مقاربات فنية وحضارية

سناء عبد القادر: جميل حمودي أحد أساطين الفن التشكيلي العراقي

كتبت هذه المقالة في حوار شخصي مع الفنان الراحل جميل حمودي في خريف العام 2002 في بيته بالعاصمة بغداد وهي جزء من كتاب عن تطور الفنون التشكيلية في العراق في القرن العشرين باللغة النرويجية قمت بتأليفه مع زوجتي آلا بوغدانوفا (ماجستير في تاريخ الفنون التشكيلية، أكاديمية الفنون الجميلة، سانت بطرسبورغ، روسيا 1983).

Irakisk kunst – dannelsen av egne visjoner.

Kunstutviklingen i Irak i 20 århundre

Sanaa Mustafa  & Alla Bogdanova

في زيارتنا إلى بغداد، كان من حسن حظنا أن نلتقي بأحد أساطين  الفن  التشكيلي العراقي، جميل حمودي. كان يبلغ من العمر حوالي 80 عاما وحتى ذلك الحين كان جالس على كرسي متحرك ساعدته في دفعه ابنته الفنانة عشتار التي سوف نتحدث عنها في حلقة قادمة. ولكن على الرغم من المرض، يمكن للانسان المقابل له أن يشعر بقوة وجهه الروحية وحدة نظراته اثناء المحادثة التي أجريناها معه. كما أعرب جميل حمودي  عن سعادته  حيث قال: " إنه يقدر كثيرا نشر الفن العراقي في الدول الاسكندنافية ". 176 جميل حمودي

 يروي جميل حمودي: "شاركت في تطوير الفن  التشكيلي في العراق منذ العام 1932، وعشت جميع مراحل الفن العراقي. كان العمل مع الزملاء في إنشاء الفن العراقي مثل جواد سليم وعطا صبري وحافظ الدروبي وعيسى حنا غنيا بالأفكار الإبداعية المحفزة. كنت أول من حول الخط العربي إلى فن حديث بارز".  جميل حمودي هو شخصية بارزة بين المثقفين العراقيين الذين استوعبوا الكثير من أفكار ومصطلحات التكعيبية الفرنسية في أعماله. كان أول ظهور له في أوائل  الأربعينيات كنحات.  قام في أعماله  بخلط مواد مختلفة: الجص والحجر والخشب والمعادن والبرونز والزجاج والرخام والبلاستيك والسيراميك. وفي الوقت نفسه بدأ  بإصدار مجلة "الفكر الحديث"  في العام 1945. نشر في مجلة الفكر الحديث مقالات عن أندريه جيد وفاليري وكوكتو وهنري مور وبرنارد شو وسارويان، بهدف توجيه العراقيين نحو الفن والثقافة الأوروبية. درس في باريس وعاش هناك من العام 1947 إلى العام 1965، وقد استوحى الكثير من أفكاره من الفنانين الفرنسيين والمجتمع الفكري الفرنسي بأكمله.

بادئ ذي بدء، انجذب إلى السريالية، وكان السريالي الوحيد في العراق في  أربعينيات القرن العشرين. ولكنه عندما تعرف عن قرب على مجموعة أندريه بريتون، اكتشف أن السريالية، مع ميلها إلى التدمير النفسي، لم ترضيه. "أعمالهم لها مزاج شيطاني يمتص اليأس والاكتئاب ويعبر عن شعور قاتم بحدوث كارثة ". هذه الأنواع من الافكار كانت بالضد مم معتقداتي. وهكذا حدث الفراق  معهم كما حدثنا به جميل حمودي عن ذكرياته مع السرياليين.

كتب  بول بالتا كاتب سيرة جميل حمودي، "هذا الفراق لم يوقف سعيه وحبه للاكتشاف". هناك، في باريس، تعرف على التكعيبيين سارتر وغابرييل مارسيل وماتيس وبيكاسو وسيزار الذين كانوا أعضاء في جمعية مدرسة الفنون الجميلة. كان للتكعيبية تأثير كبير عليه وتقبل تبسيطها للشكل.

ساعدته هذه الاتصالات المستمرة مع الفن المعاصر في باريس على قطع أساليب العمل المثالية. في الوقت نفسه، كان مفتونا بشدة بالفن الشرقي وألوانه الرائعة والخط المقدس للكتاب المقدس. وروى حمودي أن فنان المنمنمات يحيى الواسطي (القرن 13) وأساليبه اللونية أثارت إعجابه وأثارت حماسه. "في منمنمات يحيى الواسطي، يجد المرء الحرية والدقة في الخطوط التي توفر حيوية لا تصدق". هذه المنمنمات هي مصدر إلهام للخط في أعمال حمودي. وصف البروفيسور ريمون باير من جامعة السوربون في باريس انطباعاته عن أعمال جميل حمودي في أربعينيات القرن العشرين: "إنه يختار تدرجات الألوان مع الحدس والمعرفة، ويخلق رفقة مناسبة تجذب البصر وتسمح لأعيننا بالعثور على نقطة دعم تلامس المشاعر التي نضمرها في أعماق أرواحنا". بحث حمودي عن الإيقاعات الصحيحة ووجدها في الإيقاعات المتكررة للشعر والموسيقى العربية، وفي الحركات الدائرية للرقص الصوفي. المزاج التوافقي الموجود في الرقص والأغنية الصوفية يوحون له بتناغمات وأشكال خاصة به. 

يحول جميل حمودي أشكاله الرمزية إلى أنماط زخرفية بعناصر من السمات التكعيبية: "الخط العربي"، "الحروف باللون الأزرق". واحدى التراكيب والتشكيلات  الأخيرة هي آية من القرآن الكريم. تشكل حروف الآية نمطا إيقاعيا ومتناسقا بأشكال تكعيبية هندسية: دائرة ومثلث وقوس. يضع الفنان رمزية عميقة في هذه الأشكال. ترمز الدائرة إلى الشمس والوجود والحياة والتوحيد. المفصل الذهبي يرمز إلى الإنسانية. يشير المثلث إلى كل من الأروقة والأبدية التي تمثلها الأهرامات ويضيف مزاجا شرقيا. كشف أسراره عندما أوضح: "يبدأ الجمهور الذي ينظر إلى أعمالي في البحث عن معنى أدبي ولكنه يجد رمزية الصوفية. يتوقعون الرومانسية، لكنهم يكتشفون التأمل.  ان فني هو شكل من أشكال الصلاة والعبادة". كان أول من استعاد الخط العربي بتنسيق أكبر ووضعه مع ميزات تكعيبية. فتح جميل حمودي أعماله للفلسفة الإسلامية بالرمزية والزخرفة والأساليب المصغرة. استكشف الإمكانات الرسومية والتجريدية للخط  العربي وحوله إلى شكل فني، مما ساهم في حقيقة أن الحروف العربية أصبحت في كثير من الأحيان جزءا عضويا من الأعمال الفنية ولهذا يعتبر جميل حمودي الحروفي الأول في الوطن العربي والذي أدخل الحرف العربي في أعماله التشكيلية.

***

د. سناء عبد القادر مصطفى

في المثقف اليوم