أقلام حرة

مزهر جبر الساعدي: فلسطين.. الشعب والمقاومة كتلة واحدة

توقفت المجازر الإسرائيلية، لمدة أربعة أيام أو خمسة أيام؛ بهدنة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي، والمقاومة الفلسطينية في غزة، بوساطة قطرية مصرية، وبدعم أمريكي غائي نشيط وقبل انتهاء الأربعة أيام تم تجديدها إلى يومين آخرين؛ حتى تتم عملية تبادل الأسرى من الجانبين. هذه الهدن وإن كانت تكتيكية، لكنها بكل تأكيد؛ تشكل انتصارا واضحا للمقاومة الفلسطينية في غزة، على قوة وفتك وجبروت السلاح الأمريكي والغربي والإسرائيلي الذي في حوزة جيشه؛ الذي واصل بها واستمر في المذبحة على مدار ستين يوما، إلا أن روح الصمود والمقاومة عند المقاومين الفلسطينيين في غزة كانت هي الأقوى. في خضم هذا الصراع الذي ليس فيه أي تكافؤ أبدا، وما أقصده هنا هو السلاح الفتاك؛ صدرت عدة تصريحات من مسؤولين عرب ومسؤولين في أمريكا أو في الغرب؛ عن الوضع الذي ستكون عليه غزة بعد توقف إطلاق النار، أو انتهاء الحرب فيها، والأصح انتهاء المذبحة الإسرائيلية هناك. جميع هذه التصريحات تثير لدى المتابع الكثير من الأسئلة والشكوك وعلامات الاستفهام؛ حول كنه هذه التصريحات وهل هي من أجل القضية الفلسطينية، أي وضع حلول لها، تلبي مطالب الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والسيادة في دولة معترف بها دوليا؛ على الأراضي الفلسطينية، التي احتلتها إسرائيل في الخامس من يونيو 1967، أم أن العملية برمتها؛ هي استثمار للوقت لصالح الكيان الصهيوني؟ جميع هذه التصريحات، لم تأت على الآلية التي بها، أو على طريقها يتم إجبار دولة الاحتلال الإسرائيلي على النزول من على قمة جبل الأطماع في الأرض الفلسطينية. من الجانب الثاني هذه التصريحات تأتي في الوقت الذي لا تزال فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من هزيمتها الواضحة؛ تصر على مواصلة محارقها ضد الشعب والأرض في غزة؛ إذ، يقول مسؤولوها؛ إنهم سيواصلون عملياتهم العسكرية في غزة حتى إنهاء المقاومة، وتحرير المخطوفين (الأسرى) من يد حركة المقاومة الفلسطينية. إلا أن الأسرى العسكريين الإسرائيليين لدى المقاومة؛ من المستحيل أن تتم مبادلتهم بالطريقة ذاتها التي تم على هديها، أو على أساسها إبرام أو الموافقة على تلك الهدن التكتيكية. استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة أرضا وشعبا؛ سيواجه بقوة وصلابة في الموقف، على أرض المعركة، وبالتوازي سوف تصر المقاومة الفلسطينية على موقفها، الذي أعلن على لسان قادتها؛ من أن أي مبادلة للأسرى العسكريين الإسرائيليين؛ لا يتم الا بتحرير الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي. المسؤولون العسكريون الإسرائيليون، يقولون ويؤكدون في تصريحاتهم المتتالية؛ أن دولة الاحتلال الاسرائيلي؛ ستستمر في المعركة، أي في مجازرها في غزة؛ وهذا صحيح في الجولة الأولى من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، أرضا وشعبا، لكنها تاليا؛ سوف تضطر إلى تقليص عديد جنودها، وأدوات إجرامها، أي بقاء جزء من قواتها على أرض غزة، وفي تطويق المدن المهمة فيها، أي أنها سوف تتحول إلى معارك استنزاف بين جنود الصهاينة، ومجاهدي المقاومة الفلسطينية، إلى فترة قد تستمر عدة أشهر، لكنهم في النهاية سوف يقبلون صاغرين، شروط المقاومة الفلسطينية وأولها الاعتراف، بأن المقاومة في غزة وفي غيرها من أرض فلسطين؛ لا يمكن مطلقا استئصالها؛ لأنها والشعب الفلسطيني؛ كتلة واحدة في الموقف والصراع مع عدو مجرم، في جسد واحد موحد كليا، في مواجهة أداة الفتك الأمريكية والغربية الإسرائيلية، التي يمتلكها جنود الاحتلال، الذين لا يمتلكون ضميرا، يردعهم عن استهداف المدنيين العزل من السلاح. وثانيا، في ما يخص تبادل الأسرى بين الجانبين؛ تصر فيه المقاومة الفلسطينية على مبادلة الأسرى العسكريين الإسرائيليين بالأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، خصوصا أن بين الأسرى الإسرائيليين العسكريين، من هم برتب عسكرية رفيعة المستوى.

