بأقلامهم (حول منجزه)

بثنية بوقرة: مفهوم المثقف في كتاب إشكاليات التجديد لماجد الغرباوي

boutheina bouguerraمنذ سقوط بغداد على يد التتار وما زالت الثقافة العربية في سبات كسبات أهل الكهف بعد أن فقدت قدرتها على التأثير في الثقافة العالمية منذ عهد طويل، فلم تعد في أعين العالم سوى منطقة استهلاك لنتاج الآخرين وعبئا يعيق التقدم الكوني، لذلك رموها بالتخلف والجمود.

لقد بات من الضروري التخلّص من براثن وسلبيات الوضع الثقافي الموروث الجامد، ومواصلة التجديد، باعتباره ضرورة لا ترفا، وحاجة لا غنى عنها لضخ دماء جديدة في شرايين الثقافة العربية كي تصحو من غفوتها الطويلة وتصبح فاعلة ومؤثرة في الثقافة العالمية.

في هذا الإطار يجب التمييز بين أسلمة الحداثة، التي تعني إضفاء صبغة إسلامية على مفاهيم مستوردة،يراد استنباتها داخل المجتمع الاسلامي، فأنتجت واقعا مشوّها، غير متجانس مع خصوصيته. وبين تحديث الإسلام الذي يعني فهم الدين فهما عميقا وتطويعه لخدمة الواقع كي يتماشى مع الظروف الزمانية والمكانية. فالتجديد المنشود هو تحديث الإسلام لا أسلمة الحداثة. يقول الاستاذ ماجد الغرباوي في كتابه إشكاليات التجديد: "عندما نريد النهوض علينا مراجعة ثقافتنا وتحليل مكوناتها كي تنبثق من داخل بيئتنا وتنسجم مع ما نحققه من تطور علمي وتكنولوجي، بهذه  الحالة فقط يتحقق الانسجام الأخلاقي بين المنجز العلمي وقيم المجتمع"(1).

ويجب التأكيد أن التجديد ليس حلما صعب المنال، بل ممكنا وسيغدو حقيقة واقعية بعد خوض معارك طاحنة لا مفر من خوضها ضد من يمثل عائقا أمام صحوة الثقافة الإسلامية

في هذا الإطار، جاء كتاب "إشكاليات التجديد" للأستاذ ماجد الغرباوي ليقدّم فهما جديدا لمجموعة مفاهيم ترتبط ارتباطا عضويا بمسألة التجديد ومستقبل الثقافة الإسلامية. حيث عالج ضمن هذه المفاهيم وضع المثقف الإسلامي في ظل واقع يتسم بالاستبداد وكثرة التحديات. وسأحاول في ضوء هذا الكتاب استعراض جملة قضايا طرحها مؤلفه من خلال أربعة نقاط مهمة وهي كالآتي:

1- تحديد مفهوم المثقف.

2-  ضبط الأدوات الثقافية.

3- تحليل الواقع.

4- رسم ملامح الواقع المنشود.

أولاً: تحديد مفهوم المثقف

النقطة الأولى تتعلق بتحديد مفهوم المثقف. حيث أن الإجابة عنه ليس أمرا هينا، وذلك لعدم وجود تعريف واحد ودقيق للمثقف متفق عليه، لذلك جنح الأستاذ الغرباوي عن تعريفه لضبط معاييره المتمثلة بثلاث نقاط وهي: اكتساب المعرفة الضرورية، والتمتع بالوعي الكافي، والتسلح بجرأة الموقف، يقول المؤلف: "من خلال السياق التاريخي لنشأة مصطلح (المثقف) وما يختزنه من دلالات يتضح أن مفهوم المثقف يتكون من ثلاثة عناصر (معرفة، وعي، موقف) تتشابك فيما بينها لتصوغ شخصيته، وعندما يتخلف أحدها يفقد المفهوم صدقيته، ويبقى إطلاقه على بعض الناس من باب المجاز، لتخلف الإطلاق  الحقيقي عن شرطه الموجب لتحققه وانطباقه على موضوعه".(2).

وبناء على هذه المعايير، يمكن التمييز بين المثقف وغير المثقف، أو إن صح التعبير "أشباه المثقفين".  وهناك عدة تصنيفات، بالنسبة للتصنيف الأول بالاعتماد على معيار علاقة المثقف العربي بالثقافات المختلفة، حيث يمكننا أن نميّز بين المثقف المنبهر بالثقافة الغربية لدرجة التنكر لمنبته العربي الإسلامي. وبعبارة أخرى، ما تنتابه حالة الانصهار والذوبان في الثقافة الغربية دون مراعاة خصوصية المجتمع الإسلامي، إذ يصف الكاتب حالة هذا الصنف من المتغربين بقوله: "اجتاحه شعور الانبهار بالغرب وحضارته حد الاستلاب والدونية، شعور أفضى به إلى كراهية الذات واحتقارها، بعد اتهامها بالعجز والتخلف والانحطاط. وقد مثلت شريحة واسعة من المثقفين هذا الاتجاه ودعت إلى تبني قيم الغرب والذوبان فيه. وهو توجه خطير يكرّس التبعية المطلقة، ويعمّق الشك بالقدرة على تجاوز المحنة ومعالجة أسباب تخلفها، لاسيما عندما يصطدم الفرد برفض الآخر فإنه سيعيش حالة من الاغتراب يصعب معها الاندماج الكلي أو التراجع الفعلي كما بالنسبة للجاليات المقيمة في الغرب" (3).

