أقلام فكرية

لاهوت التعايش في عالم منكمش

قاسم المحبشيبدعوة كريمة من الدكتور أحمد عبدالسلام مدير المعهد الالماني للأبحاث الشرقية في القاهرة OIB وبتحفيز من الصديق العزيز الدكتور حسام الدين درويش أستاذ الدراسات الإنسانية للبحوث المتقدمة في جامعة لايبزيغ، ومحاضر في قسم الدراسات الشرقية، في كلية الفلسفة، في جامعة كولونيا، في ألمانيا. حضرت اليوم ورشة لاهوت التعايش التي نظمها المعهد الالماني للدراسات الشرقية في مبنى الهيئة الالمانية للتبادل العلمي بالزمالك. استمعت إلى عدد من المدخلات المهمة منها؛ لاهوت التعايش للدكتور محمود عبدالله والدكتور ابو الوفاء محمود عن رؤية عصرية لتربية إسلامية من أجل السلام. والدكتور محمد ثروت عن مبادرات التعايش الديني في إندونيسيا. والدكتورة سوسن الشريف عن مقاربة لسان القرآن لفهم صورة الآخر في السياق الإسلامي والدكتور سامح إسماعيل عن فقه التعايش في ضوء التحول الرقمي. والدكتور حسام عوض عن التوريث بين المسلم وغير المسلم والدكتور صبحي مصطفى، عن تجليات الحقيقة كطريق نحو التعايش المشترك والدكتورة سارة الشريف عن الأديان وبناء السلام؛ من التسامح إلى التطرف وبناء السلام في إفريقيا والشرق الأوسط. تلك هي المداخلات التي تمكنت من سماعها وما أثارته من حوارات فكرية مهمة ومفيدة ومثيرة. وقد كنت حريصا على سماع مداخلة الدكتور حسام الدين درويش عن تعددية الأديان ومكانتها في العالم المعاصر بين الرغبة في التعايش أو الإيلاف وصعوبة تقبُّل التباين والاختلاف. ولكن لم يسعفني الوقت بسبب زحمة المواصلات. أتمنى أن أحصل على نسخة منها ومن المداخلات التي لم أتمكن من الاستماع اليها. كانت ورشة رائعة صادفت هوى في نفسي إذ أن سؤال التعايش بات سؤالًا ملحا في عالم أضحى بفضل ثورة المعلومات والاتصال شديد التقارب والتداخل والتفاعل بعد انكماش الزمان والمكان وصيرورة العالم قرية كونية صغيرة يتشارك سكانها كل حوادثها واحداثه واخبارها وخيراتها وشرورها إذ يمكن للناس أن يتبادوا تحية الصباح كل يوم من طرف الأرض إلى طرفها بل يمكنهم أن يتحاوروا ويتخاصموا ويتقاتلوا في أي لحظة كما يحدث في القرية الصغيرة في أقصى الريف فالعولمة إذن  هي العالم وقد أصبح قرية صغيرة يعرف أهلها عنها كلَّ شاردة وواردة ، كل صغيرة وكبيرة. وكلما زاد ارتباط الناس ببعضهم البعض كلما زادت حاجتهم لقيم التسامح والتعايش والحوار إذ إن خطاب التسامح والتقبل والحوار تستدعيه الحاجة والرغبة المشتركة للبحث في أفضل السبل الممكنة والآمنة للعيش والتعايش الاجتماعي السياسي المشترك لجميع الناس في بيئة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وأخلاقية ونفسية عالمية منظمة ومستقرة وأمنة. ولسنا بحاجة إلى التذكير بمدى احتياج مجتمعاتنا العربية الإسلامية إلى قيم التعايش والتسامح والقبول والتقبل المتبادل  لاسيما بعد أن شهدت تاريخ طويل من النزاعات الدموية والحروب الكارثة.