 نصوص أدبية

فتحي مهذب: السيجارة المغشوشة

فتحي مهذبكان يوم يشبه الأيام الأولى في الحرب التي تدور رحاها بين البشر أو بين الحيوانات الضارية في الغابات السحيقة.

عربات الغيوم المتدافعة تكاد تسحق رؤوسنا لفرط دنوها من الأرض. الشمس مختبئة في نفق سماوي كما لو أنها أرنب مذعور يطارده ثعلب تخلى عن وجاره منذ يومين.

الناس يسرعون في اتجاهات شتى

لقضاء حوائجهم.

ضجيج أبواق عربات الإسعاف.

غربان شريرة تتقاتل فوق أعمدة التليغراف.

دخلت أنا وإبني الذي أضاع عقله في كثافة اللامرئي.

في أمكنة مستدقة خارج أطر المحسوسات.

كما لو أنه إبرة في كومة قش.

كان باب مستشفى الأمراض النفسية والعقلية الخشبي يشبه باب قلع مهجورة  لسمكه ومتانته والنتوءات التي تكسو مظهره الخارجي.

-  إبني يردد بنبرة شفيفة : أنا موسيقار عظيم

أنا إبن باخ الألمعي.

-  نعم أنت موهبة عظمى جادت بها السماء مرة واحدة.

ثم شرع يدندن ويضرب صدره بأطراف أصابعه.

فجأة يتوقف.

يطلق عينيه مثل فراشتين مرتبكتين وراء طابور من المجانين ينتظرون دورهم ليلتحقوا بالعيادات الخارجية .

-   جمهوري  هبط من عطارد ليلة أمس.

لقد قلبوا لي ظهر المجن.

أطاحوا بعرشي وشردوا بطانتي.  -  أنظر يا أبي ثمة شبح مسلح يحاول قتلي.

أسد بطول مترين ونصف وبسيقان ستة ورأسين توأمين

يحدق في عيني.

-  تف سأقتلك بلكمة واحدة أيها الجرم القذر.

سأحرر العالم قريبا.

كنا نواصل السير متجهين إلى قسم ابن الجزار حيث سيقضي أياما تحت رعاية طبية مكثفة

في منتصف الطريق اعترض سبيلنا أحد المجانين.

يبدو كما لو أنه هيكل عظمي فر من معتقل نازي.

عيناه لا تنظران إلى العالم الفيزيقي بل إلى ما وراء الأشياء.

يضلع في مشيته كما لو أنه آلة مفككة.

بادرنا بالسؤال.

- هل من سيجارة يا عمي.

- ناولته واحدة.

أشمس وجهه لبرهة ثم إنطفأ.

- هل أنتما ذاهبان إلى القمر

رد إبني متوترا :

- نحن متجهان إلى فرج أمك الكلبة لجز طبقات القطن الكثيفة.

-  قال المجنون بلهجة ساخرة.

- ليس لي أم إطلاقا

- أنا نزلت من السماء مباشرة

-  هانذا في المستشفى منذ أشهر أربعة.

لم أدخر وسعا في البحث

عن العصابة التي إختلست ثروتي الطائلة.

- هل عندكم مسدس؟

- أرجوكم ساعدوني على إدراك الحقيقة.

- لكزه إبني مزمجرا : إليك عنا يا ابن العاهرة .

سمعنا خواره يتداعى خلفنا.

واصلنا الطريق إلى قسم ابن الجزار.

- قلت لابني: ستنعم بإقامة طيبة هنا وتنال حصتك من ثمار الموسيقى العذبة.

ثم تمتمت كما لو أني أمام  محكمة التفتيش أيام القرون الوسطى.

عقلك في حاجة إلى صدمة كهربائية ليتماسك ويقف على قدميه مرة أخرى.

ليعقل أشياءه المجردة.

ويستوي على سوقه.

ثم قلت بنبرة مبحوحة:

-  أنت موسيقار كبير يا إبني.

- شكرا أبي.

لما بلغنا  قسم ابن الجزار إستقبلتنا ممرضة ضخمة مثل جاموس

رحبت بنا ماسكة ملفا طبيا بين يديها

-  قال إبني المختل :

-  أنظر إنها تحمل رضيعا وراء أليتها.

- ليس رضيعا يا عطارد

إنه جزء بارز من إليتها يشبه الحدبة.

وضعت نظاراتها على الطاولة

حدقت في هيئة إبني الملفتة للنظر.

-  قلت: إنه شقيق باخ الأصغر.

موسيقار عظيم في حاجة إلى مكان هادىء ليؤلف ويبدع.

- نعم هذه قاعة أوركسترا.

-  نعم سيبدع كثيرا.

هكذا قالت مشيرة برأسها بأنها استوعبت كلامي.

وفي هذه اللحظة بالذات طوقنا حشد غفير من المرضى.

كل يرغب في الحصول على سيجارة.

وضعت إصبعي في فمي.

كما لو أني أحمل سيجارة فاخرة

ثم توجهت إليهم قائلا :

انتظروا قليلا سأمنح كل واحد منكم سيجارة.

إصطحبت الممرضة إبني إلى سريره الملكي ليبدع ويتخيل ما شاء له ذلك.

وعلى غرة هاجمني أحد المرضى

وكاد يقطع إصبعي ليدخنه بنبالة أحد قياصرة الروس.

سحبت إصبعي بقوة ولذت بالفرار تاركا إبني الموسيقار الفذ في هذا المعتقل المليىء بأشباه البشر.

وغالبا ما ينتابني شعور ممض ومثير للغثيان.

قد يقطعون أصابعه المتجمدة متخيلين أنها سجائر فاخرة هبطت عليهم من السماء السابعة.

 ***

فتحي مهذب

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5732 المصادف: 2022-05-16 01:45:57


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5783 المصادف: الاربعاء 06 - 07 - 2022م