أقلام فكرية

الحتمية الإنسانية.. نحو نظرية فلسفية جديدة

محمد عمارة تقي الدينهناك سؤال يطل برأسه من وحي تفاقم الصراعات والتوترات العسكرية العالمية، مُنذِرة بحرب كونية من شأنها إبادة الجميع في ظل توافر أسلحة الدمار الشامل لدى كثيرين: ما العمل من أجل منع الإنسان من ارتكاب تلك الفعلة الشنعاء وأين ضميره من هذا كله؟ ألا توجد خطة إنقاذ عاجلة من شأنها نزع فتيل الدمار وإعادة العالم إلى سابق عهده؟

في ظني أن الإنسان، وفقاً للمعطيات الحالية، هو على وشك موت مادي وجودي، وقد سبقه موته الروحي، فالثاني يقود إلى الأول حتمًا، تلك متتالية مُفرِطة في بديهيتها.

ومن ثم يتحتم أن تبدأ خطة الإنقاذ بإنقاذ الروح أولًا وقبل كل شيء، عندها وفي تلك اللحظة قد يلوح في الأفق طائر الأمل مُحلِّقًا في محاولة لإنقاذ الوجود المادي المُتعين للإنسان.

وإذا كان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قد تحدث عن (موت الإنسان) بمعناه الفلسفي في عصر ما بعد الحداثة، فأنا هنا أتحدث عن محاولة إحيائه، عبر التصدي لكل محاولات تقويض الذات الإنسانية، كخطوة أولى وتأسيسيّة ضمن إستراتيجية منع الإنسان من إبادة نفسه، إذا جاز لنا أن نستعير من جون تايلور.

ومن ثم نسعى من وراء هذا المقال إلى بلورة ملامح نظرية فلسفية نعتقد أنها جديدة، نظرية من شأنها الدفع نحو رسم مسارات ذات صبغة قيمية تراحمية للخروج من هذا الواقع المادي اللاقيمي البائس، وقد أطلقنا عليها نظرية (الحتمية الإنسانية) (Human determinism):

وهي تتألف من محورين، أو أنها متتالية في خطوتين:

الخطوة الأولى: فلسفة (تلاقي المنفعة والقيمة) أو تصالح النفعية والقيمية (وذلك على مستوى الفكر والإدراك)

إذ يجب أن نُدرك العالم من هذه الزاوية، فكلنا نعتلي سفينة واحدة، هي سفينة الإنسانية، تلك السارية وسط بحر هائج ومتلاطمة أمواجه، إما أن نَعبُر بها ونحن نمخُر عُبابه أو نغرق جميعًا.

أو أننا نتنفس جميعاً من رئة واحدة في هذا العالم، أن نحافظ عليها ونبقيها صالحة للعمل، أو نُفرِط في إفسادها فنختنق ونفنى جميعاً، ولاخيار ثالث، فإما أن نموت معاً كأغبياء أو نعيش معاً كأخوة، على حد قول مارتن لوثر كينج.

ومن ثم ندعو للتسامي الإنساني وصولاً للحظات الإنسانية القصوى، وهي في حقيقتها لحظات الوجود القصوى التي نادت بها الفلسفة الوجودية، تلك اللحظات التي من شأنها دفعنا نحو الخلاص من وهم التمركز حول الذات، ومن ثم الانخراط في مشروع إنساني قيمي عام لخير البشرية جمعاء، بل والاستمتاع بالتجربة ونحن نخوضها، رغم آلامها ومشاقها ووعورة الطُّرُق وقِلّة سالكيها.

حقيقة أن الأديان في إصدارها الأول ترنو إلى ما هو قيمي، وهو نفعي في عمقه، أفعل الخير لتلتئم جروح نفسي، فيتحقق نفعي الخاص، ومن ثم نفْع المجتمع، من هنا قاعدة  الإسلام الرائعة أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، فهي دالة جدًا في هذا السياق.