إن دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت قبل ما يقارب العقدين؛ تحتل غزة، لكنها انسحبت منها تحت ضربات المقاومة الفلسطينية، وليس رغبة منها في منح غزة وشعبها الفلسطيني الحرية والاستقلال على أرضه، وهذا هو ما سوف يحدث لاحقا، ربما بعد أشهر قليلة من الآن. ليس أمام دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ إلا التسليم وهي صاغرة، إذا أرادت لدولتها البقاء والوجود؛ بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية في سوريا ولبنان، والقبول بالمبادرة العربية للسلام، فلا طريق أمامها وأمام داعميها من الأمريكيين والغربيين، إلا هذا الطريق ولا طريق غيره أبدا، مهما طال أمد الصراع. أما طرح بعض المسؤولين العرب؛ حل الدولتين؛ بالاعتراف بدولة فلسطين على حدودها قبل الخامس من يونيو، دولة منزوعة السلاح، بضمانة قوات من حلف شمال الأطلسي، أو قوات أممية أو عربية، فتثير الشك والريبة، للأسباب التالية: أولا؛ لا يمكن تحويلها إلى واقع على الأرض من الناحية القانونية، أي أنها ستظل غير معترف بها دوليا؛ لأن أمريكا والغرب سوف يقفان بالضد منها، إلا بموافقة دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهذا أمر مستبعد تماما في الوقت الحاضر، وإلى الأمد المفتوح. ثانيا، هذا يعني أو يقود إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي سوف لن تتوقف عن قضم الأراضي الفلسطينية. ثالثا، أن تكون هناك دولتان الأولى، دولة حقيقية، أي معترف بها دوليا وهي بلا حدود رسمية لها، ودولة مفترضة أخرى، بإطار هيكلي، متفق عليه بين دولة الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة الفلسطينية، فارغ من المحتوى، أي لا سلطة حقيقية لها، أي لهذه السلطة على الأرض والإنسان؛ مما يتيح للأولى، أو يفتح الطريق لها، في تحويل أطماعها إلى واقع على الأرض، كما في ثانيا.. إن الطريق الصحيح كي ينال الشعب الفلسطيني حقه المشروع في الحياة والوجود والسلام؛ هو الدعم المستدام لهذا الشعب المناضل والمجاهد؛ في المحافل الدولية وفي الحياة وفي تنمية قدرة المقاومة في مواجهة عدو مجرم وطماع لا ضمير له. وفي، وهو الأهم؛ استثمار قدرات التأثير العربية التي تمتلكها الأنظمة العربية؛ في إجبار وتحت ضغط المصالح؛ القوى العظمى والكبرى، على أن تقف موقفا عادلا ومنصفا من القضية الفلسطينية، ما أقصده كل القوى الدولية الكبرى وليس حصرا أمريكا والغرب. أما المناشدات والتصريحات المستنكرة والشاجبة للعدوان الإسرائيلي، من غير أن تكون هناك أفعال على أرض الواقع؛ فلن يكون لها تأثير فاعل ومنتج على الإطلاق. وأكبر دليل على ذلك؛ هو إصرار دولة الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة مجازرها بعد انتهاء الهدن التكتيكية، وإصرار أمريكا على دعمها، بل مشاركة فيها سياسيا وتسليحا.

***

مزهر جبر الساعدي

 

في المثقف اليوم