أقلام حرة

مزار القطارة الحالي وهمي ولكن الحادثة المنسوبة للإمام علي موَّثقة تأريخيا

علاء اللاميمزار القطارة الحالي وهمي ولكن الحادثة المنسوبة للإمام علي موثقة تأريخيا: يمكن أن يستخلص المتابع لما نشر حول مزار القطارة خلال الأيام القليلة الماضية، في أعقاب كارثة انهيار المزار ومقتل ثمانية مواطنين بينهم نساء وأطفال وإصابة آخرين، أن الحادثة التي حدثت بعد خروج الإمام علي بن أبي طالب إلى معركة صفين، واكتشافه لنبع القطارة، موثقة في بعض كتب التاريخ ومنها؛ كتاب ابن شهر آشوب (المتوفى بحلب سنة 588 هـ /1192 م) وابن بابويه (المتوفى في بقم سنة 329 هـ/ 939م)  في أمالية، ومؤرخون آخرون، كما ورد في مقالة منشورة على موقع الروضة الحيدرية/ الرابط1، وقد وردت الحادثة في نص شعري للشاعر السيد الحميري (المتوفى ببغداد في تاريخ مختَلَفٍ عليه وأرجحه سنة173 هـ – 789 م) وكان الشاعر من الخوارج الإباضيين ثم تحول الى التشيع الاثني عشري لاحقا. لقد ذكر السيد الحميري الحادثة في قصيدة موجودة فعلا في ديوانه وقال فيها:

ولقد سرى فيما يسيرُ بليلةٍ

بعد العشاءِ بكَربلا في موكبِ

حتى قوله:

قال اقلبوها إنّكم إنْ تقلبوا

تُرْوَوا ولا تروَوْن إن لم تُقلب

فاعصَوْصَبوا في قَلعها فتمنَّعت

منهم تمنُّعَ صَعبةٍ لم تُرْكَبِ

حتى إذا أعيتهمُ أهوى لها

كفّاً متى تَردُ المُغالِبَ تَغْلِبُ

فسقاهمُ من تحتِها متسلسِلاً

عَذباً يزيدُ على الأَلذِّ الأَعذبِ.

تجد القصيدة كاملة في رابط يحيل الى ديوان الشاعر/ الرابط 2. وفي رواية شهر بن آشوب /الرابط 1، ينسب الراوي دعاء بلغة غير عربية قال إن الإمام لي قاله (ويده مرفوعة إلى السماء: طاب طاب يا عالم يا طيبو ثابوثة شميا كويا جانوثا توديثا برجوثا، آمين آمين رب العالمين رب موسى وهارون). وقد ترجم أحد القراء جزءا هذا النص وقال إنه باللغة الآرامية / السريانية فعلا، وقال إن بعض الكلمات فيه غير مفهومة. وقد ذكَّرني هذا الدعاء بالآرامية بالمقولة التي تنسب الى الإمام والتي قال فيها لمن سأله عن نسبه "نحن نبط من كوثى". والنبط من الآراميين كما تؤكد الدراسات الحديثة، وكوثى بلدة مندرسة قرب بابل القديمة، وكنتُ قد رجحتُ في دراسة سابقة أن مقولة الإمام يمكن تفسيرها بأنها تأتي ضمن تواضعه المشهور ورفضه لعجرفة كبراء قريش. وما أزال عند رأيي هذا، إلا إذا صحت نسبة هذا الدعاء إليه بشكل لا يقبل الدحض وبالدليل الملموس "الإركيولوجي" أو التأريخي، فعندها ينبغي عليَّ مراجعة وجهة نظري هذه.

