شهادات ومذكرات

زهير ياسين شليبه: محمد بن حسناوي بطل من هذا الزمان

من دوار الحلايبه في سيدي يحيى القنيطره إلى الدنمرك!

وداعاً ايها المغربي الجميل الناشط الثقافي محمد بن حسناوي! (1944-2024)

غيّب الموت صديقنا وعزيزنا الناشط الثقافي والسياسي المغربي الأصيل محمد حسناوي يوم الأحد الموافق 14 نيسان أبريل عن عمر ناهز الثمانين عاما! وقد زرناه في مستشفى هولبيك وهو طريح الفراش وودعناه في لحظاته الأخيرة وكانت هناك ابتسامة بريئة مرتسمةً على شفتيه وهو يضغط على أيادينا أثناء مصافحتنا إيّاه!

نّمْ قرير العين يا صديقنا العزيز محمد بن حسناوي! أنت بعيد عنا الآن، لكنك لن تغيب عنّا، بل ستبقى حاضراً دوماً معنا، وتسكن في قلوبنا! درس محمد حسناوي في أميركا وحصل على بكالوريوس في اللغات الإنجليزيه، الفرنسية والإسبانبة، وعمل مدرساً، وكان ناشطاً ثقافياً وسياسياً، له ديوان شعر صغير غير منشور بالإنجليزية كتبه في أميريكا، وأهيبُ هنا بمن يجد في نفسه الرغبة في ترجمته إلى العربية، أقام في الدنمرك منذ 1968 حتى يوم وافته المنية في الرابع عشر من نيسان أبريل 2024

من يقرأ هذا العنوان يتصور أنني بصدد الحديث عن رواية الكاتب الروسي ليرمانتوف الشهيرة "بطل من هذا الزمان"، لكنني أكرسه هنا لمصائر بشرية معاصرة عايشتها وخبرتها وصاحبتها، المرة السابقة كانت عن الصديق الفنان الدنمركي الأفريقي موريس تشيكاي الذي جاء والده مهاجراً من أفريقيا إلى الدنمرك قبل الحرب العالمية الثانية.

أنقلُ لكم ما كتبته عن الراحل المغربي محمد بن حسناوي قبل سنتين من رحيله عنا: أما اليوم، فأنا أجلس وأتحدث إلى المغترب محمد بن حسناوي، بطلنا القادم من المغرب إلى الدنمرك، والذي حدّثني عن حياته قائلاً: "قبل أكثر من خمسة عقود ونصف العقد قدمتُ إلى الدنمرك، أنا محمد ولد العَبدية حسناوي، تركتني والدتي طفلاً صغيراً قبل أكثر بقليل من سبعة عقود ونصف العقد، بعد أن ولدتني أمّي (العَبديّه) عام 1944 تقريبا في قرية أولاد دوار الحلايبه (الحلَيبه)- عائلة كريكيبه – سيدي يحيى التي تبعد 40 كم عن مدينة القنيطرة".

ألهمني حديث محمد حسناوي لأكتب له هذه الكلمات عن ذكرى من طفولته مع والدته:

طفل صغير

كعصفور في عشّه

في حضن أمه اليافعة

يتطلّع إليها ببراءة

وأمان

نظرة أمومة ناصعة

ترمقُ صغيرَها بمحبة

وحنان

بوجع أمٍّ خائفةٍ

قلقة على وليدها الولهان

الطفولة:

سألتُه عن طفولته، يجيبني محمد بن حسناوي: "والدتي كانت شابة يافعة جميلة أتذكرها كما لو أني رأيتها يوم أمس، لكني لا اتذكر أشياءَ كثيرة أخرى، كانت تجلس مع النساء اللاتي كن يعملن معها تحت الشمس في أيام الخريف حيث تنخفض الحرارة شيئا فشيئاً. أجل أتذكر "الدفينه" التي ترتديها وملابسها المغربية الحريرية الزاهية الألوان ووجهها النوراني.

أتذكر اني كنت أتدفأ بحضنها، أرفع رأسي متطلّعا إليها، وكانت تكافئُني بأن تقضم الحمصة وتلقمني إياها وأنا أستمر في التطلع كعصفور إلى شفتيها منتظراً الحمصة التالية، واحدة تلوى الأخرى، بينما تمرر كفيها على وجهي".

