أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: هل الرياضات حقيقة كونية؟

السؤال الذي يتردد الى الذهن هو هل الرياضيات ملتحمة ضمن نسيج الكون ام انها مجرد نتاج للذهن البشري؟ نحن محاطون برياضيات مجردة حتى لو لم نكن نعرف ذلك. في الحقيقة،الرياضيات هي السبب الرئيسي الذي يجعل كل الناس في العالم الحديث أحياءً ويمارسون أعمالهم. الوسيلة التي أنت تقرأ بها هذه الكلمات يتم فبركتها بسبب المعادلات المعقدة المرتبطة بميكانيكا الكوانتم. معظم الطعام والمنتجات الاخرى التي نشتريها وتصل الى مخازننا تتم بفضل رياضيات صارمة تدور حول ديناميكيات شبكة التجهيز. وبهذا، نحن نعم محاطون بالنتائج الواقعية للرياضيات مهما كانت درجة التجريد التي تكتنفها. ولكن تحت ذلك تكمن حقيقة هامة أعمق بكثير وسؤال أكثر أهمية وهو هل الرياضيات واقعية؟

هل الحقائق المتجسدة في تلك الرياضيات واقعية بحد ذاتها؟ هل الرياضيات بطريقة ما منحوتة في نسيج العالم، او في أفكار الله؟ (قبول هذا الوصف او رفضه يعتمد على ميول المرء). ومن جهة اخرى، ربما الرياضيات هي فقط شيء ما نحن اخترعناه . لغة مثل أي لغة اخرى – صادف ان تكون عظيمة الفائدة في بناء الكومبيوترات وادارة شبكات التجهيز.

هناك الكثير ينتظر الجواب على هذا السؤال، بما في ذلك قدرتنا على التحدث مع كائنات فضائية، لو حدث ان التقينا بها.

الرياضيات كعظام للعالم

فكرة ان الرياضيات هي وحدها الواقع الحقيقي تعود تاريخيا للفيلسوف افلاطون قبل أكثر من الفي سنة. افلاطون يرى ان الرياضيات – الهندسة بالنسبة له – كشفت واقعا مختبئا يشكل الاساس الذي تقوم عليه. الرياضيات بالنسبة لافلاطون تشبه هيكلا عظميا غير مرئي يُعلّق عليه جسد العالم. العلاقات الهندسية للمثلث تشكل المثلث الحقيقي والتام. جميع المثلثات التي نصادفها في حياتنا هي معيبة وأمثلة ناقصة لتلك التي تصفها الرياضيات. بهذه الطريقة، فان كل شيء نتعامل معه هو نسخة رديئة للأشكال المثالية التامة للرياضيات الموجودة في عالم المُثل.

قد يعتقد احد ان هذه فقط نسخة من مهارة اليونانيين القدماء المفرطة. ومع تعاقب القرون وتقدّم العلم الحديث وتأملاته في القرن السادس عشر،حصلت الإفلاطونية في تقديرها العالي للرياضيات على أنصار ومؤيدين جدد. وفي أعقاب اسحق نيوتن، اصبح من المستحيل تجاهل تطبيق الرياضيات المعقدة على مشاكل العالم الواقعية. اختراع نيوتن للتفاضل والتكامل بشّر بعصر جديد يمكن فيه للمعادلات الديناميكية ان تتنبأ بكل شيء بدءاً من حركة الكواكب وانتهاءً بمسار قذيفة مدفع.

بعد نيوتن،اتخذت هذه المعادلات الديناميكية أشكالا أكثر تجريدا. وعلى أيدي علماء مثل جوزيف لويس او وليم هاملتون، كانت الرياضيت المتعلقة بشيء ما مثل دوران كوكب حول الشمس يتم تصويرها على شكل هندسي يشبه الحلقات المتعددة الأبعاد. لو عرفنا خصائص الحلقات، نستطيع التنبؤ بحركة الكوكب.

اذا لم يكن ذلك المستوى من التجريد غريبا بما يكفي، فان نسبية اينشتاين استكملت ذلك حين ظهرت بأبعادها الهندسية الأربعة للزمكان. بعد ذلك جاءت الرياضيات التجريدية الغريبة لميكانيكا الكوانتم، رياضيات غريبة جدا لدرجة أمضت العقول الذكية سنينا قبل ان تتمكن من فهمها .

هل هي لغة عالمية ام لغة محكية؟

التجريد أنتج أجوبة سمحت ببناء كومبيوترات، طيران المسبار الفضائي نحو المريخ، او وصف هيكل المادة. قدرة الرياضيات الخارقة على التجريد في وصف العالم حفز المنظّر الكبير ايجين ونغر Eugene Wigner لكتابة مقال "الفعالية اللامعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية". في هذا المقال الشهير ذكر الكاتب ان،"معجزة قابلية لغة الرياضيات لصياغة قوانين الفيزياء هي هدية رائعة نحن لم نفهمها ولا نستحقها". هذا يفسر لماذا كان العديد من الفيزيائيين افلاطونيين بشكل او بآخر حول تأثير الرياضيات في فيزيائهم الرياضية. انه تماما يشبه ان الرياضيات ترتبط بشيء موجود تحت هذا العالم – شيء يعطيها أساسا.

بالنسبة للعديد من الرياضيين والفيزيائيين والفلاسفة، هذه الرؤية في المعادلات كـ "فكرة في ذهن الإله" هي سوء فهم كبير. هم يرون ان الرياضيات تعمل لأننا اخترعناها. فائدتها هي انعكاس لحقيقة اننا ومعنا أدمغتنا تطوّرنا في العالم. إختراعاتنا الرياضية تعمل لأن تجسيدنا في العالم يعني اننا واعون سلفا  بالطريقة التي تتصرف بها. (هذه هي الرؤية الشهيرة لعالم الإدراك جورج لاكوف). تعقيد آخر للجدال هو ليس جميع الرياضيات تعمل في العالم. الكثير منها لم يجد تعبيرا في الفيزياء ابدا. هنا تنوّع واسع بالرؤى غير الفيزيائية التي تنكر فكرة ان الرياضيات هي الشيء الأكثر واقعية. اذاً، ماذا هي؟

الجواب بوضوح له انعكاسات فلسفية ثقيلة، لكن هناك نتائج تطبيقية ايضا. لو أمكن لنا إجراء اتصال مع كائنات فضائية، كيف يمكن الاتصال بها؟ اذا كانت الافلاطونية صائبة، عندئذ كل الحقائق الرياضية يجب ان تكون عالمية. الرياضيات الفضائية يجب ان تكون تماما مثل رياضياتنا. في تلك الحالة، نحن نستطيع استعمال الرياضيات كنوع من حجر روزيتا Rosetta stone(1)، ذلك سوف يعطينا طريقة للبدء بفهم بعضنا البعض. لكن اذا كانت الرياضيات شيء جرى اختراعه ولم يُكتشف، فسوف لن يكون هناك سبب للاعتقاد بوجود علاقة بين رياضيات فضائية ورياضياتنا. في تلك الحالة سوف لن نكون قادرين على الاتصال. اذاً ماذا نعتقد؟ هل نحن حقا مجرد ظلال لمجموعة عميقة من الحقائق الرياضية؟ ام اننا وتجاربنا شروط مسبقة لوجود أي رياضيات ؟  

***

حاتم حميد محسن

..................

الهوامش

(1) حجر روزيتا او حجر رشيد، هو حجر بركاني اسود وُجد عام 1799 في مدينة رشيد شمال مصر. الحجر يحمل نقوشا باليونانية واستُخدم لفك رموز اللغة الهيروغلوفية المصرية القديمة.

في المثقف اليوم