فلا تعارض إذن بين القيمية والنفعية وفق طرحنا هذا، فتحقيق خير الآخر هو خير مُضاعَف لي، إطعام الآخر: مادياً وروحياً وضمان حريته وصيانة كرامته في ظل حكم ديمقراطي تشاركي حقيقي لهو خير ضمانة لخلوّ العالم من العنف والإرهاب ومن أمراضه وعلله النفسية.

من حُرِم أو ظُلِم هو مريض نفسي في الغالب، وحتماً سينفجر مرضه يوماً ما في وجه المجتمع ككل.

ومن أخذ أكثر من حقه دون وخز من ضمير وسط مجتمع مُضطهَد وجائع هو الآخر مريض نفسي في الغالب، سيظل يطارده شعور فقدان الأمان والإحساس بأن جُرمه يتعقَّبه.

فالاثنان مرضى، وبما أنهما يمثلان وحدة بناء المجتمع ككل، بل البشرية كلها، فالبشرية إذن بحاجة لعلاج نفسي عاجل وسريع.

فالحقيقة أننا كلنا أو قل أغلبنا مرضى نفسيون، في ظل هذا العالم القائم على منطق القوة والانتهازية والنفعية التامة، لكن الاختلاف يبقى في درجة المرض، فقط نريد ألا نتجاوز الحد المسموح، أن نبقى عند الحد الذي لا يشكل خطرًا على الآخرين، بل أن نكون مصدر سعادة لهم، إلى أن تحين لحظة تغيير وجه هذا النظام العالمي، ليبرأ من أمراضه وعلله، فيعود قيمياً إنسانياً تراحمياً.

من هذا المنطلق، فإن حسم أي صراع بشري إنسانياً هو في صالح الجميع.فعلى سبيل المثال: نعتقد أن حسم الصراع العربي الصهيوني إنسانيًا سيعود بالنفع على الجميع:عرب ويهود، بل وعلى كل بني الإنسان، لقد بدأ كثيرون في العالم يدركون تلك المعادلة، فالقيمة ستجلب النفع الخاص والعام في التحليل الأخير، لكنه استعجال البشر وعدم صبرهم.

نعم في الحل العادل لهذا الصراع مصلحة للجميع، حتى لليهود واليهودية، ففيه إنقاذها من براثن الأيديولوجية الصهيونية، فيه خلاص من مصير كارثي محتوم في ظل تزايد كراهية العالم لليهود، بفعل الممارسات الإجرامية للكيان الصهيوني.

الخطوة الثانية: فلسفة (التبنِّي والفعل) (على مستوى الحركة والممارسة)

وتعني فلسفة (التبنِّي والفعل) أنه لو تبني الفرد أو الجماعة أو البشرية رؤية وتجذرت كقناعة داخلية اعتمادًا على معادلة وفلسفة القيمية تقود إلى النفع العام(وهي الخطوة الأولى)، أي قناعة ذات نزعة إنسانية قيمية أخلاقية، في تلك اللحظة سيسعى بكل ما أوتي من قوة لإنفاذها وإقرارها في عالم الواقع، وغالبًا ما سيتمكن من ذلك.

هكذا تعمل النبوءات، هكذا قراءة الحظ والأبراج، هكذا يُصنع كثير من عظماء التاريخ.

تقول قارئة الفنجان لك: سيكون لك مستقبلًا عظيمًا، فتعمد في أغلب الأحوال لتحقيق ذلك بكل جوارحك، أو تقول لك: إن حياتك بائسة، فيصيبك الإحباط وتعمد لاجترار أحزانك، لينتهي بك الحال كئيبًا حزينًا بائسًا.

من هنا (كذب المنجمون ولو صدقوا)، هم يَكذبون فلا أحد يعلم المستقبل، ولكنه كذب يدفعك لتبنِّي موقف حياتي ما، وفقًا لما أخبروك به من نبوءة، وكثيرًا ما تعمد أنت إلى تحقيق ذلك، فيبدو الأمر كما لو أنَّ النبوءة كانت صادقة، وأن من أخبرك بها كان على علم بالمستقبل، ولكنك أنت، ودون وعي منك، من عمدْت إلى تحقيقها.