يقابل هذا الصنف من الناس صنف آخر يشبهه في تطرفه، وهو المثقف، الأحادي الثقافة، المنغلق على خصوصيته، والرافض لكل ما هو مغاير وجديد، يفضّل الجمود الثقافي على التنافس المثمر مع الثقافات الأخرى. وهذه حالة سلبية مرفوضة، إذ "يُفترض – كما يقول مؤلف الكتاب - أن لا يكون المثقف أحادي الثقافة، لا يرى إلا بعين واحدة، يقرأ من خلالها الأشياء، ويقيّم في ضوئها الواقع، فينحجب عنه الوجه الآخر من الحقيقة وتختلط لديه الأوراق حد الرفض لأي فكر يتقاطع مع رؤيته".

ويضيف: "الثقافة الأحادية يمكن أن تكون أشد خطر على الإنسان من الجهل، لأن الأخير سرعان ما ينقشع بالتعلم والمعرفة، في حين يكون الأول محجوبا عن رؤية التزوير والخطأ في الوسط الاجتماعي، وربما يكرس الخطأ لاعتقاده بصوابه ويدافع عن الباطل لأنه حق في نظره، وهذا الصنف من الناس أول من يشهر سيفه بوجه المشاريع الإصلاحية"  (4).

فكلا هذين الصنفين لا يقدمان إضافة للثقافة الإسلامية وإنما يسعيان إلى ترسيخ الركود الثقافي، لكن على خلافهما يوجد صنف معتدل وهو المثقف الذي يحافظ على الثقافة الإسلامية لدرجة حماية خصوصيتها وينفتح في نفس الوقت على الحضارات المختلفة للإثراء والتقدم والانفتاح.

أما بالنسبة للتصنيف الثاني بالاعتماد على معيار الجهة التي يمثلها المثقف، فهناك المثقف النخبوي المنعزل في برجه، الذي لا يمثل إلا الفئة النخبوية التي لا علاقة لها بمشاكل العامة. كذلك هناك مثقف السلطة الحاكمة، الذي يبرر ويشرعن أفعال الحاكم، حيث يصف المؤلف مثقف السلطة في كتابه: "عمله تسويغ ممارسات السلطان، وإن اقتضى ذلك تزييف الحقائق أو استخدام وسائل غير مشروعة، فهو إنسان مهزوم في داخله وأسير للإرادة السلطانية". (5).

 فهذان الصنفان مضران بالمجتمع العربي الإسلامي ولا يتميزان بالأمانة والجرأة اللازمة في التعبير عن مشاكل المجتمع، وهي السمات التي يتمتع بها مثقف الشعب، أو ما اصطلح الأستاذ ماجد الغرباوي عليه بـ "المثقف الرسالي" الذي يحمل هموم الشعب ويدافع عنها بشجاعة. ومن الصنف الأخير يمكن ذكر مثقفين كانوا منارة للحق وشوكة في وجه الظلم والاستبداد كالإمام جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني والإمام الشهيد محمد باقر الصدر والسيد الكواكبي...

ولقد ساق الأستاذ ماجد الغرباوي ملاحظة جميلة تقول: بأن صفة المثقف الرسالي ليست حكرا على أشخاص معينين تنتهي مهمتهم بوفاتهم إنما هي مشروع مستمر يمكن تمثله إذا ما توفرت شروطه.

