أقلام ثقافية

علي الجنابي: قَرفَصَةُ الهِّرَّةِ الحَامِل

(خاطرةٌ مردودٌ متنُها على قائِلها إن كانت مجانفةً للصَّواب)

هرولتُ حينَ الْعَشِيِّ كي أتسامرَ مع أصحابِي، فتَقرفصتُ جَنبَهم مُرَفرِفاً بيديَّ لهمُ، ومُكفكِفاً بهما عن جلبابي. وكنتُ قد ألزمتُ نفسي حينَ أبدأُ المُحادثةَ معَهم بوصايا هدايةٍ لخطابي. قبسُ وصايا تُنجيني من خَسارةِ صديقٍ منهم فأفقدَ بذلكَ منهمُ الودَّ والترحاب. وصايا تَمنعُ الخوضَ بقضايا ملتهبَةٍ، سواءٌ أكانَ الخوضُ باقتضابٍ أم بإطناب، وتحتَ ايةِ انفعالاتٍ أو دوافعٍ أو أسباب، وخيرٌ ليَ الإنصاتُ بصَمتٍ لهم، وخيرٌ لي حَوْكُ الهوى ولَوْكُ لعابي. كانتِ الوصايا صارمةً تحظرُ الكلامَ ولو هَمساً تحتَ ثيابي. وهاكَها يا ذا عزٍّ  بوجيزِ حرفٍ بلا اسهاب..

يُمنَعُ الحديثُ عن (النفاقِ)، وعن بَسَمَاتِ الكذبِ وعن رذائلِ الكَذَّابِ، فقليلٌ من أصحابي ماهرونَ بصناعةِ البَسَماتِ عند كلِّ جواب.

ثمَّ كذلكَ عنِ (الإسلام)، وخاصةً عن قضيةِ دَوَّارةٍ في فلكِ (الحجاب)، وويلكَ إن رَميتَهم بشهابٍ أسودٍ من (النقاب)، فبعضُ أحبابي نساؤهم سافراتٌ، وسيعبَسُونَ منكَ باكتئابٍ وربَما بارتعاب، وقد يظنونك مُتَطرِّفاً من جماعة الإرهاب.

ثمَّ عن فلسطين، فثلَّةٌ من الأحباب لا يعرفُ ما اسمُ عاصمةُ بلدهِ، ونراهُ ما برحَ منهمكاً بِعَدِّ دراهم السُّحت في صَحوٍ وفي ضباب، وتراهُ يَحسَبُ أن (أزأزَةَ) اللُّبِ بانكِباب، هي العلامةُ الفارقةُ لأولي الألباب، ويظنُّ أنَّ سيماهُم ظاهرةٌ في أفواهِهم لا في وجوهِهم وبلا احتجاب.

ثمَّ كذلكَ عنِ (العلمانية)، فبعضٌ مِنهم تراهُ مُتديِّناً مِن هامةِ رأسهِ حتى الكِعاب، ومُلتَزماً بعُرى دينٍ مُفصلٍ وفقَ شهواته تفصيلاً بانسياب، ومسطورٍ عندَهُ في قراطيسٍ وأمِّ كتابِ. ولو ترى على عقيقِ خاتمِهِ منقوشاً" إنِّي أنا الوليُّ المغيثُ وما سوايَ من وهَّاب".

ثمَّ تَجَنَّبِ الحديثَ عنِ (الشيوعية)، فإنَّ منهم الدّرويشُ "الماركسيٌّ" بالفطرةِ وليس باكتسابِ، وتراهُ ما إنفكَّ يُحبُّ العامِلَ والفلاحَ ويَكرهُ لوحةَ "الكافيارَ" ودَوحةَ الكباب. وترى خاتمَهُ أحمراً قانٍ، رمزَ الحزمِ وسيادةَ المبادئِ وقطعِ الرِّقاب.

ثمَّ خِتامَ الوصايا مِسكٌ؛ إيَّاك أن تَذكرَ (الرأسمالية) بسوء، فأكثرُ أصحابي متيمٌ بالغربِ أكثرُ من "مارلين مونرو" الحاضرةِ بخُصرِها رُغمَ طولِ الغياب، وأشدُّ من شقراء السُّويد الأميرةِ "مادلين" وإذ تُصيِّرُ الفكرَ في سراب، بل وتراهُ هائماً بالغربِ أكثرُ من ملكِ إنجلترا "تشارلز" ذي العينينِ بلا أهداب.

تقرفصتُ حذوَ أصحابيَ أحبابي هُنيهَةً قابضاً على جَمَراتِ أعصابي، ثمَّ رأيتُني أنهضُ وأعضُّ شفتيَّ وأجرُّ أذيالَ جلبابي، فما من حديثٍ بينَ يديَّ إلا ورأيتُ الوصايا تزجُرُهُ برهاب، فخرجتُ من مجلسِهم رُغمَ أنهم أصحابي، وأنهم في الحيِّ هم ملاذي، وإنَّهمُ ما فَتِئُوا يُمطِروني بأندى القُبَلِ وأنبلِ الألقاب.

ثم سرتُ والشارعَ الطويل مُتَقَلِّباً باضطراب، أفركُ بينَ سبابتي وإبهامي نصفَ عُودٍ من ثقاب، سَرَيْتُ الى حيثُ لا أدري أين يكونُ ذهابي، سرتُ وأثداءُ لساني تعصرُ باحتلاب؛ أمِن أحدٍ يَدُلُّني على مَجلسِ سَمَرٍ، اللسانُ فيهِ يَنطلقُ بذرفٍ سلسٍ خَلَاب، وبسجيَّةٍ غيرِ مُتزلِّفةٍ لوجوهٍ مزدحمةٍ بأنياب، وبعفويةٍ غيرِ مُتكلِّفةٍ يَتَغَنَّمُ بها لُبابي ويَتَنَغَّمُ معها جلبابي. أوَمِن مجلسٍ على ظَهرِها مَوجود، هوَ خالٍ مِن كلِّ ارتياب.

ثم بَصُرتُ هِرَّةً مُتقرفصةً، لعلَّها حاملٌ في شهرها الأخير بلا احتساب، فتبسَّمَتْ ليَ الهِرَّةُ بسمةَ "ميوٍ" واحدةٍ بانشراحٍ وبإعجاب، فتَقرفصتُ من فوري حذوَها وسطَ الطريقِ بلا ترددٍ وبلا وصايا ملزمةٍ في الخطاب، فتسامرنا معاً سَمَرَ عاشِقينِ بَعدَ بُعْدٍ واغترابِ، حتى إشراقة الفجرِ ونحن مُتَقرفصون على كومةٍ من تراب، وكانَ مِن بينِ أيدينا ومِن خلفِنا أخوةٌ لنا منصتونَ بلا طنينٍ ولا وَنينٍ ولا سِباب. كان الأخوةُ حشداً أنيقاً مِن بَقٍّ وحشداً وثيقاً من ذُباب.

لقد تَسامرنا بهمسٍ آسرٍ ساحرٍ يعدلُ دُررَ الجبالِ والهضاب.

- ميو؟

- إمممم، ميو حبيبتي، ميو...

***

علي الجنابي

في المثقف اليوم