام، وأمامه أشياء كثيرة يجب تسويتها. واحتفظت بارتداء سترتي طوال الأمسبة، ونسيت شراء هدية لهيثر، ولم أفرط بالرمز التاريخي الصغير. واحتفظت به حتى الأسبوع الماضي. فإثنا عشر شهرا من البطالة سددت لي ضربة قاضية. وتوجب علي بيع المجموعة كلها. كان هناك سوق سوداء كبيرة. وتمكنت من بيع الدورق إلى تاجر من جنوب إفريقيا، ودفعت النقود لقاء رحلة ذهاب وعودة إلى دبي. كان غريني يعيش  في شقة مريحة، تشرف على ماء الخليج وعلى ناطحات سحاب متعددة الألوان وممدودة لمسافة بعيدة. وكان ينفق وقته جالسا فيها كالصنم أو الطود المتحجر. قلت له: علي أن أفكر الآن بمستقبلي. وعاجلا سأعود إلى الديار وأبدأ من الصفر. وأعيش نظيفا. وباستقامة.

قال: لكن لا يزال لديك عدة ساعات.

وأسرعنا بالخروج لاكتشاف ماذا يوجد في هذه البلدة.

***

.........................

روج غلاس  Rodge Glass : روائي وأكاديمي اسكوتلاندي. يعيش في غلاسكو ويعمل بتدريس فنون الكتابة في جامعة ستراثكلايد. يدير مؤتمر ألاسدير غراي الدولي السنوي. أشرف على إعداد وتحرير عدة مختارات قصصية من الأدب الإسكوتلاندي الحديث والمعاصر. من أهم أعماله: هات لي رأس رايان غيغز، أمل للمولودين حديثا، بدون ألعاب نارية. وهذه القصة من مجموعته "حب وجنس وترحال وموسيقا"/ والترجمة بالتنسيق معه.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5861 المصادف: 2022-09-22 01:54:51


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5865 المصادف: الاثنين 26 - 09 - 2022م