 

ثانياً: ضبط الأدوات الثقافية

النقطة الثانية تتعلق بالأدوات والتقنيات التي يعتمدها المثقف في إحياء الثقافة الإسلامية وكيفية تجديدها لتكون فاعلة، فيقول الغرباوي في هذا الصدد: "المقصود بالتجديد تحديث أدوات التفكير عبر مناهج ونظريات حديثة لإعادة النظر بجميع اليقينيات والمقولات الأساسية من أجل فهم جديد للدين ومقاصده وغاياته ومبادئه ومعارفه في ضوء تطور وعي الإنسان وقدراته العلمية والمادية، استجابة لتطورات العصر ومقتضياته، ومعرفة حدود الدين والمائز بينه وبين الفكر الديني، والتفريق بين الإلهي والبشري أو بين المقدس والمدنس"   (6)، ويؤكد الكاتب على الأسلوب النقدي، حيث يقول: "فمن يروم التجديد عليه ممارسة النقد بأقصى مدياته، فلم يعد التمسك بالعادات والتقاليد والتشبث بالماضي خيارا مقبولا"(7). لكل ما هو وضعي وذلك بتشخيص نقاط القوة والضعف، وبالتالي التخلي عن أسلوب المسلمات الذي يعني التقبل البديهي لجميع الموروث الإسلامي دون إعمال العقل ودون مساءلة ومناقشة لمدى تجاوبه مع المشاكل الحالية لواقع المجتمع الإسلامي والوقوف على ظاهر النصوص المقدسة دون الغوص في بواطنها، "وعدة هذا اللون من الفهم - كما يقول المؤلف- ظواهر نصوص مقدسة ارتكزوا إلى إطلاقاتها بعد تجريدها من تاريخيتها لعدم إدراك ظروفها ومقاصدها وغاياتها وقياسهم الحاضر على الغائب رغم اختلاف تفصيلاته. فالحكم الشرعي بنظرهم يبقى فعليا رغم تبّدل ظروف موضوعه والأسباب الموجبة له" (8).

وكذلك ضرورة التمييز بين ما هو مقدس الذي يتجسد في القرآن وما صح من السيرة النبوية الذي يجب الالتزام بهما، وبين ما هو غير مقدس بمعنى أنه نتاج عمل بشري على غرار الاجتهادات الفقهية فهي قابلة للمناقشة وحتى للدحض. وهذا ما يجعلنا نتجاوز ما وقع فيه السلف من خطأ شرح الشروح واجترار ما وقع دراسته خوفا من الخروج عن ما هو موجود ومألوف.

بالإضافة إلى الأسلوب النقدي، يجب على المثقف أن يعتمد أسلوبا تحليليا بمعنى أنه ينطلق من الواقع فيحلل المشكلة من جميع جوانبها فيتمثلها جيدا ثم يعرضها على النص القرآني فيحاوره ويساءله حتى يجد لها حلا، ثم باستخلاص الحل يعود للواقع ويطبقه على المشكل المطروح، بهذا يكون القرآن صالحا لكل زمان ومكان.

إن محاورة القرآن ليست ممنوعة، وذلك بدليل أن القرآن في حد ذاته دعا إلى إعمال العقل في تدبر آياته، وهذا ما ذهب الأستاذ ماجد الغرباوي إلى تبينه بقوله" ولا أخال العملية ممتنعة أو غير ممكنة وإنما أُدخلت دائرة الممنوع عنوة وفق مقاييس غير علمية أو إيديولوجية تذهب إلى اختزال الشخصية الإسلامية إلى أداة معوقة لا تجيد إلا الإصغاء والاستماع ومن ثم التسليم والانقياد للغير بداعي الجهل والعجز عن كشف مضامين الآيات أو ربما تحويل القرآن المبين إلى ألغاز محيرة يصعب درك مداليلها أو التكهن بمفاداتها، ليتحول القرآن حينها إلى كتاب سماوي يناقض أهدافه وغاياته".

 

ثالثاً: تحليل الواقع

أما بالنسبة للنقطة الثالثة، فهي تتعلق بالواقع الموجود، حيث أن المثقف يعيش في واقع إسلامي رغم ترامي رقعته الجغرافية إلا أنه أضيق من أن يمثل شاطئا ترسو عليه أفكار تجددية وتحررية وذلك لأنه واقع مليء بالمغالطات وتسوده الأسطورة والخرافات والأوهام. وهذه الظروف تكون عادة ملائمة لعشعشة الاستبداد واستفحاله، فينتج عنها فهم خاطئ، يعتبر أية عملية تجديد بمثابة  تجرؤ على ما هو مألوف وبدعة ضالة، تستوجب أشد أنواع العقاب والقصاص. ويشهد التاريخ على فظاعة وشناعة الوسائل التي اعتمدها رموز الاستبداد في مواجهة رموز الإصلاح(9). ويفسّر هذه القسوة في التصدي للمثقفين بتخوف المستبدين من انتشار العلم المبني على المنطق التي هي وظيفة المثقف الذي ينير الرأي العام ويدفعه نحو المطالبة بحقه في مساءلة من يجرم في حقه، وبالتالي بدا للمستبد من الضروري إخماد صوت المثقف لأن بإخماده إخماد لصوت الحق وبالتالي المحافظة على مصالحه الشخصية الضيقة المبنية عل الباطل.

