أقلام فكرية

خواطري حول ما قيل عن شيئية المعدوم عند المعتزلة

عرف الفكر الإنساني نظرية "قدم العالم"، وهذه النظرية تقول إن العالم قديم قدم الخالق، فهو مخلوق له ولكن لا يتأخر عنه فى الزمان بل يتأخر عنه في الدرجة فقط لكونه معلولا للخالق، وقد انتقلت هذه النظرية إلى المسلمين عن طريق الفيلسوف الهيلينى برقلس (485 م) الذى تأثر بفلسفة أفلوطين (270 م) والأفلاطونية المحدثة التى نسبت إليه وقد تأثر بها من المسلمين بعض المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن المعدوم شىء يكتسب صفة الوجود فيخلق، أى أن الخلق ليس سوى نقل من العدم إلى الوجود، وارتبطت هذه النظرية عند المعتزلة بقولهم بارتباط الجواهر بأعراضها متأثرين في ذلك بنظرية أرسطو طاليس في المادة والصورة؛  وقد تأثر أيضا بعض الفلاسفة المسلمين بهذه النظرية وذهبوا إلى القول بقدم العالم وأثبتوا خلقه في الزمان.

فجاء تقسيم الأشاعرة للموجودات إلى قسمين فقط هما: القديم والمحدث مقابلا لتقسيم المعتزلة للموجودات الى ثلاثة أقسام: قديم ومعدوم ومحدث: فالقديم هو الله تعالى فالق كل شئ، والمعدوم هو الجسم الخالي عن الأعراض. والمحدث هو الجسم الذى انتقل من العدم إلى الوجود عن طريق اكتسابه للأعراض.

إلا أن المعتزلة قبلهم  كانت تفرق بين "العدم" "والمعدوم"، فالعدم هو اللاشىء، أما المعدوم فهو الشىء الذى يمكنه أن يوجد بالخلق ليصبح جسما، وبذلك يكون المعدوم مماثلا للممكن .

ولهذا تعد شيئية المعدوم من المسائل التي أثارت جدلا واسعا بين المتكلمين، وكانت أصلا لفكرة الأعيان الثابتة في العدم عند محي الدين بن عربي، والسؤال الآن : هل المعدوم الممكن هو شئ أم لا ؟

وإذا أردنا أن نتعرف على رأي المعتزلة في هذه المسألة، فنجد أنهم اختلفوا فيها على أقوال: فذهب بعضهم كأبي الهذيل العلاف وهشام بن عمرو، إلى أن المعدوم يقابل الوجود، فالمعدوم عندهم هو المنفي، فالنفي يرادف العدم، وأن الوجود ليس بزائد على حقيقة الذات، وأن لفظ النفي يستعمل مع لفظة العدم بالمترادف، ومن ثم فالمعدوم ليس بشئ، بل نفي محض وذلك لكون الشئ يرادف الوجود .

وممن ذهب من المعتزلة أيضا إلى أن المعدوم ليس بشئ الإمام الزمخشري في كتابه الكشاف والذي رد على من تمسك بقوله :" إن زلزلة الساعة شئ عظيم"  على أن المعدوم شئ بقوله :" قلنا لهم التمسك بأمثال هذه النصوص غير مستقيم، لأنها ليست بدلالة في محل النزاع، لأنكم لا تقولون في المعدوم الذي تثبتونه ذاتا أنه في حال عدمه يكون محلا للأعراض، ولو قلتم بذلك كان ذلك قولا بالعدم في ذات سميتموه بالعدم، لأنه تعالي سمي بالشيئية ما كان فزلزلة، فالزلزلة لا بد فيها من أعراض نحو شدة الحركة، وارتفاع الصوت العظيم، وإن أمكن كونه بهذا الوصف في حال العدم موصوفا أمكن أن يكون سببا في الحال، وإن لم يكن كان ذلك عبارة في صيرورته شيئا عندما يصير بهذا الوصف نحو ما إذا قلنا بأن نار جهنم تحرق، أو نعيم الجنة طيب، وهذا لا يقتضي كونه محرقا وطيبا للحال، بل إنما يقتضيه عندما يصير نار أو نعيما؛ فالمعدوم عند الزمخشري ليس بشئ لا ذات ولا عيان،  بل نفي محض .

ومن المعتزلة من أطلق على المعدوم اسم الشيئية فقط كأبي القاسم الكعبي، والنصيبي (وهو من معتزلة البصرة، حيث قالا بأن المعدوم لا يوصف بأنه جوهر، ولا بأنه عرض، ويقال فيه شئ، ومعلوم، ومقدور ومخبر عنه حتى وصفه بأنه مثبت ولا نعني به الوجود، ومن ثم فإن المعدوم الممكن هو شئ بمعني ثابت، متقرر في الخارج، منفكا عن صفة الوجود، فيكون المعدوم حسب قوله شيئا قبل ان يتحقق في الوجود على شريطة أن يكون في إمكانه أن يقبل الوجود، وإلا فلن يكون شيئا، ولن يتحقق أبدا، فالمعدوم منفي العين، خارج عن صفة الوجود.