من هنا يأتي التغيير، شريطة أن نؤمن أن للمستقبل أكثر من سيناريو، وأننا نحن من نقوم باختيار أحد هذه السيناريوهات ومن ثم نُنزله عالم الواقع.

فالإنسان لو تبنَّى قناعة ما وآمن بها بقوة سيسعى نحو تحقيقها، لو اتخذ موقفًا سيعمد لتأكيده في الواقع، هكذا كل شيء، وهكذا الأديان في مفهومها الأكثر عمقًا.

ومن دون شك فرؤيتنا تلك من شأنها أن تتصالح مع نظرية التحدي والاستجابة (Challenge and response) للمؤرخ والفيلسوف البريطاني أرنولد توينبي، فاختيار الاستجابة تكون في اعتقادنا وفق قناعة ما: سلبية كانت أم ايجابية، فلو تم الدفع نحو استجابات إيجابية لتغير وجه الحضارة نحو الأفضل، لكن المأساة أن غالبية ما تركن إليه الجماعات والأمم من استجابات تكون سلبية تحت ضغط الواقع، ودون كثير من تفكير، وهنا تكمُن المأساة.

حتى ثالوث هيجل العظيم، يمكن أن نقرأه بذات الدلالة، فالمُنتج النهائي يمكن أن يكون سلبيًا أو إيجابيًا وفق ما نقتنع به ونتبناه من نموذج، أي أن هناك إمكانية لحسم صراع الأضداد، وأخذه في اتجاه تم التخطيط له مُسبقًا.

بهذا المنطلق، ومن وحي هذه النظرية، يمكن أن نُؤوِّل كل شيء، ومن ثم ندفع به نحو نموذج إنساني قيمي، غير أن التبنِّي يتحتم أن يسبقه التقصِّي الجاد، وتكوين الرؤى الكلية، وبناء الخرائط الإدراكية، والتخطيط العلمي العميق، ومن ثم اقتراح سيناريوهات المستقبل، واختيار أكثرهم إنسانية وقيمية ومن ثم نفعية، (فالقيمي هو نفعي في عمقه كما سبق واتفقنا)، بعدها يتم إنفاذ هذا السيناريو الذي جرى اختياره، وغرسه في أرض الواقع.

إن ما نريد إنجازه هو الوصول لوضعية السوبرهيومانتي (Superhumanity)، أو الهايبرهيومانتي (Hyper humanity)، فهو نموذج إنساني في حدوده القصوى، نموذج مغالٍ وفائق في نزعته الإنسانية التراحمية، نموذج من شأنه إنارة عتمة النفس البشرية وتطهيرها مما علق بها من أدران ما بعد حداثية.

الحقيقة أنه وفي اللحظة التاريخية المُتعيَّنة، فإن مشيئة القوة هي من تدفع بالأحداث التاريخية للأمام، لكن الله أراد منا أن نُسيِّر التاريخ وفْق مشيئة الروح ذات الحمولة الإنسانية القيمية، فهذا هو دور الإنسان وكفاحه الأزلي على هذا الكوكب، وإلا فَقَد مبررات وغايات وجوده، فمحكوم عليه أن يسير فى الاتجاه المضاد، أن يقول لا في وجه من قالوا نعم، ويا له من سير مُرهِق، إذ عليه أن يدفع بالصخرة لأعلى الجبل كما فعل سِيزيف، غير أنه ليس في عمقه فعلاً عبثياً بل مغالٍ في غائيته.

إذن وفي إيجاز شديد: علينا أن نؤمن بإمكانية تحقيق القيم الإنسانية في حدها الأقصى، ثم نعمد لتحقيق تلك القناعة في عالم الواقع.