وعلى مدى السنوات الماضية استقطبت ظاهرة التقارب والاحتكاك والتصادم بين الشعوب والحضارات والثقافات والافراد، وما صاحبها من شيوع وانتشار لقيم العنف والتعصب والإرهاب على الصعيد العالمي اهتمام عدد واسع من الدارسين والكتاب والهيئات وأخذت الدوائر الأكاديمية والثقافية تعقد المؤتمرات والندوات والنقاشات في كل البلدان، بشأن قضايا العولمة وحوار الحضارات والثقافات والاديان والتحديات التي تواجه الإسلام والشعوب الإسلام في ظل التحولات العالمية الراهنة والمستقبلية وسبل موجهتها. إذ افرزت العولمة وتحولاتها الراهنة أنماطا جديدة من الظواهر والمشكلات الإنسانية والاجتماعية، وسرعة تحولها إلى مشكلات عالمية، كمشكلة سباق التسلح والحروب والأمن والسلام الدوليين، ومشكلات البيئة العالمية والأوزون، ومشكلات التجارة العالمية والأزمات الاقتصادية وصدام الحضارات والاديان والتطرف والإرهاب، ومشاكل المال والأعمال العابرة للقارات. ومشكلات الإعلام الجديد والشبكات الاجتماعية ومشاكل الفقر والصحة والمرض، ومشاكل الهويات والتعددية الثقافية، والأقليات والتمييز والتعصب والاستبعاد الاجتماعي، والهجرة غير الشرعية والاندماج، والمخدرات والبطالة والفقر والحركات الاجتماعية، والمرأة والطفل والشباب، وكل ما يتصل بحقوق الإنسان، ومشاكل السياسة والنظم السياسية والعدالة والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني. والمشكلات الأخلاقية للعلم؛ كالاستنساخ، وزراعة الأعضاء، ومنع الحمل، ومشاكل الفضاء السيبرنيتي والأقمار الاصطناعية والوسائط الإعلامية والتواصلية ومشاكل التربية والتعليم والجودة والاعتماد الأكاديمي وأخرها فيروس كورونا كوفيد ١٩ إذ لم يحدث في التاريخ الاجتماعي للإنسان  منذ حواء و آدم وأنت طالع أن توحد العالم كله كما وحده فيروس كورونا. كل تلك المتغيرات والتحولات التي طالت كل مناحي الحياة الإنسانية والاجتماعية للعالم الراهن لا ريب وإنها قد أثرت على الشعوب والدول والثقافة الإسلامية ومن ثم فمن المهم على الفاعلين العالمين والمسلمين التصدي لها بإيجابية ووضعها موضع اهتماماتهم البحثية. والسؤال هو كيف يمكن الشعوب والدول والثقافات والاديان أن تتعايش في عالم شديد التقارب والتفاعل والاحتكاك؟ إن حاجة الشعوب العربية الإسلامية إلى التعايش والسلام اليوم كحاجتنا إلى الهواء والنوم، فليس بمقدور الإنسان أن يعيش زمناً طويلاً في قلق وتوتر مستفز في كنف الخوف والرعب والفزع في ظل غياب شبه تام لشبكات الحماية والأمن والأمان والعدل والحرية. بيد أن السلام كشرط ضروري لاستمرار حياة أي جماعة إنسانية مزقتها الحروب والخصومات لا يتم من تلقاء ذاته، بل يحتاج إلى جهود جبارة من العمل المثابر والإصرار العنيد على ترسيخ قيم التسامح والتصالح والتضامن والثقافة السلمية وادواتها في حل النزعات والمشكلات كما اشار خبير السلام الدولي، جين شارب في كتابه (البدائل الحقيقية). فالتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام التعايش الاجتماعي والسلم والسلام بين الناس ويسهم في إحلال ثقافة النضال السلمي، ثقافة اللاعنف محل ثقافة الحرب والعنف والقتل والتدمير والدمار بل يمكن القول ان فضيلة التسامح هي الحد الأدنى من إمكانية العيش والتعايش المشترك في مجمع سياسي مدني مستقر قابل للنماء والتقدم والازدهار. وتهدف محاولتنا هذه إلى التوقف عند التسامح مصطلحا وفضيلة اخلاقية وقيمة ثقافية، ودلالاته ألمختلفة وسياقاته الممكنة بعده ركيزة اساسية للنضال السلمي والعدالة الانتقالية اذ يصعب الحديث عن اساليب المقاومة اللاعنفية بدون التسامح والتصالح والتضامن والحوار كشرط ضروري لحل المشكلات بالأساليب التفاوضية اللاعنفية.