أما اغلب رجال المعتزلة فذهبوا إلى أن المعدومات الممكنة قبل دخولها في الوجود : أشياء، وذوات، وكما يصح أن يسمي جوهرا وهو معدوم يصح أن يسمي شيئا، ومن تكون الذوات  متباينة بأشخاصها ولا تختلف إلا بالصفات، ولكن السؤال هنا هل الذوات موصوفة بالصفات في حال عدمها أم لا؟

وهنا يجبنا أبو رشيد النيسابوري فيقول: "ذهب شيخنا أبو اسحاق إلى أن المعدوم لا يختص في حال عدمه  بصفة يتميز بها عن غيره، فالذوات المعدومة عن جميع الصفات، والصفات لا تحصل إلا زمان الوجود، فالمعدوم ذات فقط .

وأنا أؤيد هذا الرأي الذي يري أن هو شئ  اي ان الاشياء وقبل ان يكونوا ويظهروا كانوا موجودين، وبهذا المعنى ان الوجود ليس بقديم او حديث، وعند المعتزلة ان وجود الشيء وليُقال بشيء هو شيء ليس بشرط ان يوجد ذلك الشيء وانما يكفي اثبات وجود الشيء يكفي، لذا انهم يؤمنون بوضوح بفصل الوجود والاثبات، عند اولاءك الذين اعتقدوا بفصل الوجود عن الاثبات، عند اولاءك الذين اعتقدوا بشيئية العدم، يقولون ان الوجود والاثبات والعدم والنفي مختلفان.

فبهذا المعنى ان العدم غير مساو بالوجود المطلق، كما ان الوجود غير مساو بالوجود المطلق. لذا ان النفي اعم من العدم بذاته، لأنه يمكن ان لا يكون شيء الآن ولكنه ليس بنفي كالقيامة مثلا وكما ان القرآن يقول (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) أي أن زلزلة يوم الاخرة شيء عظيم، في الوقت أن ذلك اليوم لم يأت بعد، وبعكسه أيضا، يمكن أن لا يكون الشيء في الماضي وهذا ليس بنفي كما هي الأشياء التي موجودة الآن، أي أن عكس الوجود هو العدم كما أن اعكس النفي هو الإثبات، ولكن العدم في الوجود والآن، لأن الاثبات والعدم ليسا بمخالفين. قالت المعتزلة أن الأشياء المعلومة مربوطة بوجود الأشياء في الوجود، لأن وجودهم مساو بمعلوميتهم  يجب أن يكون المعلوم شيئا ليكون لدينا العلم.

وبهذا الشكل فان المعتزلة فصلوا بين الوجود والمثبت، وعندهم الشيئية للشيء ليس هو الموجود وأن يُرى كما هي المخلوقات وإنما هو الشيء الذي يقبل الاثبات، والشيء هنا كالله ويوم القيامة، أن تلك هي الأشياء بمعنى أن العقل اثبتها، أما انهم معدومين بمعنى غير معلومين كما الله ولم يأتوا كما هو يوم القيامة، لذا كما هو حاليا لم تأت القيامة بعد ولكنها شيء، وبالشكل ذاته أننا أيضا لم نكن في الماضي، لكننا كنا شيئا، وفي النتيجة الشيئية تعني العلم والمعلومات، وإن كان في أكثر المرات وبسبب هذا التوجه اتهمت المعتزلة بأنهم يؤمنوا بقدم المخلوقات، كما هم اليونانيين القدماء، وليس بقدم الإله، وإنما في الحقيقة يمكن أن ما قصدته المعتزلة هو قبل أن يصبح الوجود شيئا كان موجودا في علم الله وهذا يجعلنا أن نقول أن العدم شيء أيضا لأن وجودهم كما هو الشيء الذهني في العلم الالهي وهو ما يجعلهم أن يكونوا شيئا.. وهذا التوجه نفسه لاحد الباحثين للثقافة الفكرية الإسلامية، وعنده أن المعتزلة عندما قالوا أن العدم شيء، لم يقصدوا أنه شيء وموجود، بمعنى وجود الأشياء في ظرف العدم قدماء، كما هو الله.

وفي الوقت ذاته آمنت المعتزلة بقوة أن الله بذاته فقط هو القديم. وحتى فكرة مخلوقية القرآن كان لها علاقة قوية بتلك العقيدة، أي أن مقصدهم بشيئية العدم، أنه شيء في علم الله، أي أنه شيء معرفي وليس بحقيقي، لم يكن كلامهم في سياق الحوارات على الوجود الفعلي، وإنما الوجود الذهني أو الواعي، أي أنها الماهية التي تقع قبل الوجود المجسد، لذا فإن هذا الموقف مستند على الموقف من العلم الالهي لأن الاشياء وقبل أن يكونوا كانوا أشياء موجودين في علم الله.