* إذن، لا يمكنني الآن الجزم بصحة هذا الدعاء وبنسبته إلى الإمام ولكني أسوقه للعلم به ولتأكيد أنَّ الحادثة موثقة فعلا. وأقول "موثقة" بمعنى واردة في كتب التاريخ الإسلامي القديمة ولكني أترك أمر التصديق بها من عدمه لكل شخص يطلع عليها، فهذا أمر شخصي إذ أنَّ الحادثة تقارب المعجزات والكرامات الدينية بما تضمنته من فعل خارق للطبيعة خصوصا في اقتلاع الصخرة من مكانها بيد الإمام علي بعد أن عجز العشرات من الرجال عن فعل ذلك، ومعلوم أن الإيمان بالمعجزات الدينية كالإيمان بالأمور الغيبية أمر شخصي بحت. ومع ذلك فلا يمكننا استبعاد احتمال أن تكون الحادثة قد حدثت فعلا في ذلك العهد ولكن الرواة بالغوا في تفاصيلها لاحقا أيما مبالغة وأضافوا إليها الكثير، من قبيل حكاية الراهب شمعون، ضمن منطق أسْطَرَة الحوادث الدينية وتحويلها الى معجزات.

نأتي إلى ما نشر من معلومات حول المزار وموضعه الحالي؛ فقد كتب السيد صباح صالح مقالة بعنوان (تاريخ كذبة اسمها قطارة الامام علي"، ونشرتُ نصها كتعليق على منشوري السابق للعلم بها ليس إلا. يخبرنا فيها الكاتب بالآتي: "في عام 1913 قام الباحث كاظم الدجيلي برحلة استطلاعية الى منطقة كربلاء و شثاته و بابل نشرها في مجلة لغة العرب (للكرملي) على حلقتين في (الجزء 1 من السنة 3 من رجب و شعبان 1331هج – تموز 1913)، قام فيها بتوثيق المسافات و الطريق و المشاهدات هذا الطريق و بالتفصيل الممل لكنه بأسلوب ادبي رفيع و عن الطريق من كربلاء الى شثاثه (عين التمر) ووثق المكان". ويخلص بعد أن يستعرض مسيرة الكاتب في المنطقة إلى القول إن (القطارة المنكوبة تقع في الربع الاخير من المسافة التي ذكرها الاستاذ الدجيلي حيث لم تكن موجودة وقتها أو لم تعرف بكيانها المعروف لاحقا، و أول معرفتي بها منتصف الستينات باسم القطارة وكانت مكان استراحة لسائقي لوريات الرمل لوجود خرير ماء فيها يقع بين شقوق صخور ترابية ظهرت على ساحل منطقة الطار بفعل عوامل التعرية الجوية و سيل الماء الذي يتكون من سقوط الامطار الذي يحفر أخاديد في طبقات الطار الهشة على طوله من منطقة طار السيد (الكهوف قرب وادي الابيض) حتى المدينة السياحية في الرزازة (قبر الشيخ مْحروث الهذال) والتي كانت تشهد انهيارات حسب قوة الامطار و سيل المياه المتكونة و قرب شواطئ الرزازة منها.

ويضيف الكاتب "وفي إحدى سفراتي للمنطقة فوجئت بوجود رجل رث الثياب يجلس على الدكة وأمامة صينية صغيرة ويضع في يده اليسرى قطعة من القماش الاخضر مدعيا انه سيد من ذرية الرسول وهو كليدار هذه القطارة للإمام علي وكان يتوسل منا التبرع لخدمة هذه القطارة! وهو يحضر صباحا مع مجيء السواقين ويذهب مع آخر سيارة بعد جمعه المقسوم، بعد التغيير في 2003 بدأت الانظار تتجه نحو هذه القطارة وسعى المرتادون الى نحت سلم من أعلى المنطقة باتجاه موضع القطارة، وصار مكان للراحة والجلوس للمستطرقين المارين من كربلاء الى قصبة عين التمر". ويضيف "وفي عام 2006 و بعد ظهور المجاميع الارهابية للقاعدة و كثرة الاشاعات بقربهم من كربلاء، حدثت حادثة عرضية و طبيعية نتيجة شدة الامطار و سيل الماء الجارف ان هدمت اجزاء من الطبقات العليا للتلال المحيطة سببت سقوط كتل ترابية سببت تغطية القطارة و الدكة الخراسانية و كسرت النخلة الوحيدة قرب المكان، فسرت إشاعة ان القاعدة قامت بسف المكان و تحطيم القطارة! ، فبدأ الاهتمام بها و تبرع أحد المتبرعين من الخليج بمبلغ لبناء قبة و غرفة في هذا المكان. ووضع لافتة كبيرة على بداية الطريق باسم قطارة الامام علي! وأقيم في بداية الشارع نقطة حراسة عسكرية متنقلة، ولم تمر إلا ايام حتى قام أحد المتعهدين ببناء وتوسيع مكان القطارة ببناء كونكريتي دون التفكير او استشارة المختصين بصلاحية التربة وتحملها هذا الثقل المعماري وبدأت الوفود من داخل العراق وخارجه بزيارة المكان والتبرك بمائه".