وهكذا يمكن القول أن ورشة لاهوت التعايش ليست ترفا فكريا بل جاءت استجابة واعية نابعا من خضم تحديات اللحظة الراهنة التي تستدعي التفكير الجاد والمسئول في كيفية تعايش الأفراد والمجتمعات والدول والحضارات بما لديها من ثقافات ومعتقدات متعددة في حضارة إنسانية متصالحة ومتعايشة. جاء في حوار مطول مع المفكر الفرنسي روجيه دوبريه

وإلى غاية القرن الثامن عشرة كانت حضارتنا تعيش على الماضي،والاقتداء بالمسيح، والقديسين والأبطال بينما يعيش حاضرنا على وقع اللا-متوقع، أي بلا شيء سواء في الخلف أم الأمام فقط التجريب. أستشعر، ثنائية قطبية :من جهة هستيريا ورجفات من الغضب، ومن جهة ثانية الكآبة واللامبالاة  يرتفع توتر المكتئب يوميا مع عشرات الومضات،لذلك سيكون أمام المحللين النفسانيين، عملا جبارا للقيام به. وفي جوابه عن سؤال؛ ألا تشكل العولمة، سلطة أمل جديدة؟ أجاب قائلا: لا أتبين الأمر بوضوح. تنتقل البضائع جيدا، يحيا القماش والحاوية، وتتقارب بامتياز في نفس الوقت الثقافات والديانات فيتماس بعضها ببعض، مما يخلق الاهتياج ويحدث الالتهاب في المفاصل . تفاعلات شديدة الحساسية،بالتالي انثناءات ورعب هوياتي هنا وهناك " وإذا كان دوبريه يحكي عن الحضارة الغربية فكيف سيكون الحال بالنسبة لنا في العالم العربي الإسلامي الذي شهد انبعاث هذه الموجة الكاسحة للحروب الطائفية حروب دينية طائفية عشائرية جهوية سياسية مستعرة في كل مكان من بلاد العرب والإسلام (شيعية، سنيه مسيحية، عربية كردية، في العراق وسوريا. ومسيحية، شيعية، سنية، درزية، في لبنان. وزيديه، حوثية، اثنا عشرية، سنية، سلفية، عشائرية، جهوية في اليمن، ولغوية أثنية عربية، أمازيغية، بربرية إسلامية إسلامية في الجزائر، ومسيحية إسلامية، جهوية في السودان، وعشائرية طائفية مناطقية في ليبيا. الخ) يحتدم كل هذا في فضاء ثقافي نفسي مشحون بعنف مادي ورمزي، وهستيريا عصابية جماعية عدائية شديدة التحريض والانفجار (روافض، نواصب خوارج، مجوسية، صفوية، قاعدة، أنصار الشريعة، شيعية، حزب الله، أنصار الله، داعش والنصرة.. إلخ). فضلاً عن العمليات الإرهابية التي يقوم بها بعض من يدعون الإسلام في بلدان العالم المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الدول الاوربية وفي كل مكان من جهات العالم الأربع والسؤال الملح هنا ولآن هو ما الذي جعل هذا التنوع الديني الهوياتي في المجتمعات العربية الإسلامية يتحول إلى شر مستطير، بينما هو في مجتمعات كثيرة أخرى مصدر قوة ودليل صحة وعافية كما هو الحال في الهند والصين وروسيا وأمريكا وأثيوبيا وغيرها من الدول التي تضم طيفا واسعا من الهويات (ديانات، أقليات، أعراق، أثنيات، لغات، طوائف، ملل، نحل، ومذاهب وما لا يعد ولا يحصى من الجماعات الثقافية المتنوعة) هذا هو السؤال الملح الذي يجب على المشتغلين في العلوم الاجتماعية والإنسانية التصدي له، وفي سياق ذلك تأتي الحاجة إلى البحث في سبُل وممكنات التصالح والتسامح بين المسلمين بعضهم مع بعض وبينهم وبين الآخرين من شعوب العالم. إذ ان التصالح مع الذات هو شرط سابق للتصالح مع العالم، وبدلا من ان يتحول الإسلام إلى فوبيا عالمية كما يريد له اعداءه لابد من العمل على تعزيز قيم التسامح والتقبل والاعتراف والاختلاف بين الأفراد والجماعات والمجتمعات العربية الإسلامية وغير الإسلامية. اذ يستحيل ان يتعايش مجموعة من الناس في مكان وزمان متعين وهم في حالة تنافر وتنازع وصراع مستمر، هذا معناه ان التعايش ليس هبة او مكرمة او أمر عابر قابل للمساومة والتوافقات والرغبات، بل هو أول شروط الحياة الاجتماعية الممكنة في حدها الأدنى.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5805 المصادف: 2022-07-28 05:44:50


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5869 المصادف: الجمعة 30 - 09 - 2022م