وهنا نقول مع الأستاذ "عماد علي "، بأنه لا مجال للقول بقدم المادة بناء على شيئية المعدوم، فلا يجوز إقحام مسائل عُولِجت خارج علم الكلام، في علم الكلام، فكلام الفلاسفة يلزمهم وحدهم، ولا يلزم المعتزلة، فالمادة القديمة التي تُمْنَح صورة لتخرج إلى الوجود، ليست من قول المعتزلة، ولا تلزم إلا قائليها من الفلاسفة، فشيئية المعدوم عُولجت لدى المعتزلة خارج إطار معالجة الفلاسفة لها، فهما موضوعات مستقلان، حتى وإنْ حصل تماثل في الأليات التي يتوسل بها كل منهما، وكذلك نوعية المواضيع المعالجة.

ثم على افتراض أنهم قائلوها؛ فإنَّ المادة القديمة التي قال بها بعض الفلاسفة، ليست قديمة قدم الله، أي لا تتمتع بالأولية التي هي صفة لله، فوجودها لاحق، ووجوده سابق عليها – دون أنْ نتخيل الزمان بشأن الله، فالزمان شيء نسبي متعلق بالمادة في تحركها -؛ ولهذا فاستعمال كلمة الحدوث أوْلى من استعمال كلمة القدم، رغم أنَّه يمكن تقسيم كلمة القديم إلى قديم سابق، وقديم لاحق، كما سبق أنْ قلنا: فالقديم السابق هو الله، والقديم اللاحق هو المادة التي لا صُورَة لها، ثم أنَّ القديم اللاحق يمكن تقسيمه إلى قسمين: الأول: قديم غير مُصَوَّر، والثاني: قديم مُصَوَّر، ولا بأس لو قلت عن الأول: مُحْدَث غير مُصَوَّر، والثاني: مُحْدَث مُصَوَّر، لأوْلوية الحدوث، ولكن تبقى مشكلتان متعلقة بهذا الموضوع، فلو زالت لَمَا وَجَب أنْ يُعَاب قائليها:-

المشكلة الأولى: أنْ الوجود اللاحق، أقصد المادة غير المُصَوَّرَة، لم يَصْدُر عن الله مُخْتَارا، وهذا يُوجِب على الله النقص، ولمَّا لم يكن الله ناقصا؛ وَجَب رد هذا الجزء – صدور المادة غير المصوَّرة عن الله غير مختار لها – من النظرية؛ وبهذا تكون مقبولة عقلا، حتى وإنْ تركها المعتزلة، وتَبَنَّوا الحدوث التام.. كلمة تام غير موجودة عندهم، فقد وضعتها لتمييزها عن الحُدُوث غير التام، أي غير المُصَوَّر، فالحُدُوث بلا كلمة تام عند المعتزلة تعني خُرُوج شيء من العدم المطلق إلى الوجود الذي يمكن أنْ نرى منه بالعين في هذه الحياة أشياء غير قليلة؛ وبهذا فلا شيئية المعدوم تلزم المعتزلة بقدم المادة؛ لأنَّها (شيئية المعدوم) لا تتعلق بالوجود العيني عندهم، بل بالوجود الذهني، ولا المادة غير المُصَوَّرة تلزمهم بقدمها - على افتراض تَبَنِّيهم لها - بل تلزمهم بحُدُوثها، ولكنهم لم يَتَبَنُّوها.. في كتاب المعتزلة لنفس المؤلف شرح تفصيلي عن هذه المسألة، فمن يريد المزيد فاليقرأه..

المشكلة الثانية: إنَّ المعتزلة لا يقولون بصورة أرسطو وأتباعه (.. الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن ماجه، وابن طفيل، وابن رشد، وموسى بن ميمون..)، فاختلاف الأشياء عند المعتزلة سببه الأعراض، فالأعراض هي التي تشكل المادة؛ وبهذا فتقسيم الوجود التام إلى مادة وصورة غير موجود عند المعتزلة، فالمادة أوجدها الله كما هي، والاختلاف الذي يمكن أنْ يَحْدُث فيها سببه اختلاف الأعراض؛ ولهذا فالمادة التي بلا صورة غير موجودة إلا في ذهن أرسطو، فهذه المادة التي بلا صورة معدومة عن المعتزلة في الخارج، وموجودة في ذهن أرسطو؛ ومن هنا نعود إلى شيئية المعدوم.. وللحديث بقية  في قابل الأيام.

***

أ.د محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

المراجع:

1- عماد علي: أفول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 88)، الحوار المتمدن-العدد: 6190 - 2019 / 4 / 3 - 17:19

2-د. أحمد محمود صبحي: في علم الكلام.

3- بينس: مذهب الذرة عند المسلمين – نقله عن الألمانية :محمد عبـد الهادي أبو ريدة – مكتبة النهضة المصرية، لجنة التأليف والترجمة والنشر .

4- فيصل بدير عون: علم الكلام ومدارسه – دار الثقافة للنشر والتوزيع.

5-  د. يحي هويدى: دراسات في علم الكلام والفلسفة الإسـلامية، الطبعـة الثالثة، دار الثقافة والتوزيع .

6- طه عبد المعز عارف: شيئية المعدوم عند المعتزلة ومدى تأثرهـم بالفكر اليوناني.

7- د.السيد محمد الشاهد: موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة.