شهادات ومذكرات

أحمد لطفي السيد.. أفلاطون الأدب العربي

محمود محمد علييعد أحمد لطفي السيد (1872- 1963) واحد من أبرز المثقفين المصريين فى القرن العشرين، وهو رائد من رواد حركة النهضة والتنوير، فقد شغل العديد من المناصب السياسية الرفيعة في الدولة كمنصب وزير المعارف ووزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء، ورئيسًا لمجمع اللغة العربية، ورئيسًا لدار الكتب، ومديرًا للجامعة المصرية، وتحققت في عهده الكثير من الإنجازات خاصة في الجانب التعليمي والثقافي؛ ويعتبر من قادة التنوير والتثقيف في مصر في القرن العشرين، ولقب بأستاذ الجيل؛ وقد وصفه "عباس العقاد " بأنه بحق أفلاطون الأدب العربي كما أطلق عليه لقب أستاذ الجيل، ويقول الدكتور حسين النجار عن لطفي السيد بأنه "تتلمذ على الشيخ محمد عبده في مدرسة الحقوق، واتصل به وعرفه بعد ذلك في سويسرا"، ويقول ألبرت حوراني: "التقى لطفي السيد بمحمد عبده وأصبح صديقه وتلميذه، كذلك تعرف إلى الأفغاني في أثناء زيارة قام بها إلى استنبول، فأعجب به كثيرًا".

وقد اتخذ أحمد لطفي السيد من "الجريدة" منبرًا لأفكاره وتقاليده واتجاهاته وفلسفته في النظر إلى الأشياء، تبوأ على صفحاتها مقعد المعلم والأستاذ الذي جلت مكانته بين تلاميذه، فكان أستاذ جيل، وأصل ما انقطع من رسالة الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي؛ وقد كتب أحمد لطفي السيد آلاف المقالات في صحيفة "الجريدة" منذ صدورها 1907 حتى قبيل احتجابها 1915، نشر المرحوم إسماعيل مظهر مختارات منها في جزأين بعنوان "المنتخبات" وثالث بعنوان "تأملات في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع" ومجموعة أخرى بعنوان "صفحات مطوية".

وقد تمثّلت كتابات أحمد لطفي السيد خاصة في المقالات التي نشرها في جريدة "الجريدة" عرض فيها جملة مواقفه وآرائه حول مسائل اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة. وقام بجمعها إسماعيل مظهر في كتب حملت عناوين: "المنتخبات"، و"تأملات"، و"صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية" إضافةً إلى مذكراته بعنوان "قصة حياتي".

وقد استمد أحمد لطفي السيد كتاباته من منابع ثلاثة -تميل إلى العلوم المنطقية والفلسفية- من الفلسفة العربية، تأثر بفلسفة ابن رشد وابن سينا وابن حزم، ومن الفلسفة اليونانية تأثر بفلسفة أرسطو. ومن الفلسفة الأوروبية تأثر بالفلاسفة المحدثين مثل "كانت" الألماني، ثم فولتير وروسو من المفكرين الفرنسيين، وجون ستيوارت الفيلسوف الإنجليزي، فانطبع تفكيره بآثار هؤلاء المفكرين حتى لم يحل مقال كتبه من تأثيرهم.

وقد تولّى أحمد لطفي السيد ترجمة كتابات عدّة لأرسطو منها كتاب الأخلاق من اللغة الفرنسية (1922) بعد أن هجر الصحافة إلى دار الكتب لإيمانه أن حركة الترجمة تسبق حركة التأليف وتمهد لها، كما حدث في عصر النهضة الأوروبية، وإدراكه أن "أرسطو" أول من ابتدع علم المنطق، وأكبر مؤلف له أثر خالد في العلوم والآداب، وقصد بذلك أن يعرف الناس مبادئ المعلم الأول في السياسة؛ لأنها -عند أرسطو- أشرف العلوم، وبها يتم تدبير المدينة ليكون سكانها فضلاء.

وهو صاحب القولة الشهيرة الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ونادى بتحديد مفهوم للشخصية المصرية، رافضا ربط مصر بالعالم العربي، أو تركيا أو العالم الإسلامي سياسيا، ويربط بين الجنسية والمنفعة، وكان أهم ما طرحه في هذا الشأن الدعوة إلى القومية المصرية كأساس لانتماء المصريين.

وكتابه "قصة حياتي" يروى فيه مذكراته، حيث يقول :" نشأت في أسرة مصرية صميمة لا تعرف لها إلا الوطن المصري، ولا تعتز إلا بالمصرية، ولا تنتمى إلا إلى مصر، ذلك البلد الطيب الذى نشأ التمدن فيه منذ أقدم العصور، وله من الثروة الطبيعية والشرف القديم ما يكفل له الرقى والمجد".

وقد ولدت فى15 يناير سنة 1872 م بقرية "برقين" من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية، وهى قرية صغيرة كان تعدادها في ذلك الحين يبلغ مائة نفس، ويشاع بين أهل الريف أن اسمها "النزلة" وربما سميت باسم "برقين" الفلسطينية، وقد تضاعف سكانها، فأصبح عددهم الآن نحو ألفى نفس، وهم زراع ماهرون مشهورون بالجد والنشاط والاستقامة، وقد اعتادوا أن ينطقوا القاف "جافًا"، والجيم جيمًا معطشة كسائر أهالي مركز السنبلاوين، وما زالت هذه اللهجة تغلب على فى حديثي.

وكان والدى "السيد باشا أبو على" عمدة هذه القرية كوالده "على أبو سيد أحمد"، وقد كان يجيد حفظ القرآن الكريم كله، وعرف بشخصيته المهيبة، وقوة شكيمته، وعدالته فى معاملته، وعطفه على أهل قريته وغيرهم، وأذكر أنه ما قسا يومًا عليَّ، ولا وجه إلى كلمة نابية أو عبارة تؤلم نفسى، بل كان، طيب الله ثراه، عطوفًا حكيمًا في تربية أبنائه، يعتنى بالقدوة الحسنة، وحسن التوجيه والإرشاد.

ولما بلغت الرابعة من عمرى أدخلني كتاب القرية، وكانت صاحبته سيدة تدعى "الشيخة فاطمة"، فمكثت فيه ست سنوات تعلمت فيها القراءة والكتابة، وحفظت القرآن كله، وكنت أجلس مع زملائي على الحصير، ونصنع الحبر بأيدينا، وإلى هذه السيدة يرجع فضل تنشئتي الأولى في تلك السنين.

وقد تأثر أحمد لطفي السيد بالشيخ محمد عبده الذى تعرف اليه في أثناء دراسته و شجعه لما رأى تميزه في الكتابة وميله إلى الحرية والديمقراطية، فكانت مدرسة أحمد لطفى السيد امتدادا لمدرسة الشيخ محمد عبده في اعتناقها للإصلاح والتطور وابتعادها عن العنف السياسي، وإن عاد أحمد لطفى للعمل السياسي الذى ابتعد عنه الشيخ محمد عبده، حيث مارس واهتم جيل ما بعد الثورة العرابية بالسياسة، وتحددت معالم الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وانعكس ذلك على شخصية لطفى السيد فأصبح الناطق بلسان جيله حتى صار معلمه الأول وكان لديه من الاستعداد الذهني والعقلي ما بوأه مكان الصدارة الفكرية فلم يتقيد بتقاليد الطبقة التي ينتمى اليها "طبقة الأعيان" ولم يتحرر منها، فتبنى المفهوم الليبرالي للحرية في أوروبا، مناديا بتمتع الفرد بقدر كبير من الحرية وبغياب رقابة الدولة على المجتمع، فالأمة من حقها أن تحكم نفسها بنفسها، مشددا على ضرورة أن يكون الحكم قائما على أساس التعاقد الحر بين الناس والحكام، وهنا يختلف أحمد لطفى السيد عن الإمام محمد عبده الذى يؤمن بحكم الفرد بشرط أن يكون عادلا والذى يراه لطفى لا يصلح الا للمجتمعات البدائية.

كما دعا لطفى السيد للقومية المصرية والربط بين الجنسية والمنفعة، بعيدا عن الرابطة الشرقية والدينية، كأساس لانتماء المصريين رافضا ربط مصر بالعالم العربى أو تركيا أو العالم الإسلامي سياسياً، يقول لطفى "ان مصريتنا تقضى أن يكون وطننا هو قبلتنا، وأن نكرم أنفسنا ونكرم وطننا فلا ننتسب لوطن غيره، وفي مقال لأحمد لطفي السيد نشر في جريدة “الجريدة” في 6 /1 /1913 يقول (كذلك نحن المصريين نحب بلدنا ولا نحب مطلقا أن ننتسب إلى وطن غير مصر مهما كانت أصولنا حجازية أو تركية أو شركسية أو سورية أو رومية ؛أقمنا في مصر وطنا لنا وعقدنا معها عقد صدق ترزقنا من خيرها ونقوم علي مصالحها ونفدي شرفها بأرواحنا) ثم استطرد يقول:" قوميتنا أولها أن نكرم أنفسنا ونكرم أوطاننا فلا ننتسب إلى وطن غيره ونخصه بكل خيرنا وكل منافعنا ونحيطه وحده بكل غيرتنا".

وعلاوة على ذلك فقد كان أحمد لطفي السيد يمثل حالة نادرة فى الثقافة المصرية، فهو قليل الإنتاج عظيم الشهرة، لا يوجد حديث عن التنوير والعلم والتقدم والثورة والسياسية، إلا كان لطفى السيد حاضرا وبقوة ندا لطه حسين والعقاد وسلامة موسى إلخ، بل إنه أستاذ الجميع، أستاذ الجيل.