سكنتْ والدتي عند عمّها في نفس الدوار في عيد الأضحى الكبير وأرسلَ والدي إليها أربعة أو خمسة خراف، كان والدي الإسباني قد جاء إلى المغرب هرباً من حكم فرانكو، يحترم المغاربة وتقاليدهم رغم انه كان يعتبر من المستعمرين. أعتقد أن عمري كان خمس سنوات عندما افترقت والدتي عن والدي وأنا بقيت عنده.

وعندما توفي والدي بعد فترة قصيرة من وفاة أمّي بقيتُ وحيداً فوضعني قائد بلدية سيدي يحيى القريبة من القنيطرة في دار الأيتام بعد أن فضّلَ عم والدتي أن اكون فيه لكي أدرس حيث بقيت فيه حتى بلغت 14 سنة من عمري كما اخمّن.

تعلمتُ في الفترة الأولى في دار الأيتام في مدرسة مغربية مع الأطفال المغاربة، لا اتذكر اسمها، لكني أتذكر ثانوية عبد الملك السعدي التي كانت تقع بقربها والتي التحقت بها عندما أنهيت الصف الرابع. الابتدائية في المغرب كانت اربع سنين لكني اعدت الصف الرابع ولهذا بقيت فيها خمسَ سنين ثم درست سنتين في مدرسة عبد الملك السعدي حيث أنهيت الخامس والسادس ثم انتقلت إلى مدرسة القاعدة الأميركية في القنيطرة.

مدرسة القاعدة الأميركية:

يشرحُ محمد بن حسناوي سببَ توقفه عن مدرسة " عبد الملك السعدي" "حيث تعرف على زميله التلميذ الأميركي ابن ضابط في القاعدة الأميركية اسمه كريستوفر بلير وكان محمد بن حسناوي يدافع عنه عندما يتعرض للتنمر من قبل التلاميذ المغاربة حيث يسمونه الأرنب الأميركي لأنه كان يتناول الجزر في المدرسة.

"وحدث انّ دار الأيتام بدأ يعاني من نقص الموارد وقلة الأماكن وأرادوا أن يطردوني بحجة عدم وجود مكان لي، وتحدث معي مدرسنا عن الموضوع وسمعه كريستوفر، الذي أخبر والده بلير الضابط في القاعدة الأميركية، وكلَّمَ بدوره زملاءه عني بأن ينقلني إلى المدرسة الأميركية فانتقلت إليها.

لا بدّ من القول هنا إن وزيرة التعليم آنذاك كانت بنت الملك لالّا عائشة رفضت طرد الأطفال من دار الأيتام لكن قسمتي كانت أن أدرس مع كريستوفر في القاعدة الأميركية حيث بقيت فيها 5 سنوات".

السفر إلى أميركا:

"وسافرتُ معهم إلى اميركا عام 1961 حيث حصل لي والد كريستوفر على منحة من نادي التفاؤل. أعتقد كان عمري 17سنه. درستُ في أميركا سنة كامله قبل الدخول في الجامعة، ثم أربع سنوات حصلت فيها على بكالوريوس آداب في اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية. درست في Water Junior Collageجامعة ووترفورد جونيور كوليج وعشت عند نفس العائلة الأميركية لخمس سنوات. كان في الجامعة طلبة من البرازيل وإيران وفلسطين والأردن".

العودة إلى المغرب بعد التخرج من الجامعة:

"ورجعتُ إلى المغرب على أمل أن أحصل على عمل وأخدم بلادي، إلا أن بعض الموظفين البيروقراطيين لم يكونوا متفتحين معي، بل قد يكونون متخوفين على وظائفهم ولهذا لم تسنح لي فرصة مناسبة، لكني اشتغلت لسنتين مع الأميركيين في باخرة "ابن بطوطة" وأصبحت مسؤولاً عن البضائع والمطعم والسوق. وسكنت في هوتيل BOA الخاص بالأميركيين لأنه كان رخيصا وفيه إمكانية التعرف عليهم والبحث عن فرص عمل بمساعدتهم".

السفر إلى الدنمرك:

"تعرفتُ على بنت دنمركية طيبة عام 1968 واقترحت علي السفر الى الدنمرك وفعلا عملت ذلك، بعدها تعرفت على أم ولدّي ألكسندر وبينيامين، ثم انفصلنا وأعيش الآن مع زوجتي كارين منذ التسعينات.

مارست عدة مهن كان آخرها التدريس في المدرسة الفنية الإنتاجية العليا في روسكيلده وأنا سعيد في الدنمرك قمت بعدة نشاطات ثقافية وسياسية مع الحزب الاجتماعي الديمقراطي، لي ولدان وسبعة أحفاد أحبهم كثيراً واصدقاء كثيرون من مختلف بقاع العالم".