وقبل ذلك يتحتم توليد الرؤى والقناعات من خلال الحوار الذي من شأنه تهذيبها وتطويرها لتصل لحالة أقرب للكمال، يرى أفلاطون، مثلًا، أنَّ المعرفة تـنشأ من عملية حوار يشبه مخاض المرأة، الذي يحفّـِز الجنين على الخروج من الرحم، فعبر تـفاعل الأفـكار المتناقضة تنبثق الحقائق لعالم الوجود.

ومن ناحية أخرى، فإن الحتمية الإنسانية التي ندعو إليها، من شأنها أن تقود إلى ما نطلق عليه (التراحم الحضاري)، كرؤية يجب على الجميع تبنيِّها، ومفادها أنه على الحضارات المتقدمة أن ترحم أخواتها وقت تراجعها الحضاري، بل وتساعدها على النهوض مرة أخرى لخير البشرية جمعاء، فقانون الحضارات قانون صارم من شأنه أن يسري على الجميع، اليوم أنت القوي وغدًا تضعف وتهرم في حين ينهض غيرك، ذلك هو قانون الحضارات، وتلك هي حكمة التاريخ البالغة التي لا تكف عن ترديد نفسها المرة تلو الأخرى، ولكن لا أحد يريد الإصغاء لهذا اللحن الكوني الخالد.

فالقناعة يجب أن تتأكد أن الحضارة الحالية هي مجموع نتاجات الحضارات القديمة (هذا ما يتم إنكاره)، مضافًا إليها جهود مفكري عصر التنوير، تلك الجهود التي اعتورها الكثير من القصور الذي نأمل تدارُكه مستقبلًا عبر الإفادة من الأطروحات الإنسانية والمركزية لكل حضارة، فالإسلام قيمته المركزية العدالة، والغرب قيمته المركزية الحرية، والماركسية قيمتها المركزية المساواة، والشرق الأقصى قيمته المركزية الحكمة والتأمل العرفاني، وكما يؤكد روجيه جارودي فإن التراث المسيحي الأوروبي هو تراث أسيوي، ومن ثم يتساءل جارودي: لماذا تم بْتْر حضارتنا (يقصد الحضارة الغربية) ومحو آثار من غذَّاها (يقصد حضارات الشرق)، هل من العظمة أن يكون المرء ابنًا لأب مجهول؟

ومن ثم نقترح السعي نحو تحقيق ما أطلقنا عليه (الكتلة الإنسانية)، ونقصد بها العمل على حشد جماهير كثيرة العدد، ولكنها واعية بل في قمة وعيها، حول الفكرة، فكرة الحتمية الإنسانية، لتُشكِّل تيارًا عالميًا قادرًا على تغيير الواقع الإنساني الراهن، والدفع به نحو الاتجاه الذي نتغياه. 

والآن دعنا نأخذ الصراع العربي الصهيوني، كنموذج دراسة حالة، إذ نعتقد أن نظريتنا تلك لديها شفرة حل ذلك الصراع، والدفع نحو إنهائه بشكل عادل وإنساني في آن، إذ من وحي هذه النظرية وفي مقولات مُحدّدة ومُوجزة يمكن القول:

أولًا: تدعونا هذه النظرية إلى أن نؤمن نحن البشر أن القيمية تقود حتماً إلى النفعية، وتعني أن حل الصراع العربي الصهيوني حلًا عادلاً وإنسانيًا بما يمنح الفلسطينيين حقوقهم كاملة (وتلك مسألة قيمية)، هو في صالح الجميع، عرب ويهود والعالم أجمع، (وتلك مسألة نفعية).

ثانيًا: أن نتبنّى (وفقًا لفلسفة التبنِّي والفعل)، أي على مستوى الفعل والممارسة، سيناريو محدد أو حلًا إنسانيًا قيميًا، بعد بحث عميق، من شأنه منح الفلسطينيين حقوقهم المسلوبة، ثم نعْمْد إلى تطبيقه وإنفاذه في عالم الواقع، فنكون قد حققنا القيمي والنفعي في آن.

***

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5742 المصادف: 2022-05-26 03:02:08


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5927 المصادف: الاحد 27 - 11 - 2022م