الخلاصة التي يمكن ان نخرج بها مما تقدم هي أن المزار المسمى قطارة الإمام علي هو مزار وهمي وقد أقيم في موضع بعيد عن موضع الحادثة المنسوبة الى الإمام علي بن أبي طالب. أما الحادثة بحد ذاتها فقد وردت في بعض المصادر التأريخية، ويبقى التصديق بها وبكل تفاصيلها أمر شخصي بحث يخص كل إنسان فإن كان يؤمن بالأمور الغيبية والمعجزات الدينية آمن بها مثلما يمكن لغيره أن لا يفعل.

أما من الناحية العملية فإن من واجب الدولة والجهات الدينية الحريصة على سمعتها وسمعة دينها ومقدساتها أن تقف بصدق وشجاعة ضد ظاهرة الدجل والخداع الديني والتضليل الطائفي، خاصة منه ظاهرة تكاثر المزارات والأضرحة الوهمية بشكل مريع وخصوصا في وسط وجنوب العراق حتى غدت بالمئات وربما الآلاف. وأن تُطلَق حملة لتهديمها ومعاقبة من يتاجرون بها باسم الدين لا أن تدعو إلى إعادة تأهيل المزار المنهار تحت إشراف الدولة كما دعا أحد قادة التيار الصدري "حليم الفتلاوي" يوم أمس/ موقع ناس.

 لتكن هذه الكارثة والدماء البريئة التي سفكت فيها مناسبة للوقوف بوجه هذه الظاهرة الإجرامية المسيئة للدين وللناس، أعني ظاهرة انتشار المزارات والأضرحة الوهمية وهي بالمئات ومنعها ومعاقبة المتاجرين بها والمنتفعين منها ومن بؤس الناس بأشد العقوبات. وليُفْعَل بها ما فعله المرجع النجفي الراحل محمد حسين كاشف الغطاء حين أمر بهدم مرقد وهمي تحت اسم " مرقد صكبان بن جعفر الصادق". وبهذا الخصوص كتب السيد عبد اللطيف الياسري: في الخمسينات من القرن الماضي، ظهر مرقد باسم مرقد سيد صكبان بن جعفر الصادق في مدينة غماس، وعندما علم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وكان من كبار مراجع النجف أرسل مجموعه من أتباعه لهدم قبر صكبان وازالته من الوجود!

*الرحمة لضحايا انهيار المزار المذكور، والعار لكل المتاجرين بالدين وعقائد الناس البسطاء الفقراء من أجل جمع المال السحت ولمن يشجعهم أو يتبناهم.

***

علاء اللامي

.....................

روابط للتوثيق:

1- رابط يحيل الى مقالة عن القطارة على موقع مكتبة الروضة الحيدرية:

https://www.haydarya.com/?id=914&fbclid=IwAR354eFC9GR1iXpqr588ydnlrt1S-twSjVBgySwAYfJHp7mmL76WojB45fw

2- رابط يحيل الى ديوان السيد الحميري على النت:

https://www.aldiwan.net/poem89634.html

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5832 المصادف: 2022-08-24 02:12:39


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5929 المصادف: الثلاثاء 29 - 11 - 2022م