انتهى حديث محمد حسناوي، نعم، أنا أيضاً سُعدتُ بالتعرف إليه بمناسبة نشاطات ثقافية في المدينة التي نسكن فيها مثل "ليلة روسكيلده"، حيث كنت أعمل في البلدية وساهمنا بتنظيم نشاط حفلات الموسيقى العربية في نهاية التسعينات، وأمسيات أدبية متنوعة، وبعدها أسسنا مع زملاء آخرين لنا مثل آلمه وإيب راسموسين وماريانا وبيارنه لوف ويتّه ومحمد براغيت ورلى ومازن وآخرين "جمعية أصدقاء عبر الحدود". قربتنا هذه النشاطات أنا والراحل محمد حسناوي أكثر فأكثر وتحولت علاقتنا الى صداقة عائلية طبيعية ومثمرة مع زوجته الدنمركية كارين غوته حسناوي.

كنا نقرأ معاً مختلف النصوص النثرية والشعرية الدنمركية، وكنتُ أترجم بعضها إلى العربية ونراجعها ونناقشها معاً، ودعونا بعض الشعراء مثل بني أندرسن وإرك ستينوس حيث تُقرأ قصائدهم بالدنمركية، وقرأتها الشاعرة رُلى اللحام بالعربية، إضافة إلى كتّاب عرب مثل الشاعرين أسعد الجبوري وأحمد الدوسري والكاتب المغربي إسماعيل الغزالي وآخرين. وكان يحضر هذه الأمسيات الثقافية والرمضانية والاجتماعية خليط من العرب والمغتربين والدنمركيين.

أذكر من أحلى ذكرياتي الشخصية مع الراحل محمد حسناوي نقاشاتنا المستمرة اثناء جلساتنا الشخصية، بالذات حول بعض المقاطع الشعرية والعبارات المثيرة للجدل. وكنا أحيانا نتبادل الآراء حول اللغات التي يجيدها المرحوم محمد حسناوي مثل الإسبانية والفرنسية والإنجليزية إضافة إلى العربية (المغربية) والدنمركية، بينما كنت "أغريه" باللغة الروسية!

كل هذا جعل جلساتنا ثرية ومليئة أعانتني في تحقيق الدقة عند ترجمة مختلف أنواع النصوص رغم صعوبة الاقتناع أحياناً بها، لا سيما وأني بطبيعتي أبحث دوماً عن ترجمة عربية مطابقة للّغة الأصلية (الدنمركية) وفي الوقت نفسه سهلة الفهم للقارىء العربي.

وكان الراحل معجباً بوجود القواميس الدنمركية العربية والروسية والإنجليزية دوماً إلى جانبنا نستعين بها في كل مرّة نتناقش حول مفردة ما أو عندما أبحث عن الصياغات الدقيقة، و"المستحيلة " أحيانا، بخاصة عند الرغبة في الوصول إلى الفهم والقبول والسلاسة وهذا ليس سهلاً بسبب الغموض والرموز والاختلاف الثقافي بين اللغتين العربية والدنمركية.

كان الراحل محمد حسناوي حسن الخلق أصيلاً لم يتوانَ عن الأعمال الخيرية والثقافية التطوعية حتة في آخر لحظاته وهو طريح الفراش، حيث كان يهمس لي قائلاً "عندما تتحسن صحتي سننظّم نشاطات ثقافيه عربية ودنمركية كثيرة"! وقد ألهمني محمد حسناوي كثيراً لدرجة أني استوحيتُ صفاته الشخصية لبطل رواية عراقية ستصدر لي قريباً، وكان يبتسم ويضحك كثيراً عندما كنت أقرأ له بعض مقاطع الرواية عن "شخصيته"! مغربي يتحدث بالدارجة العراقية!

رحمة الله على صديقي الفقيد الغالي علينا محمد بن حسناوي، فقد كان مثالاً يُحتذى به لسلوكه الرائع وجهوده الكبيرة في التقريب بين ثقافات الشعوب!

***

د. زهير ياسين شليبه - كاتب عراقي مقيم في الدنمرك

....................................... 

الصورة: من اليمين: زهير ياسين شليبه، وزيرة الثقافة الدنمركية جو  موغينسون، الراحل محمد بن حسناوي

في المثقف اليوم