ترجمات أدبية

لويز غليك: حياة قروية

بقلم: لويز غليك

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

حياة قروية

الموت والشك اللذان ينتظرانني

مثلما ينتظران كل الناس،

الظلال التي تخمنني

فتحطيم كائن بشري يمكن ان يستغرق وقتا،

عنصر التشويق ينبغي المحافظة عليه—

في ايام الآحاد آخذ كلب جارتي للنزهة

كي تتمكن من الذهاب الى الكنيسة لتصلي من اجل امها المريضة.

ينتظرني الكلب في المدخل.

صيفا وشتاء نتنزه على الطريق نفسه،

في الصباح الباكر، في اسفل الجرف.

احيانا يبتعد الكلب عني- للحظة او لحظتين،

لا استطيع ان اراه خلف بعض الأشجار. انه مزهو بذلك،

هذه الحيلة يمارسها بين حين وآخر، ويتخلى عنها مرة أخرى

متفضلا عليّ -

بعد ذلك اعود الى منزلي كي اجمع حطبا.

احتفظ في ذهني بصور من كل نزهة:

النعناع ينمو على جانب الطريق؛

في اوائل الربيع، يطارد الكلب الفئران الرمادية الصغيرة

لذلك يبدو ممكنا لوهلة

ان لا نفكر بتماسك الجسد في ضعفه،

بعلاقة الجسد الكمية بتحول الفراغ،

والصلوات تصبح صلوات من اجل الموتى.

منتصف النهار، توقفت اجراس الكنيسة. ضوء مفرط:

لا يزال الضباب يغلف الحقل، لئلا تستطيع ان ترى

الجبل على مسافة بعيدة، يكسوه الثلج والجليد.

حين يظهر ثانية، تعتقد جارتي ان دعواتها تستجاب.

ثمة كثير من الضوء مما يجعلها غير قادرة على السيطرة على سعادتها -

عليها ان تتفجر لغة. تصرخ قائلة: مرحبا،

وكأن ذلك افضل ترجمة لها.

انها تؤمن بالعذراء بنفس الطريقة التي اؤمن بها بالجبل،

ولو انه في حالة واحدة الضباب لا ينقشع ابدا.

الا ان كل شخص يخزن أمله في مكان مختلف.

أحضّر حسائي، اصب قدح نبيذي.

انني متوترة مثل طفل مشرف على المراهقة.

قريبا ستحسم حقيقتك على نحو مؤكد،

شيئا واحدا، فتى ام فتاة. ليس الأثنين بعد الآن.

ويتفكر الطفل: اريد ان ادلو بدلوي فيما يحدث.

ولكن الطفل ليس لديه دلو البتة.

حين كنت طفلة لم اتنبأ بهذا.

فيما بعد، الشمس تغرب، الظلال تتجمع،

الشجيرات الواطئة تصدر حفيفا كأنها حيوانات استيقظت توا لتبدأ ليلتها.

في الداخل، ثمة ضوء النار فقط. يخبو ببطء؛

الآن اثقل قطعة حطب فقط ما زالت

تومض بين رفوف الآلات الموسيقية.

اسمع الموسيقى تنساب منها احيانا

حتى وهي في صناديقها المقفلة.

حين كنت طيرا، كنت اعتقد انني سأصبح انسانا.

ذلك كان الفلوت. والبوق يجيب.

حين كنت انسانا، صرخت كي اكون طيرا.

بعد ذلك تتلاشى الموسيقى. والسر الذي تودعه فيّ

يتلاشى ايضا.

من النافذة، يتدلى القمر فوق الأرض،

عديم المعنى لكنه ممتلئ بالرسائل.

انه ميت، لقد كان ميتا دائما،

لكنه يتظاهر بكونه شيئا آخر،

محترقا مثل نجم، وعلى نحو مقنع، فتشعر احيانا

ان بامكانه فعلا ان يجعل شيئا ينبت فوق الأرض.

فلو كان ثمة صورة للروح، فأظن انها تلك.

اتنقل عبر الظلام كأنه امر طبيعي عندي،

كأنني كنت من قبل عنصرا فيه.

هادئا وساكنا يبزغ النهار.

في يوم اقامة السوق اذهب الى السوق بخـَسـّي.

***

.....................................................

لويز غليك (1943-2023): شاعرة أميركية من مواليد مدينة نيويورك. تلقت تعليمها في كلية سارة لورنس وجامعة كولومبيا. شغلت منصب شاعر الولايات المتحدة للفترة 2003-2004 ونالت أعمالها جوائز عديدة توجت بفوزها بجائزة نوبل لعام 2020. من عناوين مجموعاتها الشعرية: منزل الهور (1975)؛ انتصار أخيل (1990)؛ السوسنة البرية (1992)؛ الحياة الجديدة (1999)؛ بوابة العالم السفلي (2006)؛ حياة قروية (2009).. نترجم قصيدتها هنا بمناسبة رحيلها عن عالمنا في 13 من الشهر الجاري.

في نصوص اليوم