بأقلامهم (حول منجزه)

هيام الفرشيشي تحاور الكاتب والباحث العراقي ماجد الغرباوي

ـ عندما تعي الذات العربية سر تخلفها ستضع التسامح في سلم أولوياتها.

- الثّقافة والفنّ رسالة إنسانيّة، عليها تقع مسؤوليّة تطوير وعي الفرد والنّهوض به إلى مستوى أرقى  

هو كاتب وباحث عراقي يعيش في أستراليا، مؤسس ورئيس تحرير صحيفة «المثقف» الإلكترونية، ومؤسس ورئيس مؤسسة المثقف العربي بسيدني/ استراليا www.almothaqaf.com.

- شارك في عدد من الندوات والمؤتمرات العلمية والفكرية.

- مارس التدريس ضمن اختصاصه في المعاهد العلمية لعدة سنوات.

- حاز على عدد من الجوائز التقديرية على  أعماله العلمية.

- رئيس تحرير ومؤسسة سلسلة رواد الاصلاح.

- رئيس تحرير مجلة التوحيد (فكرية - ثقافية) الاعداد: 85-107

- عضو هيئة تحرير كتاب التوحيد

- صدر له 14 عملا مطبوعا (تأليفا وتحقيقا وترجمة) إضافة إلى عدد كبير من الدراسات والبحوث.

- من كتبه «إشكاليات التجديد» و«التسامح ومنابع اللاتسامح... فرص التعايش بين الأديان والثقافات» و«تحديات العنف»

 معه كان لنا هذا الحوار:104 tasamoh2

•عني الكتاب «التسامح ومنابع اللاتسامح...» بإرساء فكرة التسامح، فكيف يتجذر التسامح ثقافيا في ظل صراع الثقافات، ومحاولة تحويل الذات العربية الى الهامش الذي يدور في فلك الآخر؟

ـ عندما تعي الذات العربية سر تخلفها ستضع التسامح في سلم أولوياتها. لأن تعدد الثقافات أمر طبيعي، فتارة تتصارع وأخرى تتحاور أو تتكامل، والثقافة القوية في أنساقها المعرفية تؤثر بالثقافة الضعيفة. بمعنى هناك ثقافة فاعلة قادرة على  التأثير وأخرى منهزمة. مع التأكيد أن الأولى لا تؤثر ما لم تكن للثانية قابلية على التأثر. فمهما تكن الثقافة المقابلة قوية وفاعلة، إلا أنها ستنهزم أمامي عندما أكون متماسكا، قويا وفاعلا. وبالتالي فأسس المشكلة في ضعفنا، واستعدادنا للفرار عند أول منازلة ثقافية. ومن هنا فإن محاولة تحويل الذات العربية إلى الهامش الذي يدور في فلك الآخر (كما جاء في السؤال) نحن أحد أسبابه الرئيسية، وتارة يكون السبب محصورا بنا. وإذا أردنا النهوض وتجاوز محنتنا علينا العودة إلى الذات لنقدها بعنف كي تتحرر من أنساقها المعرفية، وإعادة بنائها بشكل آخر.

المشكلة الأساس في نظري هي الروح الاقصائية الثاوية في لا وعينا، فرغم حاجتنا للتسامح وقبول الآخر، لتعدد ثقافاتنا وخلفياتنا الدينية والمذهبية، إلا أننا مازلنا وسنبقى نتقوقع في حلبة الإيديولوجية، ونتحصن بها ضد الآخر. فالآخر بالنسبة لنا إما أن يشبهني وإلا فهو عدوي وإن لم أصرح، ويكفي دليل على ذلك انطباع كل دين عن دين، وكل مذهب عن آخر، وأيضا الصراعات السياسية المستشرية. فلغة التكفير والتنابذ سلاحنا في التفاهم مع أبنائنا وإخواننا، فكيف بالآخر البعيد؟. لذا تأصل فينا الضعف، وأصبحنا أجزاء متناثرة، تتشدق بعناوين فارغة لم تستطع الصمود في مواجهة التحديات الثقافية. وعليه يجب التخلص من الروح الإقصائية كشرط أساس لنهوضنا، والارتقاء بنظر الفرد العربي من مستوى الايديولوجيا إلى مستوى قيم الإنسان، ومن ثقافة الاقصاء والتنابذ الى  ثقافة التسامح، كي توحدنا الإنسانية، ونكون كتلة متماسكة في بنائها الثقافي والمعرفي. وهذا لا يتحقق ما لم تنتشر قيم التسامح، ويتبنى الجميع ثقافة قبول الآخر، بعيدا عن خصوصياته.

يجب أن يفهم الإنسان العربي أن الخصوصيات وجهات نظر لا تمثل الحقيقة المطلقة، وما دامت وجهات نظر فهي تحتمل الصواب والخطأ. وعليها تقبّل المراجعة والنقد.

إذن أعود للسؤال وأقول أن إرساء قيم التسامح ممكنة في ظل الصراع الثقافي (مع تحفظي على  الإطلاق في السؤال) شريطة أن تعي الذات العربية سر تخلفها، وتنوي التخلص من الروح الإقصائية، حينئذ سيكون التسامح الثقافة الأساس في  عملية إعادة بناء الذات العربية. 

هل ترى أن التسامح نسق ثقافي، وفكري، وعقيدي مغاير وليس مفهوما إيديولوجيا؟

ـ لا شك أن التسامح نسق ثقافي وفكري وعقيدي مغاير لمفهوم الإيديولوجيا. بل يتقاطعان، فالايديولوجيا ترتكز إلى تنزيه الذات، والشعور بالتفوق والفوقية، وامتلاك الحقيقة المطلقة، كما يرتكز الوعي في الايديولوجيا للعواطف والمشاعر والحماس، والدفاع عن العقيدة، وعدم مناقشتها فضلا عن نقدها. كما ان الايديولوجيا تحتكر الحقيقة وتحرم الآخر منها تماما، فلا تتوانى في اضطهاده، وتكفيره كمقدمة لاستباحة دمه. والتاريخ يعج بالصراعات الايديولوجية، وعدد ضحاياه يفوق التصور. لأن الفرد الايديولوجي مؤمن بما يعتقد إلى درجة يحرّم على نفسه قبول أي ملاحظة فضلا عن النقد العنيف، ومستعد للتضحية من أجل ما يحمله من أفكار مؤدلجة. فالحكم في الايديولوجيا ليس للعقل والمراجعة وإنما للعاطفة والمشاعر فقط.

أما التسامح، فيختلف جذريا عن الحس الايديولوجي، ويرتكز أساسا إلى العقل والنقد والمراجعة، ويرفض احتكار الحقيقة المطلقة، ومستعد للمراجعة والنقد، وتغيير وجهة نظره، إذا ثبت العكس بأدلة قاطعة وصريحة، ومستعد للتعايش مع الآخر على أسس إنسانية بعيدا عن الخصوصيات. من هنا صار التسامح نسقا فكريا وعقيديا وثقافيا مختلفا.  

• كيف ترى الثقافة والفنون دون نسق قيمي وأخلاقي؟

ـ الثقافة والفنون تجليات لنسق فكري وعقيدي وثقافي، ودائما تعكس في طياتها شحنة فكرية وثقافية عالية. فهي بالتالي تحمل نسقا قيميا وأخلاقيا ولو بنسب متفاوتة، إلا أننا نختلف في تحديد تلك القيم. هل القيم والأخلاق قضايا مطلقة أم نسبية؟، فمثلا ما نراه محرما قد لا تراه ثقافات أخرى كذلك. ويبقى كل إنسان وما يحمل من خلفية، وهناك من يقول بالفصل بينهما، وآخر لا يطيق ثقافة وفنونا بعيدا عن الأخلاق والقيم سواء الدينية أو الإنسانية والاجتماعية. وهناك من يتحدث عن الجنس أدبا وثقافة وكأنه يلهو بملهاة، لا يهتم لأحد. وآخر يتعفف في منطقه ويكتفي بالإيماء والرموز ان أراد التطرق للجنس.

ويبقى المجتمع هو السلطة التي تقيد منطق الفرد، لولا انهيارها في فضاء الانترنيت. أما بالنسبة لي، فأنا تهمني التداعيات الخطيرة المترتبة على ذلك، لأن الثقافة والفن رسالة، وإن لم تكن مؤدلجة، إلا أنها رسالة إنسانية، عليها تقع مسؤولية تطوير وعي الفرد والنهوض به إلى مستوى أرقى، وما لم تشتمل الرسالة على نسق قيمي وأخلاقي، سوف تفضي بالمجتمع إلى  الانهيار.

وربما تسألين: ولماذا لا تنهار المجتمعات الغربية الحرة؟ أقول المقارنة خطأ، ولكل مجتمع خصائصه ومصادر تماسكه. فمهما تحرر الفرد المسلم والعربي، إلا أن المجتمع بشكل عام ما زال يزخر بالقيم، يتبناها وتعهدها ويحافظ عليها، وهي سر تماسكه. 

• ظهرت ثقافة العنف وفنون العنف في مجتمعات القانون والمؤسسات، وخاصة ثقافة العنف التي تبخس المرأة كقيمة، والتي ترسي التوتر بين طرفي المجتمع، ما هي منابع العنف في المجتمعات المنظمة في رأيك؟

ـ في كتاب تحديات العنف (للكاتب نفسه) الذي صدر مؤخرا هناك فصل يتقصى علاقة الذات الإنسانية بالعنف، هل هي ذاتية أم لا؟ وهناك قلنا أن العنف ثانوي في اعماق النفس البشرية، وينتظر شروط فاعليته. فهو موجود سواء كانت الذات عربية مسلمة أو أجنبية غير مسلمة. كل إنسان يحمل استعدادا كامنا للعنف، متى توفرت شروطه يتحول الى  فعل خارجي. ومناشيء العنف متشابهة في  أغلب مصادرها. فالروح الاستعلائية لدى  الرجل والشعور الذكوري موجود، يلازم الإنسان، لكن يختلف من شخص إلى  آخر كلا حسب ثقافته وخلفيته. فهناك كبح مستمر للعنف في دول القانون فلا يظهر إلا نادرا لكنه غير معدوم تماما. وعندما أقول نادرا   أعني ما أقول باعتبار أنا أعيش في تلك المجتمعات، وأتابع مساراتها. وإنما يسلط عليها الضوء في أعلامنا لأسباب أيديولوجية، كي نثبت للمخاطب درجة انحطاط تلك المجتمعات من الناحية الأخلاقية، فيهول الخبر، لكن عند دراسة النسب المعلنة مقارنة بعدد السكان وطبيعة المحيطات الاجتماعية نجد النسب عادية. ولم يقتصر العنف في تلك الدول على  الرجل، بل المرأة أيضا تمارس العنف في حالات خاصة. ولو لا شدة القانون ورفد الوعي باستمرار ثقافيا وفكريا، ربما كانت الممارسات أكثر شيوعا فيها. لكن مهما كانت النسب لا تقارن بالنسبة في بلداننا العربية والإسلامية للأسف الشديد على الضد من قيمنا الدينية. 

• هل ترى أن الحداثة تحمل بين طياتها خطاب العنف، بما أنها تذيب الذات العربية والإسلامية وتهمشها وتهشمها؟

ـ لا أدري بالضبط إذا كنت الحداثة تحمل بين طياتها خطاب العنف، وحبذا أمثلة أخرى لتوضيح الصورة (إلا إذا رافق دخول الحداثة قوة عسكرية أو مخابراتية)، وأما الاستدلال بأن الحداثة تذيب الذات العربية والإسلامية وتهمشها وتهشمها، فهذا يحتاج إلى دليل. وأنا هنا لست أدافع عن الوافد الغربي، ولا أقوم بحمايته، وإنما أتسلح بالموضوعية للرد على  السؤال، لأني أشرت في الجواب الأول إلى  أن السبب الأساس في هزيمتنا مقابل الوافد الغربي هي القابلية على  التهميش والتهشيم، بسبب الروح المفككة والمتصارعة في داخلنا. ولولا ذلك لكانت لدينا حصون تقاوم الاختراق، إذ من الطبيعي أن تحمل الحداثة في طياتها انساقا ثقافية مغايرة، وقد أثرت بالفعل في جانبيها الإيجابي والسلبي. إلا أننا نحن المسؤولون أولا عن الشق الثاني.

 ***

حاورته: هيام الفرشيشي 

.................................

هذا الحوار خاص بصحيفة الحرية التونسية (عدد: الخميس 8-4-2010)، وقد تمت الموافقة على اعادة نشره في صحيفة المثقف، فيرجى ملاحظة ذلك.