ولكن ما غفل عنه المستبد هو  أن هذا الإخماد لا يطال سوى الجسد في حين يبقى المشروع الإصلاحي حيا لا يمكن أبدا اغتياله، لذلك مهما صمد تعنت المستبد، مصيره أن يندثر فاسحا المجال لتطبيق ما ناشد المصلحون بتطبيقه.

 

رابعاً: رسم ملامح الواقع المنشود

أخيرا النقطة الرابعة تتعلق برسم ملامح الواقع المنشود، وهو ما يطمح له التجديد في نظر المثقف الذي ينادي به ألا وهو تبني مبدأ الشفافية وذلك بفضح جميع الممارسات الاستبدادية باعتباره السبب الأول للتخلف الثقافي، ذلك التخلّف الذي يشير له الغرباوي بقوله: "يتضافر أكثر من عامل في تكوين ظاهرة التخلف الحضاري، لكن  الاستبداد يبقى المسؤول الأول عن شقاء البشرية وعذابها على طول التاريخ"(10). ويضيف: "و لم يتلاش الاستبداد في العصر الحديث وإنما اتخذ أساليب مختلفة، لم تتغير حقيقته وإن توشح بشيء من الشرعية باسم الدين أو الوطنية أو الديمقراطية، لذلك كان أول عمل قام به المصلحون هو مناهضة الاستبداد وكشف ممارساته المزيفة والإصرار على تعرية حقيقته وفضح أهدافه"(11). من أجل إحلال التعددية محله وخلق مجتمع مدني يلعب فيه المواطن دورا محوريا في تسيير شؤونه العامة، وذلك بتكريس مبدأ الشورى والديمقراطية وضمان حق المعارضة وحرية الرأي واحترام سيادة القانون.

 

جميع هذه النقاط شرحها الأستاذ ماجد الغرباوي بإطناب في كتابه إشكاليات التجديد في الفصل الثالث  تحت عنوان" الموقف من الاستبداد".

في النهاية، أريد التأكيد أن مسؤولية المثقف الإسلامي ثقيلة جدا ولكن رغم ذلك فهو مجبور على تحملها، فقد آن الأوان لكي تعود الثقافة الإسلامية لتوهجها وازدهارها وإلقاء ثوب الخمود والجمود.

 

د. بثنية بوقرة - تونس

...........................

(1) الغرباوي، ماجد، إشكاليات التجديد، ط3، 2017، مؤسسة المثقف، سيدني – استراليا، ودار العارف، بيروت - لبنان، ص 10

 (2) المصدر نفسه، ص50

(3) المصدر نفسه، ص6.

(4) المصدر نفسه، على التوالي: ص52. وص53.

(5) المصدر نفسه، ص93.

(6) المصدر نفسه، ص24.

(7) المصدر نفسه، ص25.

(8) المصدر نفسه، ص7.

(9) ذكر الكاتب في كتابه إشكاليات التجديد شواهد عن محنة المثقف مع السلطات المستبدة، فذكر مثلا:

- المصدر نفسه، ص228: "قضى السيد جمال الدين نحبه بطريقة ما، تخفي وراءها خيانة السلطان عبد الحميد وأبي الهدى الصيادي".

- المصدر نفسه، ص228:" ولم يكن السيد الشهيد محمد باقر الصدر أفضل حالا من الأفغاني فقد تكالب عليه كلا الاستبداديين بضراوة لم يشهد التاريخ مثيلا... أخيرا وضع تحت الإقامة الجبرية وقطع عنه الغذاء والدواء والكهرباء والاتصالات الخارجية وانتهت الإقامة الجبرية باعتقاله وتعذيب استمر 48 ساعة متواصلة، فقضى حياته الشريفة مضرجا بدم الشهادة".

- المصدر نفسه، ص 229: "وعاش الإمام الخميني معاناة طويلة في ظل الاستبداد الشاهنشاهي".

- المصدر نفسه، ص230:" واجه الكواكبي الاستبداد السياسي المتمثل آنذاك بالوالي العثماني في مدينة حلب عارف باشا، فجر عليه ذلك أنواع العذاب، إذ سجن وصدرت أملاكه وفرضت عليه الغرامات الكبيرة وحكم عليه بالإعدام ثلاث مرات كانت الأولى طعنتين ليلا بخنجر خائن شهره عليه أحد جلاوزة السلطة والثانية عندما صدر ضده حكم الإعدام والثالثة وضع له السم في فنجان قهوة فمات مسموما".

- جدير بالذكر أن الأستاذ ماجد الغرباوي قد تعرّض هو الآخر بوصفه مثقفا وصاحب مشروع إصلاحي لملاحقة السلطات الاستبدادية التي دفعته للاغتراب لمدة 37  سنة عن وطنه ومسقط رأسه، بعد مسيرة حافلة بالنضال والسجن.

(10) المصدر نفسه، ص209.

(11) المصدر نفسه، ص 210.