وفى السياسة كان من أعضاء الوفد المؤسسين عام 1919 صديقا وندا لسعد زغلول. رجل كان سلوكه وعقله ومواقفه النبيلة يرتقون به في الثقافة والسياسة. يقول عنه رجاء النقاش: كتاباته القليلة، وكان صاحب أسلوب تقريري علمي هادئ يخلو من الحرارة والعاطفة والجمال الأدبي، ويكاد الناس حتى المثقفون المتخصصون لا يعرفون اسم كتاب واحد كتبه لطفى السيد، ومع ذلك فإن اسمه لا يغيب عند دراسة الفترة الليبرالية الحافلة بالتنوع والنشاط والرغبة القوية في التغيير والنهوض بالمجتمع.

وإذا درست تاريخ طه حسين فسوف تلتقى كثيرا باسم لطفى السيد الذى قدم كثيرا من العون والمساندة له من البداية للنهاية، وإذا كانت الدراسة عن جامعة القاهرة منذ كانت جامعة أهلية سنة 1908 إلى أن أصبحت جامعة حكومية سنة 1925، فسوف تجد اسم لطفى السيد مضيئا مشرقا فى سماء هذه الجامعة أكثر من جميع الأسماء التي ارتبطت بها، باستثناء قاسم أمين.

وكان لطفى السيد يقتحم كل القضايا بطريقة هادئة معتدلة، وينجح فى اقتحامه لأنه كان يستخدم المرونة والهدوء والصبر فى كل القضايا التى كان يقوم فيها بدور الرائد التى من أجلها أخذ لقب أستاذ الجيل. كان لطفى السيد يحدد هدفا ثابتا لا يحيد عنه، لكنه يحرص بقدر ما يستطيع أن تكون أساليبه بعيدة عن العنف والصراعات والاصطدام بالآخرين.

كما تبنى أحمد لطفي السيد المفهوم الليبرالي للحرية في أوروبا مناديًا بتمتع الفرد بقدر كبير من الحرية. وهو صاحب المقولة الشهيرة: «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.» ونادى بتحديد مفهوم للشخصية المصرية، كما نادى بتعليم المرأة، وتخرجت في عهد رئاسته للجامعة أول دفعة من الطالبات.

وقد طالب أحمد لطفي السيد باستقلال الجامعة، وقدم استقالته حين تم إقصاء طه حسين عن الجامعة، كما قدم استقالته مرة أخرى حين اقتحمت الشرطة حرم الجامعة، ودعي إلى استعمال اللغة العامية المصرية بدلًا من العربية الفصحى، وسياسيًّا أسس حزب الأمة المصري صاحب شعار مصر للمصريين في ديسمبر ١٩٠٧م، حيث كان هدف الحزب الرئيسي هو المطالبة بالاستقلال التام والدستور.

وأسس أحمد لطفي السيد حزب الأمة المصري صاحب شعار مصر للمصرين في ديسمبر 1907 حيث كان هدف الحزب الرئيسي هو لمطالبة بالاستقلال التام، ويعتبر من رواد الليبرالية المصرية، وهو من مؤسسي مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

وقد توفي أحمد لطفي السيد في 5 مارس العام 1963 بالقاهرة، ولديه ابنة واحدة هي عفاف لطفي السيد وهي أستاذة العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا، بيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

المراجع:

1- أحمد لطفي السيد: قصة حياتي،  قصة حياتي، مهرجان القراءة للجميع، مكتبة الأسرة،1998 .

2- د. حسين فوزي النجار : أحمد لطفي السيد: أستاذ الجيل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975.

3-ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة، دار النهار للنشر السلسلة: السلسلة الفكرية، 1970.

4- أحمد إبراهيم الشريف: أحمد لطفى السيد و"قصة حياتي".. مذكرات أستاذ الجيل في القرن العشرين، اليوم السابع، الأربعاء، 19 أغسطس 2020 12:00 ص

5- محمد أبو العينين: "الأستاذ" أحمد لطفى السيد أفلاطون الأدب العربي، الأهرام، الجمعة 6 من جمادي الاولى 1435 هــ 7 مارس 2014 السنة 138 العدد 46477

6- محسن عبدالعزيز: أحمد لطفى السيد أستاذ الجيل.. لماذا؟، الأهرام، الجمعة 17 من جمادي الآخرة 1440 هــ 22 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48290

7- لمعى المطيعى: موسوعة هذا الرجل من مصر. (ط.2). القاهرة، مصر: دار الشروق، 1997.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5715 المصادف: 2022-04-29 05:05:29


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5930 المصادف: الاربعاء 30 - 11 - 2022م